يبدو أن عبد الله حمدوك قد وجد أخيرًا الشعار الذي يظن أنه يعيده إلى المشهد: الإسلام السياسي. فبعد سنوات من الصمت وبعد تجربة حكم مرتبكة ومتناقضة انتهت بانهيار الدولة واشتعال الحرب خرج الرجل فجأة (يلوك) هذا المصطلح بإلحاح غريب وكأنه اكتشف لتوه أصل الأزمة السودانية.
لكن المشكلة ليست فقط في سطحية هذا الطرح، بل في حالة الانفصال الكامل عن الواقع التي يكشفها فالسوداني اليوم لا يعيش أزمة إسلام سياسي، بل يعيش أزمة وطن ممزق وبيوت منهوبة ومدن مدمرة وكهرباء تضربها المسيّرات وسيادة تتعرض للانتهاك كل يوم ومع ذلك يصر بعض ساسة المرحلة الانتقالية على الهروب من كل هذه الحقائق إلى معارك أيديولوجية مستهلكة فقدت معناها وتأثيرها الأكثر إثارة للسخرية أن حمدوك نفسه لم يكن يرى في الإسلام السياسي خطرًا وجوديًا حين كان جالسًا على كرسي السلطة، لم يتحدث بهذه اللغة وهو يقود الحكومة، ولم يطرحها كمبرر لاستقالته ولم يجعلها عنوانًا لمعركته السياسية، بل ظل يتحدث وقتها عن الشراكة، والهبوط الناعم و التوافق بينما كانت البلاد تساق ببطء نحو الانفجار،
ثم بعد أن سقط المشروع الانتقالي كله سقوطًا مدويًا، وبعد أن انكشفت هشاشة النخبة التي حكمت باسم الثورة صار (الإسلام السياسي) فجأة شماعة جاهزة لتعليق الفشل عليها، وهنا تكمن الفضيحة الحقيقية، فالمرحلة الانتقالية لم تسقط بسبب الإسلاميين وحدهم كما يحاولون تصوير الأمر، بل سقطت لأنها كانت مشروعًا مرتبكًا بلا رؤية دولة تحكمه عقلية الإقصاء والشعارات والانتهازية السياسية كانت سلطة منشغلة بالانتقام الرمزي أكثر من انشغالها ببناء مؤسسات تحفظ البلاد من الانهيار.
لقد تعاملت تلك النخب مع السودان كمنصة لتصفية الحسابات الفكرية لا كوطن ينهار أمام أعينهم انشغلوا بتفكيك الخصوم بينما كانت المليشيات تتضخم، والسلاح ينتشر والدولة تتآكل والسيادة تباع في أسواق المصالح الإقليمية. والأدهى من ذلك أن بعض رموز المرحلة الانتقالية يريدون اليوم غسل أيديهم من الكارثة بالكامل وتقديم أنفسهم كضحايا أبرياء رغم أنهم كانوا جزءًا أصيلًا من المشهد الذي مهد لهذا الانهيار يريدون من الناس أن ينسوا سنوات التخبط، والفشل الاقتصادي، والتنازع داخل السلطة والارتهان للخارج ثم يصدقوا فجأة أن كل المصيبة تختزل في عبارة واحدة “الإسلام السياسي” أي استخفاف بعقول الناس هذا؟!
إن المواطن الذي فقد منزله، أو أهله أو أمنه لا يعنيه هذا الهراء النخبوي الذي يعاد تدويره كلما احترقت الأوراق السياسية القديمة المواطن يريد دولة تحميه، لا خطبًا أيديولوجية باردة تلقى من خلف المنصات والفنادق.
لقد سقط القناع عن كثير من شعارات المرحلة الانتقالية واتضح أن بعض من تحدثوا باسم المدنية والديمقراطية لم يكونوا أقل ممارسة للإقصاء، والتضليل وصناعة الكراهية من خصومهم الذين يهاجمونهم صباح مساء.
أما إعادة إحياء فزاعة الإسلام السياسي اليوم فهي ليست دليلًا على وضوح الرؤية، بل على الإفلاس السياسي الكامل فعندما تعجز النخب عن تقديم مشروع وطني حقيقي تلجأ إلى صناعة عدو دائم وتبدأ في اجترار المصطلحات القديمة علّها توقظ جمهورًا فقد ثقته بكل شيء، لكن السودان المنهك بالحرب لم يعد يحتمل هذا العبث ولم يعد الناس يملكون رفاهية الانجرار خلف معارك المصطلحات التي أهدرت أعمار البلاد، بينما الوطن نفسه كان يتداعى قطعةً قطعة تحت أقدام الجميع.


