في ظل التعقيدات المتسارعة التي تشهدها منطقة القرن الأفريقي وحزام الساحل يبرز سؤال جوهري: هل تتجه بعض القوى الإقليمية والدولية إلى استبدال تشاد بإثيوبيا كقاعدة نفوذ أو منصة عمليات؟
الصورة المتداولة، والتي تشير إلى تقارير استخبارات مفتوحة المصدر (OSINT) عن جسر جوي إماراتي مكثف نحو إثيوبيا، تعيد هذا السؤال إلى الواجهة، لكنها تحتاج إلى قراءة أعمق تتجاوز الانطباع الأولي.
تشاد: الموقع والدور التقليدي
لطالما شكلت تشاد نقطة ارتكاز مهمة في معادلات الأمن الإقليمي، خاصة في ما يتعلق بمنطقة الساحل والصحراء. موقعها الجغرافي، وحدودها المتداخلة مع ليبيا والسودان وأفريقيا الوسطى، جعلها منصة لوجستية وأمنية في ملفات متعددة، سواء في مكافحة الجماعات المسلحة أو في التوازنات الإقليمية.
لكن في السنوات الأخيرة، تراجعت قدرة تشاد على لعب هذا الدور بذات الكفاءة، نتيجة ضغوط داخلية، وتحولات سياسية، وتعقيدات أمنية متزايدة.
إثيوبيا: صعود الدور الاستراتيجي
في المقابل، تبدو إثيوبيا في موقع مختلف تمامًا. فهي:
— دولة محورية في القرن الإفريقي،
— تمتلك جيشًا من الأكبر في المنطقة،
وتتحكم في معادلات حساسة مثل مياه النيل والتوازنات مع دول الجوار.
إذا صحت التقارير التي تتحدث عن تكثيف رحلات الشحن العسكري إليها، فإن ذلك يعكس تحولًا في التفكير الاستراتيجي: من الاعتماد على أطراف “هامشية” جغرافيًا مثل تشاد، إلى دول مركزية ذات ثقل سياسي وعسكري.
هل هو استبدال أم إعادة توزيع؟
من المبكر الجزم بأن إثيوبيا “بديل” مباشر لتشاد. الأدق هو القول إننا أمام إعادة توزيع للأدوار وفقًا لمعادلات جديدة، أبرزها:
— القرب من مسارح العمليات في القرن الأفريقي والبحر الأحمر،
— الحاجة إلى بنية تحتية متقدمة، والتحالفات السياسية الأكثر استقرارًا أو قابلية للتنسيق.
تشاد لا تزال مهمة في نطاقها الجغرافي، لكن إثيوبيا تقدم مزايا مختلفة: عمق استراتيجي، وتنوع خيارات وقابلية أكبر للتموضع في صراعات متعددة.
الرسالة الأهم: تحولات النفوذ لا تحدث بالصدفة ما يجري – إن ثبتت دقته – ليس مجرد نشاط لوجستي، هو مؤشر على تحولات أوسع في خرائط النفوذ. فالقوى التي كانت تعتمد على مسارات تقليدية، بدأت تبحث عن بدائل أكثر مرونة وأقرب إلى مراكز التأثير الجديدة.
خلاصة القول
إثيوبيا ليست بديلًا مباشرًا لتشاد بقدر ما هي محور جديد في شبكة نفوذ متحركة. والحديث عن “الاستبدال” قد يكون تبسيطًا مخلًا لواقع أكثر تعقيدًا، حيث تتداخل الأدوار بدل أن تُلغى.
لكن المؤكد أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة، عنوانها:
إعادة رسم مراكز القوة… بعيدًا عن الخرائط القديمة.
مسارات .. قراءة في خرائط النفوذ والتحولات العسكرية في الإقليم .. د.نجلاء حسين المكابرابي
المقالة السابقة


