Popular Now

وجه الحقيقة | السودان.. تفكك الميدان وهندسة السياسة .. إبراهيم شقلاوي

ابن المقفع يكتب عن مركز الخبراء العرب للخدمات الصحفية ودراسات الرأي العام .. د. محمد حسن فضل الله

أصل القضية | تحالف البنادق خارج الدولة… محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

أصل القضية | تحالف البنادق خارج الدولة… محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

لم يعد السؤال في السودان اليوم: من يقاتل من؟ ، بل أصبح السؤال الأكثر خطورة: من يُعيد تشكيل خريطة السلاح خارج الدولة؟

خبر انضمام ما يسمى بـ “قوات جبهة نسور الشرق” بقيادة محمد طاهر أوقدف إلى جبريل إبراهيم وحركة العدل والمساواة في السودان ، لا ينبغي قراءته باعتباره حدثًا تنظيميًا عابرًا داخل مشهد الحركات المسلحة، وإنما باعتباره مؤشرًا عميقًا على تحولات بنية الصراع في السودان نفسه؛ لأن أخطر ما يحدث الآن ليس تعدد البنادق، بل تشكل شبكات عسكرية وسياسية موازية لفكرة الدولة ذاتها.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا: إذا كانت هناك قوات مسلحة سودانية قائمة بالفعل، فمن ضد من تُبنى هذه التحالفات العسكرية؟ وهل نحن أمام حرب لاستعادة الدولة، أم أمام سباق لإعادة توزيع القوة داخل فضاء الدولة المنهكة؟

إن التحالفات العسكرية في السودان لم تعد تُبنى فقط على أساس الهوية، أو المظالم التاريخية أو حتى البرامج السياسية، بل أصبحت — في كثير من الأحيان — تُبنى وفق: اقتصاد الحرب، وخريطة التمويل، وشبكات التسليح، والتحولات الإقليمية ووظائف القوة في الإقليم.
وهنا يبدأ أصل القضية.

لأن أي حركة مسلحة — مهما كان خطابها — لا تستطيع الاستمرار دون: تمويل، وتسليح، وإمداد، وحاضنة لوجستية ومساحات حركة سياسية وإقليمية.
وهذا يقودنا مباشرة إلى السؤال الأكثر حساسية: من يسلح هذه الحركات؟
فالدولة السودانية نفسها تعاني انهيارًا اقتصاديًا، وتآكلًا مؤسسيًا، وضغطًا لوجستيًا هائلًا وحربًا ممتدة، ومع ذلك تستمر الحركات المسلحة في التمدد، وإعادة التموضع، وعقد التحالفات وامتلاك القدرة على الحركة والتجنيد والتسليح.
وهنا يصبح من الصعب تفسير ما يحدث باعتباره “صراعًا داخليًا” فقط. بل إن ما يجري يقترب أكثر من نمط: “إدارة الصراع” وليس: “حسم الصراع”.
وهذا فارق خطير جدًا. فالحرب التقليدية تهدف عادة إلى الحسم، واستعادة السيطرة، وإعادة بناء السلطة. أما إدارة الصراع فتهدف إلى إبقاء التوازنات مشتعلة، ومنع الانهيار الكامل، ومنع الحسم الكامل أيضًا، بحيث تتحول الحرب إلى حالة مستدامة.
أي أننا نقترب شيئًا فشيئًا من نموذج: “الحرب بوصفها وظيفة”.
وهنا يدخل السودان إلى المنطقة الأخطر حيث “خصخصة الحروب”.
حين لا تعود الدولة وحدها محتكرة للعنف، ولا يصبح السلاح مرتبطًا فقط بالمؤسسة العسكرية الوطنية، بل يتحول المجال الأمني نفسه إلى سوق، وتحالفات،وشبكات مصالح،
ووكلاء نفوذ وقوى وظيفية متحركة.
وفي هذه اللحظة تحديدًا، لا تصبح الحركات المسلحة مجرد فاعلين عسكريين، بل تتحول إلى أدوات داخل هندسة إقليمية أكبر.
فكلما ضعفت الدولة تمددت الشبكات المسلحة واتسعت الحاجة إلى التمويل الخارجي وتزايدت قابلية البلاد للتحول إلى ساحة نفوذ مفتوح.
ولذلك فإن أخطر ما في المشهد السوداني اليوم ليس فقط استمرار الحرب، بل احتمال تحول السودان إلى: “بيئة مُدارة للصراع”.
أي دولة لا يُراد لها أن تنهار بالكامل…
ولا يُراد لها كذلك أن تستعيد عافيتها كاملة.
وهذا النمط ليس جديدًا في العالم، لقد شهدناه في ليبيا، والكونغو، وأفغانستان وبعض مناطق الساحل الأفريقي حيث تتحول الحرب من حدث استثنائي إلى بنية اقتصادية وسياسية دائمة. وفي هذه البيئة تنمو تجارة السلاح، والاقتصادات الموازية، والولاءات العابرة للدولة،
والتحالفات المتحركة والتمويل غير المرئي.
ومن هنا يجب أن يُعاد طرح السؤال السوداني بصورة أكثر عمقًا: هل ما تزال البلاد تخوض “حرب كرامة” بالمعنى التقليدي؟
أم أننا دخلنا — دون أن ننتبه — إلى مرحلة إدارة الصراع طويل المدى؟
لأن الفرق بينهما هائل. فحرب الكرامة تفترض مشروع دولة، ومركز قرار وغاية وطنية نهائية.
أما إدارة الصراع فتُنتج مراكز قوة متعددة، وتحالفات سائلة، واقتصاد حرب ومجالًا مفتوحًا للتدخلات الإقليمية والدولية.
ولهذا فإن أصل القضية لم تعد فقط قضية بندقية…بل قضية: من يملك تعريف العدو؟
ومن يملك قرار الحرب؟
ومن يملك حق صناعة السلام؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للأمم ليس الحرب وحدها، بل أن تتحول الحرب نفسها إلى نظام قائم بذاته.
وحين تصل الدول إلى هذه المرحلة، يصبح استرداد الدولة أصعب بكثير من مجرد الانتصار في المعركة.

المقالة السابقة

Social Media .. Dr. Babiker Abdallah Mohamed Ali

المقالة التالية

ابن المقفع يكتب عن مركز الخبراء العرب للخدمات الصحفية ودراسات الرأي العام .. د. محمد حسن فضل الله

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *