Popular Now

أماني الطويل.. حين يصبح الموقف تابعا للمنصة .. هشام محمود سليمان

مسارات | مجلس الأمن والسودان.. حين تصطدم الآمال بحسابات السياسة الدولية .. د.نجلاء حسين المكابرابي

من طهران إلى الخرطوم (30) .. من الذراع الطويل إلى حرب السودان..إسرائيل بين إرث جنوب السودان وصراعات الحاضر وتراجع الهيمنة الأمريكية .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشأن الأفريقي وتحليل النزاعات

من طهران إلى الخرطوم (30) .. من الذراع الطويل إلى حرب السودان..إسرائيل بين إرث جنوب السودان وصراعات الحاضر وتراجع الهيمنة الأمريكية .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشأن الأفريقي وتحليل النزاعات

مقدمة
تشهد منطقة الشرق الأوسط والقرن الأفريقي تحولات استراتيجية عميقة أعادت تشكيل خرائط النفوذ والتحالفات، وأظهرت بوضوح تراجع قدرة القوى التقليدية على فرض إرادتها منفردة. فمن مضيق هرمز إلى البحر الأحمر، ومن طهران إلى الخرطوم، تتداخل الملفات الأمنية والعسكرية والاقتصادية بصورة تجعل من الصعب الفصل بين أزمات المنطقة.
فالحرب الإسرائيلية على إيران، والتوترات في الخليج، وتراجع النفوذ الأمريكي التقليدي، والحرب السودانية، كلها حلقات في مشهد إقليمي ودولي أكثر تعقيدًا، تتقاطع فيه المصالح الدولية والإقليمية، بينما تعيد الدول المتوسطة والصاعدة رسم حدود أدوارها ونفوذها.
أولاً: هرمز بين السيادة الإيرانية والضغوط الأمريكية
ما زال مضيق هرمز يمثل أحد أهم نقاط الاختناق الاستراتيجية في العالم، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط العالمية.
وتؤكد إيران باستمرار أن المضيق يقع ضمن مياهها الإقليمية المشتركة مع سلطنة عمان، وأن أمنه يرتبط مباشرة بأمنها القومي، بينما ترى الولايات المتحدة أن حرية الملاحة مصلحة دولية لا يجوز إخضاعها للاعتبارات الإقليمية.
وقد كشفت التطورات الأخيرة أن واشنطن لا ترغب في الانزلاق إلى مواجهة شاملة مع إيران، لأن أي تصعيد واسع سيؤدي إلى:
– ارتفاع أسعار النفط والطاقة.
– اضطراب الأسواق العالمية.
– زيادة معدلات التضخم.
– ارتفاع تكاليف النقل البحري.
– إرباك الاقتصاد الأمريكي والأوروبي.
ولذلك ظل التصعيد العسكري محدوداً ومحكوماً بقواعد اشتباك غير معلنة.
ثانياً: إيران بعد الحرب.. نصر الصمود والتفاوض
أثبتت طهران خلال الأزمة الأخيرة أنها قادرة على الجمع بين المقاومة العسكرية والتفاوض السياسي.
فالضربات المتبادلة لم تؤد إلى انهيار مؤسسات الدولة الإيرانية، كما أن القيادة الإيرانية نجحت في الحفاظ على تماسك النظام السياسي والعسكري.
كما أظهرت التطورات أن إيران لا تزال تحتفظ بأوراق نفوذ إقليمية مؤثرة في العراق، لبنان، اليمن و سوريا.
وأصبح واضحاً أن أي ترتيبات أمنية جديدة في المنطقة لن تكون ممكنة دون مشاركة إيرانية مباشرة أو غير مباشرة.
ثالثاً: إسرائيل بين الحرب والأزمة الداخلية
تواجه إسرائيل تحديات متزايدة على المستويات العسكرية والسياسية والاجتماعية.
فاستمرار التوتر مع إيران، وتوسع المواجهات الإقليمية، والخلافات السياسية الداخلية، جميعها عوامل أضعفت المشهد الإسرائيلي.
كما أظهرت بعض استطلاعات الرأي تراجعاً في شعبية القيادة السياسية، بينما بدأت قطاعات داخل الولايات المتحدة تعيد النظر في طبيعة الدعم التقليدي لإسرائيل.
وأصبح السؤال المطروح داخل بعض الدوائر الغربية: هل أصبحت إسرائيل عبئاً استراتيجياً على السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط؟
رابعاً: من «الذراع الطويل» إلى جنوب السودان
أعاد تكريم ديفيد بن عوزي في جنوب السودان فتح ملف العلاقات الإسرائيلية التاريخية بالحركات المتمردة في جنوب السودان.
ففي كتابه «الذراع الطويل» يروي بن عوزي تفاصيل الدعم الذي قدمته المؤسسات الإسرائيلية لحركة الأنانيا خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، بما في ذلك:
– التدريب العسكري.
– الدعم اللوجستي.
– إنشاء المطارات.
– تطوير الاتصالات.
– توسيع مناطق العمليات.
وقد اعتبر البعض هذا التكريم اعترافاً بالدور الإسرائيلي في استقلال جنوب السودان، بينما يرى آخرون أنه يمثل اعترافاً بالمساهمة في تقسيم السودان.
وهذا الجدل يعيد طرح تساؤلات قديمة حول طبيعة المصالح الإسرائيلية في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
خامساً: السودان والحرب بين الداخل والخارج
تؤكد تطورات الحرب السودانية أن الأزمة لم تعد مجرد صراع داخلي، بل أصبحت تتداخل فيها اعتبارات إقليمية ودولية متعددة.
وتشير العديد من التقارير إلى وجود دعم خارجي لبعض أطراف الصراع، بينما تتهم الحكومة السودانية جهات إقليمية بالتورط في استمرار الحرب.
وفي المقابل، ترى بعض القوى الدولية أن الأزمة تتطلب تسوية سياسية شاملة، بينما تؤكد الحكومة السودانية أولوية استعادة الدولة ومؤسساتها.
سادساً: العقوبات الأمريكية وإشكالية المعايير المزدوجة
أثارت العقوبات الأمريكية الأخيرة على السودان جدلاً واسعاً داخل الأوساط السودانية.
ففي الوقت الذي تتحدث فيه واشنطن عن استخدام أسلحة محظورة، يطرح كثير من السودانيين تساؤلات حول أسباب تجاهل الانتهاكات الأخرى التي شهدتها الحرب.
كما يثار تساؤل آخر حول أسباب عدم فرض عقوبات على الجهات التي تتهمها تقارير دولية بدعم أطراف النزاع أو تمويل العمليات العسكرية.
وقد أدى ذلك إلى تنامي الانتقادات للمواقف الدولية، واتهام بعض القوى الكبرى بازدواجية المعايير.
سابعاً: مصر والسودان.. ثبات الموقف الإقليمي
جاء الموقف المصري داخل مجلس الأمن داعماً لحق السودان في حماية سيادته ووحدة أراضيه.
ويعكس هذا الموقف استمرار الرؤية المصرية التي تعتبر استقرار السودان جزءاً من الأمن القومي المصري.
كما أن الرسائل السودانية في مجلس الأمن أكدت تمسك الخرطوم بسيادتها ورفضها أي حلول تتجاوز مؤسسات الدولة الوطنية.
ثامناً: التطورات العسكرية في السودان
شهدت الجبهات العسكرية خلال الفترة الأخيرة متغيرات مهمة، من أبرزها:
– تدمير أرتال عسكرية في بعض المحاور.
– توسع سيطرة القوات الحكومية في بعض المناطق.
_ تقدم القوة المشتركة في أجزاء من دارفور.
– استمرار العمليات في النيل الأزرق وكردفان.
كما تشير بعض المؤشرات إلى تزايد الضغوط العسكرية والسياسية على قوات الدعم السريع، في وقت تتزايد فيه الانقسامات الداخلية والانشقاقات.
تاسعاً: الاقتصاد السوداني وفرص التعافي
رغم الحرب، بدأت بعض المؤشرات الاقتصادية في إظهار قدر من التحسن النسبي.
وقد ساهمت عدة عوامل في ذلك، منها:
– تراجع نسبي في أسعار العملات الأجنبية.
– زيادة الأنشطة التجارية في بعض المناطق الآمنة.
– اهتمام قطري متزايد بالاستثمار.
– توقعات بإعادة الإعمار مستقبلاً.
كما أن الاستقرار الأمني سيظل العامل الحاسم في أي تعافٍ اقتصادي حقيقي.
عاشراً: السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول: التهدئة الإقليمية
استمرار المفاوضات الأمريكية الإيرانية، وتراجع احتمالات الحرب الشاملة، وعودة التوازن إلى أسواق الطاقة.
السيناريو الثاني: التصعيد المحدود
استمرار الضربات والردود المتبادلة دون الانزلاق إلى مواجهة إقليمية واسعة.
السيناريو الثالث: اتساع الصراع
فشل التفاهمات السياسية، وتصاعد المواجهات العسكرية، واتساع نطاق الأزمات الإقليمية.
السيناريو السوداني
تشير التطورات الميدانية إلى احتمالين رئيسيين:
– استمرار العمليات العسكرية وتغير موازين القوى على الأرض.
– الانتقال إلى تسوية سياسية تفرضها الوقائع العسكرية.

الخاتمة
تكشف التطورات الممتدة من طهران إلى الخرطوم أن النظام الدولي يمر بمرحلة إعادة تشكيل عميقة، وأن أدوات القوة التقليدية لم تعد وحدها قادرة على حسم الصراعات.
فإيران أثبتت قدرتها على الصمود والتفاوض، وإسرائيل تواجه تحديات متزايدة، والولايات المتحدة تعيد حساباتها الاستراتيجية، بينما يقف السودان أمام تحدي استعادة الدولة وإعادة بناء المؤسسات.
إن الأزمات الكبرى لا تُحسم فقط بالسلاح، بل تحسمها قدرة الدول على بناء مؤسساتها الوطنية، وتعزيز وحدتها الداخلية، وإدارة تحالفاتها ومصالحها بصورة تحقق الأمن والاستقرار.
ويبقى الدرس الأهم أن قوة الدول تبدأ من الداخل، وأن وحدة الدولة ومؤسساتها هي الضمان الحقيقي لمواجهة التحديات الخارجية وصناعة المستقبل.

المقالة السابقة

وجه الحقيقة | إرادة السودانيين… وابتزاز العواصم .. إبراهيم شقلاوي

المقالة التالية

مسارات | مجلس الأمن والسودان.. حين تصطدم الآمال بحسابات السياسة الدولية .. د.نجلاء حسين المكابرابي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *