Popular Now

أماني الطويل.. حين يصبح الموقف تابعا للمنصة .. هشام محمود سليمان

مسارات | مجلس الأمن والسودان.. حين تصطدم الآمال بحسابات السياسة الدولية .. د.نجلاء حسين المكابرابي

من طهران إلى الخرطوم (30) .. من الذراع الطويل إلى حرب السودان..إسرائيل بين إرث جنوب السودان وصراعات الحاضر وتراجع الهيمنة الأمريكية .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشأن الأفريقي وتحليل النزاعات

أماني الطويل.. حين يصبح الموقف تابعا للمنصة .. هشام محمود سليمان

في السياسة قد تتبدل المواقف، أما في البحث العلمي فلا يجوز أن يتبدل الميزان. والباحث الذي يجعل رأيه رهينًا للمنصة التي يقف عليها لا يعود شاهدًا على الوقائع، وإنما يصبح جزءًا من المشهد الذي يراد تسويقه. هذا هو الانطباع الذي خرج به كثيرون بعد تصريحات الدكتورة أماني الطويل في الندوة التي استضافتها الإمارات، فلم يكن حديثها امتدادًا لما عُرف عنها من تحليلات سابقة، بل بدا وكأنه خطاب جديد صيغ ليتوافق مع المكان أكثر مما استند إلى ثبات المبدأ، وكأن السودان لم يتغير وإنما الذي تغير هو المنصة فتغير معها الخطاب، وتبدلت اللغة وانقلبت الأولويات.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب الباحث ليس الخطأ في التقدير، وإنما غياب الاتساق، فالبحث العلمي لا يعرف الألوان المتبدلة ولا يقيس الحقيقة باتجاه الريح السياسية، ومن يفعل ذلك يفقد أهم ما يملكه الأكاديمي استقلاله.

جاءت تصريحات أماني الطويل مليئة بالأحكام الجازمة، لكنها خلت من التوازن؛ سخرت من الجيش السوداني، ووصفت السودانيين بما لا يليق بتاريخ شعب عريق وقدمت الأزمة السودانية وكأنها مسؤولية الدولة وحدها متجاهلة شبكة التدخلات الإقليمية التي أصبحت جزءًا من تكوين هذه الحرب. كان الصمت عن هذه الحقائق أكثر بلاغة من الكلمات نفسها.

والأغرب أن يصدر هذا الخطاب من داخل دولة تواجه اتهامات متكررة بالتدخل في الشأن السوداني كان المنتظر من أي باحث يحترم أدواته العلمية أن يناقش هذه الاتهامات أو على الأقل أن يعترف بأنها جزء من الجدل الدائر حول الحرب، لا أن يتجاوزها بالكامل وكأنها لم تكن ثم يوجه سهام النقد كلها إلى الضحية.

أما حديثها عن أن السودانيين أصبحوا عبئًا على مصر فهو حديث يفتقد إلى أبسط قواعد الإنصاف، فالعلاقات بين القاهرة والخرطوم لم تُبن يومًا على حسابات الربح والخسارة، والسودانيون الذين دفعتهم الحرب إلى اللجوء لم يذهبوا متسولين، بل حمل كثير منهم رؤوس أموالهم واستثماراتهم وأعمالهم وأسهموا في الدورة الاقتصادية. كما أن مصر استفادت ،مثل غيرها من الدول المستضيفة، من برامج الدعم الدولي المخصصة للاجئين فكيف يتحول شعب شقيق إلى عبء في خطاب يدعي الموضوعية؟ أما الجيش السوداني فمن حق الجميع أن ينتقد أداءه، لكن ليس من حق أحد أن يتعامل معه بمنطق السخرية والازدراء، فهذا جيش حمل عبء الدولة في لحظة انهيار وخاض حربًا معقدة ضد تمرد مسلح مهما اختلف الناس في تقييم أدائه، والنقد الرصين يختلف جذريًا عن محاولة الانتقاص من مؤسسة وطنية في ذروة معركتها.

المؤسف أن أماني الطويل اختارت أن تنظر إلى السودان من نافذة ضيقة وأن تستبدل لغة الباحث بلغة الموقف السياسي، وحين يحدث ذلك لا يعود السؤال هل ما قالته صحيح أم خاطئ؟ بل يصبح السؤال الأكبر: أين انتهى الباحث وأين بدأ الناشط السياسي؟ إن السودان لا يحتاج إلى من يكتب عنه وفق هوى العواصم، بل إلى من يكتب عنه بضمير الباحث. أما الذين يبدلون خطابهم كلما تبدلت المنصة، فإنهم يكسبون تصفيق القاعة لكنهم يخسرون احترام التاريخ، فالتاريخ لا يتذكر من كان صوته أعلى، وإنما يتذكر من بقي موقفه ثابتًا عندما كانت الحقيقة أغلى من المجاملة وأثمن من رضا أصحاب المنابر.

المقالة السابقة

مسارات | مجلس الأمن والسودان.. حين تصطدم الآمال بحسابات السياسة الدولية .. د.نجلاء حسين المكابرابي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *