Popular Now

من طهران إلى تل أبيب .. التقرير الاستراتيجي رقم (29) .. هرمز والحدود المشتعلة: هل دخلت واشنطن وطهران مرحلة إدارة الصراع بدلاً من إنهائه؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب ..أستاذ مساعد – الباحث المختص في الشأن الأفريقي وتحليل النزاعات

الحب بين القلب والعقل والدين… كيف نحمي الأسرة من الانهيار؟ .. د. أحمد الطيب السماني دكتوراه في تنمية الاسرة والمجتمع

وجه الحقيقة | الذاكرة الوطنية والأمن القومي .. إبراهيم شقلاوي

📍 أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد السودان… كيف يصنع الرأي العام؟ .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

في عام ٢٠١٣م كان السودانيون يتجادلون حول قضايا.
وفي عام ٢٠١٨م كانوا يهتفون بها.
وبعد ذلك بسنوات أصبحوا ينقسمون حولها.

ثم جاءت الحرب…
فلم يعد الخلاف يدور حول ما حدث فقط…
بل حول ماذا حدث، ولماذا حدث، ومن المسؤول عنه، وكيف ينبغي أن يُفهم.
وكأن السودان لم يعد يعيش حدثًا واحدًا… بل يعيش روايات متعددة للحدث نفسه.

وهنا يبرز سؤالٌ لا يقل أهمية عن كل الأسئلة التي طرحناها في المقالات السابقة:

> كيف يتشكل الرأي العام أصلًا؟

> كيف تتحول فكرة يكتبها شخص على هاتفه إلى قناعة تتداولها المدن؟

> وكيف تصبح عبارةٌ عابرة شعارًا يردده الملايين؟

> وكيف ينتقل المجتمع، خلال أشهر قليلة، من يقينٍ إلى يقينٍ آخر؟

> هل الناس هم الذين يصنعون الرأي العام؟

> أم أن الرأي العام هو الذي يعيد تشكيل ما يعتقد الناس أنهم يؤمنون به؟

وهنا تبدأ #أصل_القضية.

أولا – الرأي العام… لا يبدأ عندما يتكلم الناس

هناك اعتقاد شائع بأن الرأي العام يتشكل عندما تبدأ الجماهير في التعبير عن مواقفها.
لكن الحقيقة أن الرأي العام يبدأ قبل ذلك بكثير.
يتشكل في اللحظة التي ينجح فيها أحدهم في تحديد السؤال الذي سينشغل به الناس غدًا.
فالناس لا يفكرون في كل شيء.
ولا يناقشون كل القضايا.
ولا يمنحون الاهتمام لكل الوقائع.
بل تُرسم أمامهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، خريطة لما يستحق أن يكون محل اهتمامهم.
وهنا تبدأ أولى مراحل صناعة الرأي العام.
فالمعركة الأولى ليست على الإجابة… بل على السؤال.
ومن ينجح في تحديد السؤال…
يقترب كثيرًا من التأثير في الإجابة.

ثانيا – السودان… حين تغيرت قواعد اللعبة

لعل كثيرين يظنون أن الرأي العام السوداني ولد مع ثورة ديسمبر ٢٠١٨م.
لكن الحقيقة أن ديسمبر لم تكن نقطة البداية…
بل كانت لحظة الانكشاف.
أما التحول الحقيقي فقد بدأ قبل ذلك بسنوات.
منذ عام ٢٠١٣م، ومع اتساع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وتأثر المنطقة بموجات الربيع العربي، بدأت قواعد صناعة الرأي العام في السودان تتغير بهدوء.
انتقلت ساحات النقاش من قاعات الندوات إلى شاشات الهواتف.
وتراجعت المسافة بين صانع الرسالة ومتلقيها.
وأصبح بإمكان فرد واحد أن يصل إلى مئات الآلاف دون أن يمر عبر صحيفة، أو إذاعة، أو قناة تلفزيونية.
كان التحول يحدث بصمت…
لكن نتائجه ظهرت بوضوح في السنوات اللاحقة.
ولهذا فإن ما بدا في ٢٠١٨م انفجارًا مفاجئًا… كان في حقيقته حصيلة تراكمات سبقت ذلك بسنوات.

ثالثا – الحدث لا يصنع الرأي العام

قد يبدو الأمر غريبًا…
لكن الأحداث الكبرى لا تصنع الرأي العام بنفسها ، فالحدث يقع مرة واحدة.
أما تفسيره… فيتكرر آلاف المرات.
والناس لا يعيشون الوقائع المجردة.
بل يعيشون المعاني التي تُبنى حولها.
ولهذا قد يشاهد مليون شخص المشهد نفسه…
ثم يخرجون بمليون تفسير مختلف.
ليس لأن الوقائع تغيرت…
بل لأن الإطار الذي قُدمت من خلاله الوقائع اختلف.
فالحدث لا يكتسب تأثيره من حجمه فقط…
بل من الطريقة التي يُروى بها.

رابعا – لماذا يقتنع الناس؟

كثيرًا ما نتصور أن الناس يغيرون آراءهم لأنهم حصلوا على معلومات جديدة.
لكن التجربة الإنسانية أكثر تعقيدًا من ذلك.
فالناس لا تتبنى الأفكار لأنها صحيحة فقط… بل لأنها تتكرر.
ولأنها تصدر عن مصدر تثق به.
و تعرض بطريقة تنسجم مع مخاوفها وآمالها وتجاربها السابقة.
ولهذا فإن صناعة الرأي العام ليست معركة معلومات…

> بل معركة ثقة.

ومن يكسب الثقة… يكسب القدرة على تفسير الواقع.

خامسا – أخطر ما صنعته المنصات

لم يكن أخطر ما فعلته منصات التواصل الاجتماعية أنها سرعت انتقال الأخبار.
بل أنها غيرت طريقة تشكل القناعات.
ففي الماضي كانت المؤسسات الإعلامية تملك إلى حد كبير حق تحديد ما يستحق النقاش.
أما اليوم…
فأصبحت الخوارزميات، والتفاعل، وإعادة النشر، قوى خفية تشارك في رسم خريطة اهتمام المجتمع.
وأصبح الرأي الذي يتكرر أكثر…
يبدو وكأنه الرأي الذي يؤمن به الجميع.
حتى وإن لم يكن كذلك.
وهنا يولد وهمٌ جديد.

> وهم أن الأكثر ظهورًا هو الأكثر حضورًا في ضمير المجتمع.

ومع مرور الوقت، لا يقتصر أثر الرأي المتكرر على اتساع انتشاره، بل يمتد إلى تقليص حضور الآراء الأخرى في المجال العام. فكثير من الناس لا يبدّلون قناعاتهم، لكنهم يتوقفون عن الجهر بها حين يظنون أنهم أصبحوا أقلية. وهكذا قد يبدو المجتمع متفقًا، بينما هو في الحقيقة أكثر صمتًا من اتفاقًا. فالصمت لا يعني دائمًا القناعة، وقد يكون في أحيان كثيرة نتيجة شعور بأن الرأي المخالف لم يعد يجد مساحة آمنة للتعبير.

سادسا – السودان… حين أصبح الرأي العام ساحة صراع

خلال السنوات الأخيرة لم يكن السودانيون يتنافسون على الوقائع فقط.
بل على تفسير الوقائع.
كل طرف كان يحاول أن يقدم قصته بوصفها القصة الحقيقية.
وكل رواية كانت تسعى إلى أن تصبح هي العدسة التي يرى الناس من خلالها الأحداث.
وهكذا لم تعد المنافسة على نقل الخبر.. بل على امتلاك معناه.
ولذلك لم تكن الحرب، ولا السياسة، ولا الأزمات الاقتصادية، مجرد أحداث يتابعها الناس.
بل كانت أيضًا معارك متواصلة لإعادة تشكيل الرأي العام.

#أصل_القضية،،،
الرأي العام لا يولد حين يتحدث الناس.
بل يولد قبل ذلك…
حين ينجح أحدهم في تحديد ما الذي سيتحدث الناس عنه.
ثم ينمو عندما يجد تفسيرًا يثق الناس به.
ويشتد عندما يتكرر.
ويترسخ عندما يتحول إلى رواية.
وربما لهذا السبب…
لم تكن الأزمة السودانية، خلال العقد الأخير، أزمة أحداث فقط…

● بل أزمة معانٍ.

● وأزمة روايات.

● وأزمة من يملك القدرة على تفسير ما يحدث قبل أن يفسره الآخرون.

ولهذا…
فإن السؤال الذي ينتظرنا في المقال القادم ليس:
من يؤثر في الرأي العام؟
ولا:
من يتحدث باسم الناس؟
بل السؤال الذي يقف خلفهما جميعًا:

> من يحدد ما نتحدث عنه؟

لأن الرأي العام يعيش بالأحداث…
أما الأمم فتعيش بالروايات.

المقالة السابقة

منشورات د. احمد المفتي رقم 6118 بتاريخ 19 يونيو عام 2026 ( تعليقات الذكاء الاصطناعي في نهاية هذا المنشور )

المقالة التالية

وجه الحقيقة | الذاكرة الوطنية والأمن القومي .. إبراهيم شقلاوي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *