Popular Now

من جهة أخرى..الدعوة الإسلامية.. منظمة تسبقها سمعتها .. عبود عبدالرحيم

وجه الحقيقة | عدنا جميعًا… إلا أنتم إبراهيم شقلاوي

مسارات .. قراءة في خرائط النفوذ والتحولات العسكرية في الإقليم .. د.نجلاء حسين المكابرابي

الحرب الإسرائيلية ـ الأمريكية على إيران وسلام إيران ما بعد الهدنة (3) .. من المواجهة العسكرية إلى الصفقة الكبرى: مستقبل الإقليم بعد هدنة هرمز .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود

مقدمة
تشهد منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية والتعقيد في ظل التصاعد غير المسبوق للمواجهة بين الولايات المتحدة و إسرائيل و إيران ، وسط انخراط مباشر وغير مباشر من إسرائيل في إدارة التصعيد الإقليمي، خاصة في مضيق هرمز الذي تحول إلى مركز اختبار حقيقي لموازين القوة الدولية والإقليمية.
وقد أظهرت التطورات الأخيرة أن المنطقة انتقلت من مرحلة “الردع المتبادل” إلى مرحلة الاشتباك المحسوب، عبر:
— استهداف الوحدات البحرية.
— احتجاز ناقلات النفط.
— تبادل الرسائل العسكرية.
تصاعد الحرب الاقتصادية والإعلامية.
لكن المفارقة الأبرز أن هذا التصعيد المتسارع ترافق في الوقت نفسه مع حراك سياسي ودبلوماسي مكثف، يشير إلى أن المنطقة ربما تقترب من مرحلة “سلام ما بعد الهدنة”، وهي مرحلة تقوم على إعادة ترتيب موازين القوى والنفوذ عبر التفاوض بعد استنفاد أدوات الضغط العسكري والاقتصادي.
ويبدو أن إدارة الرئيس الأمريكي ترمب تتبنى مرة أخرى فلسفة “الضغط الأقصى وصولاً إلى الصفقة الكبرى”، وهي الاستراتيجية التي تقوم على:
— رفع سقف التهديد.
— توسيع الضغوط الاقتصادية والعسكرية.
— ثم الانتقال إلى طاولة التفاوض من موقع القوة.
أولاً: هرمز وتحول الصراع إلى مواجهة دولية مفتوحة
يمثل مضيق هرمز أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والطاقة الدولية، ولذلك فإن أي توتر فيه يتجاوز حدود الصراع الإقليمي ليصبح أزمة دولية ذات أبعاد اقتصادية وجيوسياسية واسعة.
وقد كشفت الأحداث الأخيرة عن تطورات خطيرة تمثلت في:
— اشتباكات بحرية بين قوات إيرانية و وحدات أمريكية.
— حتجاز أو استهداف ناقلات نفط.
— تصاعد الانتشار العسكري في الخليج وبحر عمان.
— تبادل اتهامات بشأن تهديد الملاحة الدولية.
وتحاول إيران من خلال هذه التحركات توجيه عدة رسائل استراتيجية، أهمها:
1. تحويل كلفة الحرب إلى كلفة عالمية
تدرك طهران أن أي اضطراب في مضيق هرمز سينعكس مباشرة على:
— أسعار النفط العالمية.
— أسواق المال والطاقة.
— حركة التجارة الدولية.
ولذلك تسعى إلى نقل الضغط من الداخل الإيراني إلى الاقتصاد العالمي، لإجبار القوى الكبرى على التدخل نحو تسوية سياسية.
2. تثبيت معادلة الردع الجديدة
تحاول إيران إثبات أن:
— أمن الخليج لا يمكن ضمانه دون الاعتراف بدورها الإقليمي.
— الحصار الاقتصادي لن يمنعها من استخدام أوراق القوة الجغرافية والعسكرية.
—:أي مواجهة واسعة ستؤثر على الجميع وليس على إيران وحدها.
ثانياً: واشنطن بين الردع والتفاوض
في المقابل، تدرك الإدارة الأمريكية أن التراجع أمام إيران سيؤدي إلى:
— إضعاف صورة الولايات المتحدة كقوة ضامنة لأمن الخليج.
— تراجع الثقة الإقليمية بالحماية الأمريكية.
— تعزيز نفوذ روسيا و الصين في المنطقة.
لذلك عملت واشنطن على:
— تعزيز الوجود العسكري في الخليج.
— فرض مزيد من الضغوط الاقتصادية.
— حماية خطوط الملاحة الدولية.
دفع مجلس الأمن نحو تبني مواقف أكثر تشدداً تجاه إيران.
لكن في الوقت نفسه، لا تبدو واشنطن راغبة في حرب شاملة للأسباب التالية:
1. الكلفة الاقتصادية المرتفعة
أي حرب واسعة ستؤدي إلى:
— ارتفاع أسعار النفط.
— اضطراب الاقتصاد العالمي.
— ضغوط داخلية على الإدارة الأمريكية.
2. تغير الأولويات الدولية
باتت واشنطن تعتبر أن التحديات الكبرى تتمثل في:
— الصعود الصيني.
— الحرب الأوكرانية.
— التنافس مع روسيا.
ولذلك فإن الانغماس في حرب شرق أوسطية مفتوحة قد يشتت الجهد الأمريكي الاستراتيجي.
ثالثاً: إسرائيل وديناميكية التصعيد
تدفع إسرائيل باتجاه إبقاء الضغوط على إيران عند مستويات مرتفعة، انطلاقاً من اعتبارها أن:
— البرنامج النووي الإيراني يمثل تهديداً استراتيجياً مباشراً.
— تمدد النفوذ الإيراني في المنطقة يهدد ميزان القوى الإقليمي.
— أي اتفاق لا يتضمن تقليص النفوذ الإيراني سيمنح طهران مساحة أوسع للحركة.
ولذلك تحاول إسرائيل:
التأثير على القرار الأمريكي.
تكثيف الضربات غير المباشرة.
توظيف التحالفات الإقليمية الجديدة لمواجهة إيران.
غير أن إسرائيل تدرك في الوقت نفسه أن الحرب الشاملة تحمل مخاطر كبيرة، خاصة إذا امتدت إلى الخليج، البحر الأحمر و الجبهات الإقليمية المرتبطة بإيران.
رابعاً: سلام إيران ما بعد الهدنة
تشير التحركات السياسية الأخيرة إلى أن الأطراف الدولية بدأت تتعامل مع فكرة “سلام ما بعد الهدنة”، أي الانتقال من مرحلة إدارة الحرب إلى مرحلة إعادة ترتيب التوازنات الإقليمية عبر اتفاقات سياسية وأمنية جديدة.
ويقوم هذا التصور على عدة مرتكزات:
1. الاعتراف النسبي بالدور الإيراني
تبدو بعض المقترحات الغربية أقرب إلى القبول الضمني بـ:
— دور إيران في أمن الخليج.
— استمرار جزء من نفوذها الإقليمي.
— بقاء النظام الإيراني ضمن معادلات التوازن الإقليمي.
2. ضبط البرنامج النووي
تسعى واشنطن إلى:
— منع امتلاك إيران لسلاح نووي.
— فرض آليات رقابة طويلة المدى.
— إعادة صياغة الاتفاقات النووية السابقة بصورة جديدة.
3. حماية أمن الطاقة العالمي
تمثل حماية الملاحة في مضيق هرمز أولوية دولية كبرى، ولذلك فإن أي اتفاق مستقبلي سيشمل:
— ضمانات أمنية للممرات البحرية.
— ترتيبات دولية لحماية صادرات النفط.
آليات لمنع التصعيد البحري.
خامساً: السودان والصراع الإقليمي الجديد
في خضم هذه التطورات، برزت التحركات الأمريكية المتعلقة بالأزمة السودانية، سواء عبر:
الحديث عن هدنة إنسانية، أو الضغوط على شركات أمريكية مرتبطة بالأزمة السودانية، أو التحركات السياسية والدبلوماسية الجديدة.
ولا يمكن فصل ذلك عن إعادة ترتيب المشهد الإقليمي في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، حيث تسعى القوى الدولية إلى:
— تأمين خطوط الملاحة.
— منع التمدد الروسي والإيراني.
— إعادة هندسة النفوذ في المنطقة.
وبذلك يصبح السودان جزءاً من شبكة التوازنات الإقليمية والدولية الجديدة المرتبطة بصراع النفوذ العالمي.
سادساً: السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول: الصفقة الكبرى
ويتضمن:
— تخفيف العقوبات على إيران.
— ترتيبات أمنية جديدة في الخليج.
— تفاهمات حول البرنامج النووي.
— إعادة توزيع النفوذ الإقليمي.
وهو السيناريو الأقرب إذا نجحت الوساطات الدولية في تثبيت التهدئة.
السيناريو الثاني: التصعيد المضبوط
أي استمرار:
— الاشتباكات المحدودة،
— والحصار الاقتصادي،
—:والحروب السيبرانية،
— والضربات غير المباشرة،
دون الوصول إلى مواجهة شاملة.
السيناريو الثالث: الانفجار الإقليمي
ويظل احتمالاً قائماً إذا حدث:
إغلاق فعلي لمضيق هرمز،
أو استهداف واسع للقوات الأمريكية، أو تنفيذ إسرائيل ضربات استراتيجية مباشرة ضد إيران.
لكن هذا السيناريو يبقى الأقل تفضيلاً دولياً بسبب كلفته الاقتصادية والسياسية والعسكرية الهائلة.

خاتمة
تكشف التطورات الأخيرة أن الشرق الأوسط يقف أمام مرحلة انتقالية كبرى بين الحرب والتسوية، وأن الصراع في مضيق هرمز لم يعد مجرد أزمة بحرية عابرة، بل أصبح اختباراً حقيقياً لمستقبل النظام الإقليمي وتوازنات القوة الدولية.
وفي ظل اعتماد ترمب على فلسفة “إدارة الصراع عبر الصفقات”، تبدو احتمالات الوصول إلى تفاهم سياسي أكبر مما تعكسه لغة التصعيد المعلنة، خاصة مع إدراك جميع الأطراف أن الحرب الشاملة قد تتحول إلى كارثة عالمية يصعب احتواؤها.
وعليه، فإن “سلام إيران ما بعد الهدنة” قد لا يمثل نهاية للصراع، بل بداية لمرحلة جديدة من إعادة توزيع النفوذ والمصالح في الشرق الأوسط، ضمن ترتيبات دولية وإقليمية تسعى إلى بناء توازنات أكثر استقراراً، وإن ظلت قابلة للاهتزاز في أي لحظة.

المقالة السابقة

لماذا واصلت الأسهم الامريكية الصعود رغم الحرب الإيرانية الأمريكية .. زهير عبدالله مساعد

المقالة التالية

أصل القضية | وهمُ المحاسبة… حين تتحول السلطة التقديرية إلى حصانةٍ مقنّعة وكيف تُعيد المشروعيةُ بناءَ الدولة من داخل الإدارة؟ .. محمد أحمد أبوبكر- باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *