عقد مجلس الأمن الدولي، مساء الجمعة 26 يونيو 2026 بمقر الأمم المتحدة في نيويورك، جلسته الدورية الخاصة بالسودان، والتي تُعقد كل (180) يوماً لمراجعة تطورات الأوضاع السياسية والأمنية والإنسانية في البلاد، والاستماع إلى إحاطات مسؤولي الأمم المتحدة ومواقف الدول الأعضاء والحكومة السودانية بشأن تطورات الأزمة.
واكتسبت الجلسة أهمية استثنائية، إذ جاءت في ظل تصاعد العمليات العسكرية حول مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان، وتزايد التحذيرات الأممية من احتمال تحولها إلى بؤرة أزمة إنسانية جديدة على غرار ما شهدته مدينة الفاشر، فضلاً عن استمرار تعثر جهود التوصل إلى وقف لإطلاق النار، وتصاعد الجدل الدولي حول مستقبل العملية السياسية في السودان.
وقد هيمنت ثلاثة ملفات رئيسية على مداولات الجلسة، تمثلت في حماية المدنيين، ووقف التصعيد العسكري حول الأبيض، ومستقبل الهدنة الإنسانية والمسار السياسي. وحذرت الأمم المتحدة من أن مئات الآلاف من المدنيين باتوا معرضين لخطر مباشر إذا استمرت العمليات العسكرية، فيما دعت غالبية الدول إلى وقف فوري للتصعيد وضمان وصول المساعدات الإنسانية.
وشكلت تصريحات مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، أحد أبرز محاور النقاش، إذ أعلن أن مجلس السيادة السوداني رفض النسخة الأخيرة من مقترح الهدنة الإنسانية، معتبراً أن ذلك أوقف الجهود الرامية إلى التوصل لوقف مؤقت لإطلاق النار يمهد لاستئناف العملية السياسية.
في المقابل، جاء الرد السوداني عبر المندوب الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير الحارث إدريس، مؤكداً أن السودان لا يرفض وقف إطلاق النار من حيث المبدأ، وإنما يرفض أي هدنة تسمح لقوات الدعم السريع بإعادة تنظيم صفوفها أو تحقيق مكاسب عسكرية. كما تمسك السودان بإعلان جدة باعتباره المرجعية الأساسية لأي تسوية، وطالب بوقف تدفق السلاح إلى الدعم السريع، مؤكداً أن الحل يجب أن يكون بقيادة وملكية سودانية. كذلك رفض الاتهامات الأمريكية المتعلقة باستخدام الجيش السوداني أسلحة كيميائية، مشيراً إلى أن واشنطن لم تقدم أي دليل، وأن الأمر ينبغي أن يُترك للجهات الدولية الفنية المختصة.
وأظهرت الجلسة تبايناً واضحاً في مواقف الدول. فقد ركزت الولايات المتحدة وبريطانيا ومعظم الدول الأوروبية على ضرورة وقف إطلاق النار وحماية المدنيين، مع التحذير من تكرار مأساة الفاشر في مدينة الأبيض. بينما شددت الصين على أهمية الوقف الفوري للقتال مع احترام سيادة السودان وعدم فرض حلول خارجية. أما روسيا فقد تبنت موقفاً أكثر وضوحاً في دعم مؤسسات الدولة، معتبرة أن الحكومة السودانية تمثل الضامن الوحيد لاستمرار الدولة، وأن قوات الدعم السريع تسعى إلى نشر الفوضى وتقسيم البلاد. كما أكدت مصر أن مشاريع الفوضى والكيانات الموازية لن يكتب لها النجاح، وجددت السعودية وتركيا دعمهما للحل السياسي السوداني والحفاظ على وحدة البلاد ومؤسساتها.
وتكشف الجلسة عن تحول ملحوظ في أولويات المجتمع الدولي، حيث لم يعد النقاش يدور حول وقف الحرب بصورة عامة فحسب، بل أصبح يتركز على منع انهيار المدن الكبرى، وفي مقدمتها مدينة الأبيض، واحتواء التداعيات الإنسانية، بالتوازي مع البحث عن إطار سياسي جديد لإنهاء الصراع.
وعلى الرغم من أن الجلسة لم تسفر عن قرارات ملزمة أو إجراءات تنفيذية جديدة، فإنها عكست ثلاثة اتجاهات رئيسية؛ أولها تصاعد الضغوط الدولية لوقف التصعيد العسكري، وثانيها اتساع مساحة التأييد الدولي للحفاظ على وحدة السودان ومؤسسات الدولة، وثالثها استمرار الخلاف حول شروط الهدنة وآليات الانتقال إلى عملية سياسية شاملة.
وفي المجمل، فإن جلسة مجلس الأمن أكدت أن السودان سيظل خلال المرحلة المقبلة محوراً لتحركات دبلوماسية مكثفة، وأن مدينة الأبيض ستكون في قلب الاهتمام الدولي، بينما سيبقى نجاح أي مبادرة سياسية مرهوناً بقدرة الأطراف على التوصل إلى ترتيبات توازن بين المتطلبات الإنسانية والاعتبارات الأمنية والسياسية للدولة السودانية.
قراءة موجزة لجلسة مجلس الأمن الدولي حول السودان .. الأبيض في صدارة الاهتمام الدولي… وتباين في الرؤى حول وقف الحرب ومستقبل التسوية .. د. محمد حسن فضل الله
المقالة السابقة

