Popular Now

من الخرطوم إلى طهران .. كيف خططت واشنطن وتل أبيب للهبوط الناعم والسقوط الخشن؟(9) من طهران إلى الخرطوم .امتداد الصراع مع إيران إلى المواجهة الكبرى بين الغرب وروسيا .. وسقوط المشروع الغربي في السودان د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية

أفريقيا الوسطى … الألماس وقوس النار(2) أفريقيا الوسطى من الاستقلال حتى اليوم .. د. إسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز إنماء للدراسات الاستراتجية والأمنية

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6074 | المواطنون يتجاوزون النخب.. خذوا الكراسي واستجيبوا لتظلمات المواطنين

أفريقيا الوسطى … الألماس وقوس النار(2) أفريقيا الوسطى من الاستقلال حتى اليوم .. د. إسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز إنماء للدراسات الاستراتجية والأمنية

يقول الزعيم المناضل نيلسون مانديلا: ”لا يمكن لأمة أن تكون حرة بينما جيرانها غارقون في الفوضى“ ، ويقول الزعيم المؤسس لاستقلال زامبيا كينيث كاوندا ”السلام في أفريقيا لا يتحقق بالقوة وحدها، بل بالعدالة والتنمية“. بناء على تلك الشذرات المضيئة، نقول حين نالت جمهورية أفريقيا الوسطى استقلالها عن فرنسا في الثالث عشر من أغسطس عام 1960، بدا وكأن البلاد تقف على أعتاب مرحلة جديدة من بناء الدولة الوطنية الحديثة. غير أن الاستقلال السياسي الذي تحقق شكلياً لم يكن كافياً لإخراج الدولة الوليدة من إرث الاستعمار الثقيل، إذ ورثت أفريقيا الوسطى مؤسسات هشة، واقتصاداً تابعاً، ومجتمعاً مثقلاً بالانقسامات والتهميش، وحدوداً واسعة لا تملك الدولة سيطرة حقيقية عليها.
ومنذ اللحظة الأولى للاستقلال، بدت أفريقيا الوسطى وكأنها دولة وُلدت داخل فراغ سياسي وأمني عميق، الأمر الذي جعلها تدخل سريعاً في دوامة الانقلابات، والصراعات الداخلية والتدخلات الأجنبية، وهي الدوامة التي ما تزال تحكم حاضر البلاد حتى اليوم.
تولى ديفيد داكو، أحد المقربين من الزعيم الراحل بارتليمي بوغاندا، رئاسة الدولة الجديدة بدعم فرنسي واضح، لكنه وجد نفسه أمام تحديات ضخمة تفوق قدرات الدولة الناشئة. فقد كانت البلاد تعاني من ضعف البنية الإدارية، وانعدام التنمية، واعتماد الاقتصاد بصورة شبه كاملة على فرنسا، فضلاً عن غياب جيش وطني قوي قادر على حماية الدولة واستقرارها.
ومع تصاعد الأزمات الداخلية وضعف السلطة المركزية، بدأ الجيش يتدخل تدريجياً في الحياة السياسية، إلى أن وقع أول انقلاب عسكري كبير عام 1965 بقيادة العقيد جان بيدل بوكاسا، الذي أطاح بداكو واستولى على السلطة. وكان انقلاب بوكاسا بداية حقبة شديدة الاضطراب في تاريخ أفريقيا الوسطى، حيث تحولت الدولة إلى نموذج صارخ للاستبداد والفوضى السياسية في أفريقيا ما بعد الاستعمار.
حكم بوكاسا البلاد بقبضة حديدية، وشيئاً فشيئاً تحول من رئيس عسكري إلى حاكم مطلق يحيط نفسه بمظاهر البذخ والسلطة المطلقة. وفي عام 1976 أعلن نفسه إمبراطوراً على “الإمبراطورية الأفريقية الوسطى”، في مشهد أثار دهشة العالم وسخرية كثير من المراقبين. وقد أنفق الملايين على حفل تتويجه الأسطوري في بلد كان يعاني الفقر والجوع والانهيار الاقتصادي، بينما كانت فرنسا تواصل دعمه باعتباره حليفاً يخدم مصالحها في المنطقة.
وخلال حكم بوكاسا تفشت الانتهاكات والقمع والفساد بصورة غير مسبوقة، وتعرض المعارضون للاعتقال والتصفية، كما انتشرت اتهامات خطيرة تتعلق بارتكاب مجازر ضد المدنيين. ومع تصاعد الغضب الشعبي والضغوط الدولية، قررت فرنسا نفسها الإطاحة بحليفها السابق، فنفذت عملية عسكرية عام 1979 أعادت عبرها ديفيد داكو إلى السلطة.
لكن عودة داكو لم تنهِ الأزمة، إذ استمرت الانقسامات والصراعات داخل الجيش والنخب السياسية، إلى أن وقع انقلاب جديد بقيادة الجنرال أندريه كولينغبا عام 1981. ومنذ ذلك الحين دخلت أفريقيا الوسطى مرحلة طويلة من الحكم العسكري والاضطراب السياسي، حيث أصبحت الانقلابات الوسيلة الأسرع للوصول إلى السلطة.
وخلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات، ظلت الدولة تعاني من هشاشة مزمنة، بينما كانت فرنسا تتدخل بصورة مستمرة للحفاظ على نفوذها السياسي والعسكري. وفي الوقت نفسه بدأت التناقضات الاجتماعية والقبلية تتعمق بسبب الفقر والتهميش وغياب التنمية، خصوصاً في المناطق الشمالية والشرقية التي شعرت بأنها مستبعدة من السلطة والثروة.
وفي عام 1993 شهدت البلاد أول انتخابات تعددية أوصلت أنجي فيليكس باتاسيه إلى الحكم، غير أن التجربة الديمقراطية بقيت ضعيفة وهشة. فقد واجه باتاسيه تمردات عسكرية ومحاولات انقلاب متكررة، كما اتُهم بالاعتماد على الولاءات القبلية والمليشيات المسلحة لحماية سلطته. وأدى ذلك إلى مزيد من إضعاف مؤسسات الدولة وتآكل هيبة الجيش الوطني.
وفي عام 2003 عاد شبح الانقلابات مجدداً عندما قاد الجنرال فرانسوا بوزيزي تمرداً مسلحاً أطاح بالرئيس باتاسيه وسيطر على العاصمة بانغي بدعم إقليمي خاصة من تشاد. حاول بوزيزي تقديم نفسه باعتباره رجل الاستقرار، لكنه سرعان ما وجد نفسه أمام دولة شبه منهارة تعاني من التمردات المسلحة والانقسامات الإثنية والفراغ الأمني.
وخلال حكم بوزيزي بدأت الجماعات المسلحة تتوسع بصورة خطيرة، خاصة في شمال وشرق البلاد، حيث تحولت المناطق النائية إلى ساحات مفتوحة للمليشيات وشبكات التهريب والجماعات العابرة للحدود. كما تزايد الشعور بالتهميش بين قطاعات واسعة من السكان المسلمين في الشمال الشرقي الذين رأوا أن السلطة والثروة تتركزان في يد نخب محددة داخل العاصمة.
وفي عام 2012 ظهر تحالف “سيليكا”، وهو تحالف يضم جماعات مسلحة أغلبها من الشمال الشرقي ذي الأغلبية المسلمة. استطاع التحالف التقدم سريعاً نحو العاصمة، وفي مارس 2013 سقط نظام بوزيزي وفر إلى الخارج، بينما تولى ميشيل جوتوديا السلطة بوصفه أول رئيس مسلم في تاريخ البلاد.
لكن سقوط بوزيزي لم يحقق الاستقرار، بل أدخل البلاد في واحدة من أخطر مراحل الحرب الأهلية. فقد تعرض المدنيون لانتهاكات واسعة على يد عناصر سيليكا، الأمر الذي أدى إلى ظهور جماعات مضادة عرفت باسم “أنتي بالاكا”، وهي مليشيات ذات طابع مسيحي ومحلي. وسرعان ما تحول الصراع إلى حرب أهلية دامية امتزجت فيها العوامل الدينية، والقبلية، والسياسية والاقتصادية.
انهارت مؤسسات الدولة بصورة شبه كاملة، وانتشرت المجازر وعمليات النزوح الجماعي، بينما أصبحت أجزاء واسعة من البلاد خارج سيطرة الحكومة. وفي تلك المرحلة تدخلت فرنسا عسكرياً تحت غطاء “عملية سانغاريس”، كما أرسلت الأمم المتحدة بعثة حفظ سلام ضخمة لمحاولة احتواء الانهيار الأمني.
غير أن التدخلات الدولية لم تنجح في إنهاء الأزمة بصورة جذرية، بل ظلت الدولة تعاني من التفكك، في وقت بدأت فيه قوى دولية جديدة تدخل على خط الصراع، وعلى رأسها روسيا. فمنذ عام 2017 عززت موسكو حضورها في أفريقيا الوسطى عبر المستشارين العسكريين وشركات الأمن الخاصة، خصوصاً مجموعة فاغنر، التي لعبت دوراً كبيراً في حماية حكومة الرئيس فوستان أرشانج تواديرا.
وصل تواديرا إلى الحكم عام 2016 في ظل بيئة سياسية وأمنية شديدة التعقيد، وقد اعتمد بصورة كبيرة على الدعم الروسي لمواجهة الجماعات المسلحة وتأمين العاصمة بانغي. ومع مرور الوقت تحولت أفريقيا الوسطى إلى ساحة تنافس دولي مفتوح بين فرنسا وروسيا والصين والولايات المتحدة، بينما بقيت الدولة نفسها غارقة في الفقر والانقسام وضعف المؤسسات.
واليوم، وبعد أكثر من ستة عقود على الاستقلال، تبدو أفريقيا الوسطى وكأنها ما تزال تبحث عن الدولة التي لم تولد بعد. فالبلاد التي تمتلك ثروات هائلة من الذهب و الألماس واليورانيوم والأخشاب ما تزال عاجزة عن تحويل مواردها إلى تنمية واستقرار، بسبب استمرار الحروب وضعف الحكم وتصاعد التدخلات الخارجية.
لقد تحولت أفريقيا الوسطى خلال العقود الماضية إلى نموذج حي لأزمة الدولة الوطنية في أفريقيا ما بعد الاستعمار؛ دولة غنية بالموارد لكنها فقيرة بالمؤسسات، تتقاطع فوق أرضها مصالح القوى الكبرى، وتتحول ثرواتها إلى وقود دائم للصراع. وهكذا استمر “قوس النار” في الاتساع، بينما بقي الألماس يلمع فوق أرض مثقلة بالدماء والانقسامات والتنافس الدولي.

المقالة السابقة

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6074 | المواطنون يتجاوزون النخب.. خذوا الكراسي واستجيبوا لتظلمات المواطنين

المقالة التالية

من الخرطوم إلى طهران .. كيف خططت واشنطن وتل أبيب للهبوط الناعم والسقوط الخشن؟(9) من طهران إلى الخرطوم .امتداد الصراع مع إيران إلى المواجهة الكبرى بين الغرب وروسيا .. وسقوط المشروع الغربي في السودان د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *