لم يكن الجيش السوداني في يومٍ من الأيام مجرد مؤسسة عسكرية تحمل السلاح وتحرس الحدود، بل كان ولا يزال أحد أعمدة الدولة السودانية وركنا أصيلاً من وجدان هذا الشعب وسورًا منيعًا يحتمي به الوطن كلما ادلهمت الخطوب واشتدت المحن فالجيش السوداني لم يبن من فراغ ولم يتشكل من مرتزقة أو طامعين، بل تكوّن من أبناء هذا الشعب من المزارع الذي ترك حقله ومن الطالب الذي ترك قلمه ومن العامل الذي ترك رزقه وذهبوا جميعاً ليقفوا في صف الوطن لا يطلبون مالًا ولا جاهًا، وإنما يحملون أرواحهم على أكفهم ويكتبون بدمائهم تاريخ السودان.
لقد مر هذا الجيش بمحطات صعبة وحروب قاسية ومؤامرات كثيرة، لكنه ظل في كل مرة يقف من جديد كجبل لا تهزه الرياح وكشجرةٍ ضاربةٍ في عمق الأرض كلما حاولوا اقتلاعها ازدادت ثباتًا، ولذلك فإن حملات التشويه التي تدار ضده اليوم ليست جديدة فكل الجيوش الوطنية في العالم التي تحمي أوطانها وتمنع سقوط دولها تتعرض دائمًا لمحاولات الشيطنة والتشويه، لأن إسقاط الجيوش هو أقصر طريق لإسقاط الدول.
إن المتربصين بالجيش السوداني لا يريدون إصلاحه كما يزعمون، بل يريدون إضعافه، ولا يريدون مصلحة الوطن بل يريدون وطناً بلا جيش، ودولة بلا سيادة وشعبا بلا حماية. هؤلاء لا يرون في الجيش مؤسسة وطنية بل عقبة في طريق مشاريعهم، لذلك يهاجمونه بالإشاعات، وبالحملات الإعلامية وبمحاولات زرع الفتنة بينه وبين الشعب لكنهم ينسون أن هذا الجيش هو من أبناء الشعب نفسه، وأن الرصاصة التي يطلقها الجندي إنما يطلقها وهو يفكر في أهله وبيته وبلده.
أما قيادة الجيش فقد ظلت رغم كل الظروف تقف في مقدمة الصفوف لا خلفها، وتتحمل المسؤولية في أصعب اللحظات وتدير المعارك بظروف معقدة وحصار إعلامي وسياسي، ومع ذلك لم تنهَر ولم تساوم ولم تفرط في الدولة وهذه حقيقة قد يختلف حولها الناس في السياسة لكن لا يستطيع أحد أن ينكر أن بقاء الدولة السودانية نفسها مرتبط إلى حد كبير بصمود هذه المؤسسة. والجيش السوداني ليس معصومًا من الأخطاء، فالكمال لله وحده لكن الفرق كبير بين من ينتقد من أجل الإصلاح ومن يهاجم من أجل الهدم وبين من يريد جيشًا قويا للوطن ومن يريد وطناً بلا جيش.
سيبقى الجيش السوداني مهما اشتدت الحملات جزءًا من تاريخ هذا البلد وحاضره ومستقبله، وسيبقى جنوده يكتبون بدمائهم ما يعجز عنه الحبر وسيظل الشعب رغم كل شيء يعرف من الذي يقف معه عند الخطر ومن الذي يظهر فقط عند اقتسام الغنائم، فالأوطان لا يحميها الكلام ولا تصونها الشعارات، بل يحميها رجال يقفون حين يهرب الجميع، ويصمدون حين يسقط الجميع ويموتون لكي يعيش الوطن.


