مقدمة
تكشف التجربتان الإيرانية والسودانية أن أدوات إسقاط الأنظمة السياسية ذات الطابع الأيديولوجي تكاد تكون متشابهة في كثير من الأحيان، خاصة عندما تدخل هذه الأنظمة في حالة صدام مع القوى الغربية والإقليمية.
فكل من الثورة الإسلامية في إيران وثورة الإنقاذ الوطني في السودان واجهتا ضغوطاً مركبة استخدمت فيها أدوات متعددة، من أبرزها:
– العقوبات الاقتصادية.
– الحصار السياسي.
– الحروب الإعلامية.
– دعم وتحريك المعارضة الداخلية.
– حروب الاستنزاف العسكرية.
– تعطيل المشاريع الاقتصادية والتنموية.
– العزل الدبلوماسي والإقليمي.
لكن رغم تشابه أدوات الاستهداف، فإن النتائج النهائية جاءت مختلفة بصورة واضحة، حيث نجحت إيران في بناء مشروع إقليمي متماسك نسبياً، بينما تعرض مشروع الإنقاذ السوداني للاستنزاف والحصار الداخلي حتى انتهى بالسقوط.
أولاً: العداء للغرب ودعم القضية الفلسطينية
تبنت الثورتان خطاباً سياسياً يقوم على:
–:رفض الهيمنة الغربية.
– رفع شعار الاستقلال الوطني.
– دعم القضية الفلسطينية.
– مساندة حركات المقاومة، خاصة الإسلامية منها.
وقد تحولت إيران إلى أحد أبرز الداعمين لمحور المقاومة في المنطقة، عبر دعم قوى وحركات إقليمية متعددة.
أما حكومة الإنقاذ في السودان، فقد تبنت خطاباً مشابهاً، واستضافت عدداً من الحركات والشخصيات الإسلامية خلال تسعينيات القرن الماضي، ما أدى إلى تصاعد الضغوط الغربية والإقليمية عليها.
ثانياً: العقوبات وحروب الاستنزاف
استخدم الغرب العقوبات الاقتصادية بصورة مكثفة ضد كل من إيران والسودان بهدف:
– إنهاك الاقتصاد.
– إضعاف مؤسسات الدولة.
– خلق ضغوط اجتماعية داخلية.
– دفع الأنظمة نحو التراجع أو السقوط.
كما تعرض البلدان إلى حروب استنزاف طويلة:
– إيران عبر الحرب العراقية الإيرانية، ثم الصراع الإقليمي والعقوبات.
– السودان عبر الحروب الداخلية في الجنوب ودارفور ومناطق أخرى.
لكن الفارق الأساسي أن إيران استطاعت تحويل الضغوط إلى مشروع تعبئة وطنية، بينما استنزفت الحروب الداخلية السودان بصورة أكبر بسبب التعدد الجغرافي والإثني والسياسي.
ثالثاً: المقامرة السياسية وأزمة محاولة اغتيال مبارك
تعرضت حكومة الإنقاذ لعزلة دولية وإقليمية كبيرة بعد اتهامها بالتورط في محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا عام 1995.
وقد شكلت هذه الأزمة نقطة تحول خطيرة أدت إلى:
تضييق الخناق على السودان.
تصاعد الضغوط الدولية.
تراجع العلاقات مع دول الجوار.
إدراج السودان ضمن قوائم الدول الراعية للإرهاب.
ويرى كثير من الباحثين أن تلك المرحلة مثلت إحدى أكبر المقامرات السياسية والأمنية التي أضرت بالمشروع السياسي للإنقاذ.
رابعاً: إيران وبناء القوة العسكرية
تأسيس الحرس الثوري
أدركت القيادة الإيرانية منذ السنوات الأولى للثورة أن حماية النظام تحتاج إلى قوة عقائدية مستقلة عن الجيش التقليدي، فتم تأسيس الحرس الثوري الذي تحول مع مرور الزمن إلى:
– قوة عسكرية ضاربة.
– مؤسسة عقائدية متماسكة.
– جهاز أمني واستخباراتي مؤثر.
– لاعب اقتصادي وسياسي كبير.
كما خاض الحرس الثوري حروباً وصراعات متعددة، واكتسب خبرات قتالية وتنظيمية واسعة، ما جعله أحد أهم أعمدة النظام الإيراني.
خامساً: أزمة بناء القوة العسكرية في السودان
على خلاف إيران، واجهت الإنقاذ السودانية صعوبات كبيرة في بناء منظومة عسكرية موحدة وقادرة على الردع الاستراتيجي.
فبدلاً من تطوير الجيش التقليدي بصورة متوازنة، اتجهت السلطة أحياناً إلى:
– إنشاء وحدات موازية.
–:الاعتماد على التشكيلات الخاصة.
– البحث عن حلول أمنية سريعة.
ومن أبرز هذه التشكيلات:
– هيئة العمليات التابعة لجهاز الأمن.
– قوات الاحتياطي المركزي.
– القوات الخاصة داخل الأجهزة الأمنية.
– قوات الدفاع الشعبي.
وقد لعبت قوات الدفاع الشعبي دوراً مهماً في دعم الجيش خلال الحرب الأهلية، وأسهمت في توفير أعداد كبيرة من المقاتلين.
لكن الخلافات السياسية داخل الحركة الإسلامية، ثم توقيع اتفاقية السلام الشامل الخاصة بجنوب السودان، أثرت لاحقاً على هذه المنظومة.
سادساً: من حرس الحدود إلى الدعم السريع
مع تصاعد التمرد في إقليم دارفور عام 2003، اتجهت الحكومة السودانية إلى دعم قوات شبه نظامية لمواجهة الحركات المسلحة.
وبرز في تلك المرحلة اسم الشيخ موسى هلال المرتبط بقوات حرس الحدود، والتي تعرضت لاحقاً لاتهامات بارتكاب انتهاكات واسعة في دارفور.
ومع تطور الصراع، ظهرت لاحقاً قوات الدعم السريع كقوة عسكرية كبيرة لعبت أدواراً متزايدة داخل الدولة السودانية.
وبعد سقوط الرئيس عمر البشير، أصبح قائد قوات الدعم السريع الرجل الثاني في السلطة الانتقالية، قبل أن تتفاقم الخلافات مع المؤسسة العسكرية حول:
– الدمج العسكري.
– مستقبل القيادة الأمنية.
– هيكلة القوات النظامية.
وقد تطورت الأزمة لاحقاً إلى صراع عسكري واسع هدد وحدة الدولة السودانية نفسها.
سابعاً: التصنيع الحربي في السودان
محاولة بناء قوة ردع وطنية
ومن بين الجوانب المهمة في تجربة ثورة الإنقاذ الوطني، مشروع بناء الصناعات العسكرية الوطنية باعتباره أحد أهم محاولات تحقيق الاستقلال العسكري وتقليل الاعتماد على الخارج.
فقد عملت حكومة الإنقاذ على تأسيس وتطوير مؤسسة عسكرية صناعية و التي توسعت لاحقاً في إنتاج:
– الأسلحة الخفيفة.
– الذخائر.
– المدفعية.
– العربات العسكرية.
– بعض الصناعات المرتبطة بالدبابات والآليات القتالية.
كما برز مجمع الصافات كمشروع صناعي وعسكري مهم في مجال:
– صيانة الطائرات.
– تجميع بعض الطائرات.
– تطوير القدرات الفنية – والهندسية المرتبطة بالطيران العسكري والمدني.
وشاركت الصناعات العسكرية السودانية في عدد من المعارض الدفاعية الإقليمية والدولية، في محاولة لإظهار تطور القدرات التصنيعية المحلية وتحقيق قدر من الاكتفاء الذاتي في مجال التسليح.
وقد اعتبر كثير من المراقبين أن هذه الخطوة مثلت تحولاً مهماً في التفكير الاستراتيجي السوداني، خاصة في ظل:
– العقوبات الغربية.
– صعوبة الحصول على السلاح والتقنيات العسكرية.
– الضغوط السياسية الدولية.
لكن هذه الصناعات تعرضت أيضاً لاستهداف أمني وعسكري خلال سنوات التوتر الإقليمي، حيث نُسبت إلى إسرائيل ضربات استهدفت بعض المواقع والمنشآت العسكرية داخل السودان، وسط اتهامات بوجود ارتباطات تتعلق بملفات التسليح ونقل السلاح في المنطقة.
وقد كشفت تلك التطورات حجم الصراع الإقليمي المرتبط بالسودان في تلك المرحلة، وأظهرت كيف أصبحت الصناعات العسكرية جزءاً من معادلات الأمن الإقليمي والتنافس الدولي.
ثامناً: أهمية الجيش النظامي
نجاح التجربة الإيرانية وتعثر التجربة السودانية
تكشف المقارنة بين التجربتين أن إيران نجحت نسبياً في:
– الحفاظ على تماسك الجيش النظامي.
–بناء الحرس الثوري كمؤسسة عقائدية موازية لكن منضبطة داخل الدولة.
– توحيد مراكز القوة العسكرية الكبرى.
أما في السودان، فقد أدى تعدد التشكيلات المسلحة وتداخل الصلاحيات إلى:
– إضعاف مركزية القوة العسكرية.
– تعدد مراكز النفوذ الأمني.
– تصاعد الصراعات داخل المنظومة المسلحة.
ومع ذلك، لا يمكن إغفال أن المؤسسة العسكرية السودانية واصلت تطوير كوادرها، خاصة عبر: أكاديمية السودان العسكرية وأكاديمية كرري العسكرية.
وقد ساهمت هذه المؤسسات في تخريج ضباط مؤهلين علمياً وعسكرياً في مجالات الإدارة والتكنولوجيا والعلوم العسكرية الحديثة.
تاسعاً: لماذا نجحت إيران في بناء النفوذ الإقليمي؟
نجحت إيران في تحويل القوة العسكرية والأمنية إلى مشروع نفوذ إقليمي عبر:
– بناء تحالفات طويلة المدى.
– الاستثمار في الحلفاء المحليين.
– تطوير الصناعات العسكرية.
– توظيف البعد العقائدي والسياسي.
أما مشروع الإنقاذ السوداني، فقد بقي محاصراً داخل الأزمات الداخلية والحروب الممتدة، ولم يتمكن من التحول إلى مشروع نفوذ إقليمي واسع رغم بعض النجاحات المرحلية.
خاتمة
تكشف المقارنة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية وثورة الإنقاذ الوطني السودانية أن بقاء الأنظمة السياسية في البيئات المضطربة لا يعتمد فقط على الشعارات الأيديولوجية، بل على:
– بناء مؤسسات دولة قوية.
الحفاظ على وحدة المؤسسة العسكرية.
– إدارة الصراع الداخلي بحكمة.
– تجنب التوسع في مراكز القوة الموازية.
– القدرة على تحويل الضغوط الخارجية إلى عناصر قوة داخلية.
فبينما نجحت إيران في تأسيس منظومة أمنية وعسكرية متماسكة مكّنتها من بناء نفوذ إقليمي واسع، واجه السودان تعقيدات داخلية وأمنية أدت إلى تعدد القوى المسلحة وتآكل مركزية الدولة.
وفي النهاية، تؤكد التجربتان أن المؤسسة العسكرية الوطنية الموحدة تظل أحد أهم عوامل استقرار الدول وبقائها في مواجهة الأزمات الكبرى.
ونواصل…


