Popular Now

دولة تشاد اضطرابات الأزمنة وتقلبات الأحوال – ما المصير (5) قراءات للمستقبل .. د. إسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز انماء للدراسات الاستراتيجية

السودان ما بعد الحرب والسير في الطريق الخاطئ في نقاط مختصرة للغاية كل يوم حبة (( كبسولة )) | في الفشل اللا إداري لكامل إدريس نموذج .. د.بابكر عبدالله محمد علي

أصل القضية | السودان… معنى أن نجلس قليلًا قبل أن نهرب من أنفسنا؟ .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

دولة تشاد اضطرابات الأزمنة وتقلبات الأحوال – ما المصير (5) قراءات للمستقبل .. د. إسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز انماء للدراسات الاستراتيجية

تصل قراءة الحالة التشادية في تقديرنا في سياقها الإقليمي الراهن، وخاصة في ظل حرب مليشيا الدعم السريع وأعوانها على الشعب السوداني السودانية، إلى لحظة لا يمكن فيها الاكتفاء بوصف التحولات أو تحليلها بمعزل عن سؤال أعمق يتعلق بطبيعة الدولة وإمكانات إعادة إنتاجها لذاتها. فالمسار الممتد من عهد إدريس ديبي المقتول إلى حكم ابنه كاكا لا يكشف انتقال في السلطة فحسب، وإنما استمرار نمط متشابك يجعل الحكم في تشاد الدولة أقرب إلى نظام توازنات هشّة منه إلى كيان سيادي مكتمل الأركان. وهو نمط يحدد بدرجة كبيرة سلوكها تجاه الجوار، وفي مقدمتها السودان، لتداخل الحرب مع الجغرافيا، والقبيلة، والاقتصاد والأمن في سلسة واحدة يصعب كسر حلقاتها.
حسب وجهة نظرنا ،في هذا السياق، يقدم المفكر الفرنسي (ريمي بروفو) إشارة مهمة حين يتحدث عن أن الدول التي تفقد مركزها المؤسسي تميل إلى التعويض عبر تضخيم موقعها الجغرافي أو الأمني. وإذا ما طبقنا هذه الفكرة على تشاد، فإننا نكون أمام دولة تحاول إدارة موقعها الجيوسياسي الحرج عبر الأمن والتحالفات الخارجية أكثر من اعتمادها على مؤسسات داخلية مستقرة. وهو ما يجعل السياسة الخارجية امتدادًا للضرورة لا تعبيرًا عن الاستقلالية.
إن الحرب في السودان كشفت هذا الواقع بوضوح شديد، إذ لم تعد تشاد مجرد دولة مجاورة متأثرة بالصراع، بل جزءًا من بيئة الصراع ذاتها بفتح اراضيها لعبور المرتزقة وإتاحة مجالها الجوي لعبور وهبوط طائرات الشحن العملاقة لإفراغ حمولتها من الأسلحة والمعدات العسكرية التي يتم إدخالها إلى مدن دارفور دعما للمليشيا، فحدود تشاد مع السودان تحولت إلى فضاء مفتوح لحركة المرتزقة الأجانب، وشبكات التهريب والامتدادات الاقتصادية غير الرسمية. وفي قلب هذا المشهد، أصبحت مليشيا الدعم السريع كفاعل دون الدوله عابر للحدود، لا يتحرك داخل الجغرافيا السودانية فحسب، بل ضمن شبكة إقليمية تمتد إلى ليبيا وأفريقيا الوسطى وعمق دول الساحل الافريقي.
وعلي ضوء هذا التعقيد لا يمكن تجاهل دور الفاعلين الإقليميين، وفي مقدمتهم دولة الإمارات العربية المتحدة، التي أصبحت جزءًا من هندسة حلقات التآمر والتواطؤ والنفوذ المباشر في الإقليم، عبر أدوات مالية ولوجستية واستثمارية راعية وداعمة للمليشيا تتقاطع مع مسارات الحرب في السودان.

هذا التداخل يعكس ما يسميه عالم السياسة الألماني (كارل شميت) بمنطق “توسيع المجال السياسي خارج حدود الدولة”، حيث تصبح الفضاءات الإقليمية امتدادًا لصراع النفوذ لا مجرد ساحات تعاون أو تنافس تقليدي.
لكن المشكلة الجوهرية لا تكمن فقط في الخارج، بل في الداخل التشادي نفسه. فالدولة، كما يشير عالم الاجتماع بيير بورديو، ليست مجرد جهاز إداري، بل هي “مجال صراع على احتكار الشرعية”. وفي حالة تشاد، هذا الاحتكار غير مكتمل، لأن السلطة تتوزع بين الجيش، والشبكات القبلية، والامتدادات الاقتصادية غير الرسمية، إضافة إلى التأثيرات الخارجية. وهذا التوزع يجعل القرار السياسي، خصوصًا في الملفات الحساسة مثل السودان، نتاج تفاعل معقد لا قرارًا سياديًا خالصًا.
ومن هنا، فإن سؤال العلاقة بين تشاد والحرب في السودان، وبالأخص ملف مليشيا الدعم السريع، لا يمكن اختزاله في ثنائية الدعم أو المعارضة. بل يجب تفكيكه عبر ثلاثة مستويات مترابطة: مستوى الدولة الداخلية، ومستوى الجغرافيا الإقليمية ومستوى طبيعة الحرب السودانية نفسها بوصفها حربًا متعددة الفاعلين، وليست صراعًا تقليديًا جيش نظامي لدوله ذات سيادة ومليشيا متمردة.
فعلى مستوى الدولة، تعيش تشاد حالة سيادة منقوصة، تعتمد بشكل كبير على المعادلة الأمنية لضبط الداخل المتفكك ما يجعل أي اضطراب خارجي ينعكس مباشرة على توازنها الداخلي.
وعلى مستوى الجغرافيا، تقع تشاد في قلب فضاء مضطرب يمتد من ليبيا إلى السودان إلى أفريقيا الوسطى، وهو ما يجعلها دولة تماس يعاني من الأزمات لا دولة عزل. أما على مستوى الحرب في السودان، فإن تعدد الفاعلين، خاصة مليشيا الدعم السريع وشبكاتها الاقتصادية والعسكرية، يجعل الحدود بين الداخل والخارج حدودًا مرنة وليست صلبة.
وهنا يمكن استحضار رؤية المفكر الأمريكي صامويل هنتنغتون الذي يرى أن “الدول الضعيفة ليست تلك التي تنهار، بل تلك التي تعجز عن تحويل القوة إلى مؤسسات”. وتشاد تمثل نموذجًا لهذه الحالة، تُدار القوة فيها عبر شبكات الولاء وليس عبر مؤسسات مستقرة، وهو ما يجعل أي انخراط خارجي انعكاسًا لهذه الشبكات وليس قرارًا مركزيًا موحدًا.
وفي ضوء ذلك، فإن الدور الإقليمي للإمارات وغيرها لا يعمل في فراغ، بل يتفاعل مع هشاشة داخلية تشادية تجعل الدولة قابلة للاختراق والتأثير. وهذا ما يفسر لماذا تصبح الحدود التشادية–السودانية مساحة حساسة لتقاطع المصالح، ولماذا تتحول الحرب في السودان إلى عامل إعادة تشكيل داخلي في تشاد نفسها.
لكن الأخطر في هذا المسار هو أن استمرار هذا النمط يضعف قدرة تشاد على التحول إلى دولة مستقرة، ويجعلها أقرب إلى دولة وظيفية تؤدي دورًا أمنيًا إقليميًا أكثر من كونها دولة ذات مشروع وطني متماسك. وهذا الوضع ،إذا استمر، سيؤدي إلى تعميق الاعتماد على الخارج وتوسيع دوائر التوتر الداخلي.
بالنسبةللحكومة للسودانية، فإن هذا المشهد يفرض إعادة صياغة استراتيجية التعامل مع تشاد بعيدًا عن منطق رد الفعل. إذ يجب الانتقال إلى منطق إدارة العلاقات المعقدة عبر أدوات متعددة المستويات، تشمل الأمن والدبلوماسية والتنمية والحدود. ويمكن في هذا السياق طرح عدة مقاربات استراتيجية لصانع القرار السوداني:
أولًا، ضرورة بناء سياسة حدودية جديدة بعد اكتمال تحرير كامل تراب اقليم دارفور من سيطرة مليشيا الدعم السريع، تقوم على تحويل الحدود من منطقة صراع إلى منطقة إدارة مشتركة، عبر آليات مراقبة وتعاون أمني واقتصادي طويل الأمد.
ثانيًا، إعادة التفكير في العلاقات القبلية العابرة للحدود، ليس بوصفها تهديدًا فقط، بل بوصفها مدخلًا لفهم ديناميات الاستقرار وعدم الاستقرار، بما يسمح بإدماجها في هندسة الاستقرار الإقليمي بدل تجاهلها.
ثالثًا، تطوير سياسة دبلوماسية نشطة تجاه تشاد تقوم على تقليل مساحة التأثيرات الخارجية غير المباشرة، عبر الانخراط في تفاهمات إقليمية أوسع تشمل الفاعلين الدوليين والإقليميين.
رابعًا، التعامل مع ملف قوات الدعم السريع ليس فقط كملف داخلي سوداني، بل كجزء من شبكة إقليمية ممتدة، بما يتطلب استراتيجية متعددة الأطراف لكبح مصادر الدعم اللوجستي والتمويل غير المباشر.
خامسًا، إدراك أن استقرار السودان وتشاد معًا هو عملية مترابطة، وأن أي مقاربة تفصل بينهما ستكون قاصرة بالضرورة.
في النهاية، يمكن القول إن مستقبل تشاد لا يتحدد فقط داخل حدودها، بل في كيفية إدارتها لتشابكها مع السودان وليبيا والساحل. كما أن مستقبل السودان لا ينفصل عن كيفية إدارة هذا الامتداد الجيوسياسي المعقد. وبين هشاشة الدولة وتشابك الإقليم، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن تحويل هذا الفضاء المضطرب إلى نظام استقرار، أم أنه سيظل ساحة دائمة لإعادة إنتاج الأزمات؟
إن الإجابة لا تكمن في الخارج وحده، بل في قدرة الدول نفسها على إعادة تعريف الدولة، والسيادة، والعلاقة بين الأمن والتنمية، في بيئة لم تعد تسمح بالحلول البسيطة أو الأحادية.

المقالة السابقة

السودان ما بعد الحرب والسير في الطريق الخاطئ في نقاط مختصرة للغاية كل يوم حبة (( كبسولة )) | في الفشل اللا إداري لكامل إدريس نموذج .. د.بابكر عبدالله محمد علي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *