مقدمة
تشهد الحرب في السودان تحولاً استراتيجياً بالغ الأهمية، بعد دخول قوات الدعم السريع مرحلة الاستنزاف العسكري والسياسي والنفسي، في ظل تصاعد الانشقاقات داخل بنيتها القتالية، وتزايد الضربات النوعية التي تستهدف قياداتها ومراكز إمدادها، إلى جانب فقدانها التدريجي للحاضنة السياسية والاجتماعية في عدد من المناطق.
ورغم استمرار التمويل والدعم الخارجي، خاصة من قبل الإمارات وفق ما تتداوله تقارير وتحليلات سياسية وإعلامية، إلا أن الوقائع الميدانية تشير إلى أن المشروع الذي راهن على إسقاط الدولة السودانية عبر الحرب الخاطفة، دخل مرحلة الدفاع ومحاولة البقاء، بعد فشله في تحقيق أهدافه الأساسية.
وفي المقابل، تتقدم القوات المسلحة السودانية مدعومة بالقوات المشتركة والمقاومة الشعبية في عدة محاور، مع استعادة تدريجية للمدن والمرافق الحيوية، وارتفاع وتيرة العمليات الاستخباراتية والاستهدافات الدقيقة ضد قيادات الدعم السريع.
أولاً: الانشقاقات داخل الدعم السريع… مؤشر انهيار أم إعادة تموضع؟
لم تعد الانشقاقات داخل قوات الدعم السريع مجرد حالات فردية معزولة، بل أصبحت ظاهرة متصاعدة تعكس طبيعة الأزمة الداخلية التي تضرب بنية هذه القوات.
فالدعم السريع لم يتأسس كجيش عقائدي أو مؤسسة عسكرية تقليدية، وإنما كتحالف معقد من الولاءات القبلية، والمصالح الاقتصادية، وشبكات أمراء الحرب، والعلاقات العابرة للحدود. ولهذا السبب كان قابلاً للتمدد السريع في بداية الحرب، لكنه أصبح أكثر هشاشة مع طول أمد الصراع.
ومع انتقال الحرب من مرحلة “الهجوم السريع” إلى “حرب الاستنزاف”، بدأت تظهر أزمات التمويل والإمداد والانضباط، إلى جانب تراجع الثقة في القيادة المركزية، خاصة بعد الضربات الأخيرة التي استهدفت قيادات بارزة في نيالا ومناطق أخرى.
لقد بدأت قيادات ميدانية كثيرة تطرح سؤال البقاء:
هل المشروع قابل للاستمرار؟
وهل ما تزال القيادة قادرة على الحماية والتمويل والسيطرة؟
وهنا ظهرت موجات الانشقاق، والتسليم، والتفاهمات السرية مع الجيش.
ثانياً: الضربات الموجعة واستهداف القيادات
تشير التطورات الأخيرة إلى أن القوات المسلحة السودانية انتقلت من مرحلة الدفاع إلى مرحلة “اصطياد الرؤوس الكبيرة”، عبر عمليات دقيقة واستهدافات نوعية.
فالضربات التي شهدتها مدينة نيالا، وما تردد عن استهداف عبد الرحيم دقلو وقيادات أخرى، تعكس تطوراً واضحاً في القدرات الاستخباراتية والعسكرية للجيش، كما تكشف أن مناطق النفوذ التقليدية للدعم السريع لم تعد آمنة كما كانت.
وفي الوقت ذاته، تتحدث تقارير عن مفاوضات سرية مع بعض قادة المليشيا لتسليم أنفسهم، في مؤشر واضح على اهتزاز الثقة داخل المنظومة نفسها.
كما أن تصفية عدد من القادة الميدانيين والانشقاقات المتكررة تعني أن حالة القلق والخوف بدأت تتسرب إلى الدائرة الداخلية لقوات الدعم السريع.
ثالثاً: التمويل الخارجي وحدود القدرة على الصمود
رغم استمرار الحديث عن التمويل الإماراتي والدعم اللوجستي الخارجي، فإن المال وحده لا يصنع مشروعاً مستقراً في ظل غياب الشرعية الشعبية والسياسية.
لقد راهنت بعض القوى الإقليمية والدولية على استخدام قوات الدعم السريع كورقة لإعادة تشكيل السودان سياسياً وجغرافياً، لكن النتائج الميدانية حتى الآن أظهرت أن المجتمع السوداني، بمختلف مكوناته، اتجه بصورة متزايدة نحو دعم القوات المسلحة باعتبارها المؤسسة الوطنية الجامعة.
كما أن استمرار الحرب دون أفق سياسي واضح أدى إلى تآكل صورة الدعم السريع حتى وسط بعض البيئات التي كانت متعاطفة معه في البداية.
ولذلك فإن استمرار التمويل الخارجي قد يطيل أمد الصراع، لكنه لا يبدو قادراً على حسمه لصالح المليشيا.
رابعاً: مسعد بولس والسياسة الأمريكية… مساواة مثيرة للجدل
لا تزال بعض الدوائر الأمريكية، وعلى رأسها مستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس، تتعامل مع الحرب السودانية بمنطق “المعادلة المتوازنة” بين الجيش السوداني والقوات المشتركة والمقاومة الشعبية من جهة، وقوات الدعم السريع من جهة أخرى.
غير أن هذا الطرح يواجه انتقادات واسعة داخل السودان، باعتبار أن هناك فارقاً جوهرياً بين مؤسسة الدولة الرسمية وبين مليشيا متهمة بارتكاب انتهاكات واسعة ضد المدنيين والبنية التحتية.
كما يرى كثير من المراقبين أن استمرار بعض القوى الدولية في محاولة فرض تسوية تعيد الدعم السريع إلى المشهد السياسي والعسكري، يتجاهل التحولات الميدانية العميقة التي حدثت خلال الأشهر الأخيرة.
خامساً: هل أصبح “تأسيس” هو البديل القادم؟
في ظل تراجع مشروع الدعم السريع، بدأت تتصاعد تساؤلات حول ما إذا كانت بعض القوى الإقليمية والدولية تتجه نحو دعم بدائل أخرى، وعلى رأسها تحالف “تأسيس” المرتبط بعبد العزيز الحلو وبعض القوى السياسية والعسكرية.
ويرى مراقبون أن الرهان على تفكيك السودان عبر مشاريع الهويات المسلحة والانقسامات الجهوية لا يزال حاضراً لدى بعض الأطراف الخارجية، خاصة في مناطق جنوب كردفان والنيل الأزرق.
غير أن الواقع الميداني يختلف كثيراً عما كان عليه في سنوات سابقة؛ إذ برزت قيادات ومجموعات من أبناء جبال النوبة والنيل الأزرق تقاتل اليوم ضمن معسكر الدولة ووحدة السودان، وهو ما أضعف رهانات التقسيم والانفصال.
سادساً: استعادة المدن وتغير المزاج الشعبي
تؤكد التطورات الأخيرة أن استعادة المدن والمرافق الحيوية من قبل الحكومة السودانية ساهمت في رفع الروح المعنوية لدى المواطنين، وبدأت تعيد الثقة تدريجياً في إمكانية عودة الدولة ومؤسساتها.
كما أن عودة الطيران إلى مطار الخرطوم، واستمرار عمليات إعادة الخدمات، بعثت برسائل سياسية ونفسية مهمة مفادها أن مشروع إسقاط الدولة لم ينجح رغم حجم الدمار والمعاناة.
وفي المقابل، فإن استمرار استهداف الأعيان المدنية بالطائرات المسيّرة زاد من حالة الغضب الشعبي تجاه الدعم السريع وحلفائه.
خاتمة
تدخل الحرب في السودان مرحلة جديدة عنوانها الرئيسي:
“تآكل المشروع المسلح وصعود معادلة الدولة”.
فالانشقاقات داخل قوات الدعم السريع، واستهداف قياداتها، وتراجع نفوذها الميداني، كلها مؤشرات على أن هذه القوات تواجه أخطر مراحلها منذ اندلاع الحرب.
ورغم تعقيدات المشهد الإقليمي والدولي، واستمرار التدخلات الخارجية، فإن المزاج الشعبي داخل السودان بات أكثر ميلاً لدعم استعادة الدولة ومؤسساتها، ورفض مشاريع التفكيك والحروب المفتوحة.
ويبقى السؤال الأهم:
هل تتجه القوى الدولية إلى مراجعة حساباتها بعد تراجع مشروع الدعم السريع؟
أم أن السودان سيظل ساحة مفتوحة لصراعات النفوذ الإقليمي والدولي خلال المرحلة المقبلة؟


