(١)
من أروع ماكتب في صفات الملوك والقادة والرؤساء كتاب (سراج الملوك) ومؤلفه : أبو بكر محمد بن محمد ابن الوليد الفهري الطرطوشي المالكي ويقع الكتاب في اربعه وستين باباً كلها مباحث مهمة في تدبير السياسة والملك ،وصفات الحاكم .. ومن أهم موضوعات الكتاب التى وقفت عندها طويلاً ونحن بين يدى الحالة السودانية .. الباب الثالث: فيما جاء في الولاة والقضاة وما في ذلك من الغرر والخطر، والباب الحادي عشر: في بيان معرفة الخصال التي هي قواعد السلطان ولا ثبات له دونها ، والباب الثاني عشر: في التنصيص على الخصال التي زعم الملوك أنها هدمت دولتهم وأزالت سلطانهم ، والباب الثالث عشر: في الصفات الذاتية التي زعم الحكماء أنه لا يدوم معها مملكة ، والباب الرابع عشر: في الخصال المحمودة في السلطان، والباب العشرون: في معرفة الخصال التي هي أركان السلطان، والباب الثالث والعشرون: في العقل والدهاء والخبث والمكر، والباب السابع والعشرون: في المشاورة والنصيحة والباب الرابع والثلاثون: في بيان الخصلة التي يصلح عليها الأمير والمأمور، والباب السادس والثلاثون: في بيان الخصلة التي فيها غاية كمال السلطان وشفاء الصدور وراحة القلوب وطيب النفوس والباب السابع والثلاثون: في بيان الخصلة التي فيها ملجأ الملوك عند الشدائد ومعقل السلاطين عند اضطراب الأمور وتغيير الوجوه والأحوال والباب الأربعون: فيما يجب على الرعية إذا جار السلطان.
(٣)
وبين يدي الكتاب يصلح تقديم القول أننا تحاشينا طويلاً طوال الفترات المنصرمه الحديث عن الفريق البرهان للرمزية التي يمثلها الرجل ، ولأنه (كبير القوم) ، والكبير كما يرى الطرطوشي انه يسلك من المسالك ما يجعله عصياً على الإنتقاد ، بعيداً عن سهامه، له مقام في الأفئدة تتقاصر دونه الرماح، وتستعصم الكلمات أن تنوشه .. وأمسكنا عن الرجل لانه يمثل شعار شرف القوات المسلحه، وهو قائدها الأعلي، وشرفها الأسمى ونورها الاسنى ، ولاغرو فمؤسسة الجند وديوانها هى العاصمة من كل قاصمة على رواية ابوبكر العربي المالكي صاحب كتاب (العواصم من القواصم) … وامسكنا عن الانتقاد امتثالاً لأمر ابوبكر الطرطوشي أن كبير القوم ترتجي أوبته إن أخطأ، وينتظر رشده أن ضل ، وتقدم له النصيحة وتلتمس له الأعذار بدلاً من الخروج عليه، وشق عصا الطاعة على ماورد في الكتاب في الباب الأربعين: وعنوانه ( فيما يجب على الرعية إذا جار السلطان.)
(٤)
عودة الي كتاب الطرطوشي وسلوك السيد البرهان.. فنقرأ ان القيادة صفة، والكبير سلوك ، والريادة مكارم، والسؤدد مشقه لولاها لساد الناس كلهم على رواية المتنبيءفالجود يفقر والإقدام قتال ،والقيادة تتطلب عصامية النفس.. وتنسب (العصامية) إلى عصام بن شهبر حاجبُ النعمان والذي قيل فيه
نَفسُ عِصامٍ سَوَّدَت عِصاما
وَعَلَّمَتهُ الكَرَّ وَالإِقداما
وَصَيَّرَتهُ مَلِكاً هُماما
حَتّى عَلا وَجاوَزَ الأَقواما
(٥)
والصدق على رواية الطرطوشي من اول صفات كبير القوم.. فإن الرائد لايكذب أهله والرائد هو الذي يُقَدِّمونه ليَرْتاد لهم منزلاً أو ماءً أو موضع حِرْز يَلْجَؤون إليه من عدوِّ يطلبهم، فإن كذبهم صار تدبيرُهم على خلاف الصواب، وكانت فيه هَلَكتهم، أي أنه وإن كان كذاباً فإنه لا يكذب أهله. والرائد لايخفي عن قومه الحقيقه ، ولا يمارس دونهم الغموض ، ولا يلتبس بثوب الاحتمالات ،ولا يكتب أقواله بسواد الليل فيمحوها فلق الصباح .. الرائد لا يطلق قولا يشير إلى معنين ، ولا يتحدث بلسانين ولا يحمل وجهين ، ولايستخدم التورية في مكان الوضوح ، ولا التقيه في موضع الظهور .. والرائد من يبذل جنوده الارواح ويسترخصون العذاب ثقة في صدق أقواله، وسلامة أفعاله.. الرائد من يخوض جنده دونه النار ويفلون الحديد ويمتشقون السلاح ثقة في أن من خلفهم رجل اذا قال صدق، واذا وعد أوفى، واذا لتزم ابر ،فقوله صدق،وكلامه حق لايتزحزح عنه ان تزحزح الجبل.
(٦)
زعيم القوم يا سعادة الفريق البرهان في كتاب الطرطوشي هو من يحفظ عهد حلفائه فلا يخذلهم، ولا يسلمهم ،ولا ينصرف دونهم والمعركة دائرة، ولايمنع عنهم سلاحاً والحرب قائمة ،ولايحبس عنهم طعاما والزمان مسغبة، ولا يغور بئر لهم والحال عطش .. وهو يبر بقسمه لهم، ويحفظ ذمتهم، وموقفهم معه فلايضيع لهم سرا ، ولا يكشف لهم ظهرا ولا يشمت بهم عدوا، ولا ينفض ظهر يده دونهم ،ولا يقفل بابه أمامهم،… كبير القوم يا سعادة الفريق البرهان من أوفى لحلفائه اذا وعد ومن ابر بقسمه اذا أقسم .. وقديماً قدمت العرب السموال بن عادياء رمزا في مجال الوفاء للحلفاء.. اذ قدم مبدأ الوفاء بدروع وسلاح امروء القيس على دم ابنه فقال لملك كندة وهو يضع السيف على عنق ابنه وفلذة كبده قائلا (ما كنت أخون عهدي وأبطل وفائي فاصنع ما شئت) وذُبِح ابن السموأل وأبوه ينظر إليه من أعلى الحصن، وعاد ملك كندة خائبًا. ثم وافى السموأل بالأدرع وأعطاها ورثة امرئ القيس.
(٧)
الحزم ياسعادة الفريق البرهان عند الطرطوشي هو من أعلى الصفات التى تميز القائد عن غيره، وتؤهله لقيادة جنده ، والعزم صفة ملازمة لها فلايغني حزم عن عزم فالأول صفة القيادة والثاني مطلوباتها ، فإن ما أضاع الرؤساء والملوك على مر التاريخ هو صفة التردد والخور والتهيب عن المواجهة.. فإن اضعف الملوك من لجأ إلى التخفي خلف المؤامرة بدلا عن المواجهة وحسم الأمور والتصدى لها وقديماً كتب هارون الرشيد أمير المؤمنين إلى نقفور ملك الروم .. خطابا من ثلاث عبارت يقول فيه (إن الجواب ما ترى لا ما تسمع ) وخرج إليه في جيش أوله عند هرن الرشيد ، وآخره في ديار الروم .
(٨)
زعيم القوم يا سعادة الفريق البرهان من يسعى دوما لحفز الروح المعنوية لجنده ، وصيانتها من الانكسار وحمايتها من التضعضع ، فالجند هم عصبة السلطان ، وهم سيفه البتار ، وهم قوته الضاربة وهم رسل التأديب ، وكتائب النصر فإن آنسوا من قيادتهم حزما وعزما فلا تقف أمامهم رواسي الجبال وأن رأوا في قيادتهم ترددا وخورا فلايغني الحديد في ايديهم ولا يقوم لهم ثبات، بل تفرقهم الأحداث شذر مذر ، وتنتصر عليهم الجماعات المتمردة، والاشاعات الكاذبة .. الجند هم من يستمدون هيبتهم من قيادتهم وشجاعتهم من اقدامها ، وصبرهم من عزمها …
( ٩)
ليس المقصود من هذا الحديث يا سعادة الفريق عبد الفتاح البرهان محاكمة الرجال، ولا الانتقاص من مقام القيادة، وإنما التذكير بأن الملك لا يقوم بالسيف وحده، وإنما يقوم قبله بالصدق، والوفاء، والحزم، والعدل، وحسن المشورة، وهي الخصال التي جعلها أبو بكر الطرطوشي أركان السلطان، وجعل فقدانها أول طريق الوهن واضطراب الدولة.
إن السودان اليوم يقف عند مفترق طرق، وقد أثقلت الحرب كاهل الناس، وارتفعت كلفة الانتظار، وصار الجنود في الميدان، والمواطنون في المدن والقرى، يتطلعون إلى قيادة تبعث فيهم اليقين قبل الأمل، والثقة قبل الوعود، والحسم قبل التردد. وما أحوج القائد في مثل هذه الساعات إلى أن يكون كبيراً في أفعاله كما هو كبير في موقعه، وأن يكتب تاريخه بقراراته لا بخطاباته، وبوفائه لا بشعاراته.وقديماً قال الطرطوشي إن السلطان إذا صلح صلحت الرعية، وإذا استقام استقامت الدولة، وإن الناس على دين ملوكهم في كثير من أحوالهم. فاجعل – يا سعادة الفريق – من هذه المحنة باباً للمراجعة، ومن النصر العسكري مدخلاً إلى نصر الدولة، فإن الدول لا يحفظها الظفر في المعارك وحده، وإنما يحفظها صدق القيادة، وعدلها، ووفاؤها، وحسن تدبيرها.


