لم تكن جامعة الخرطوم في ثمانينيات القرن الماضي مجرد حرم جامعي تلقى فيه المحاضرات وتمنح فيه الشهادات، بل كانت جمهورية للفكر وسوقاً عكاظياً تتبارى فيه العقول قبل أن تتنافس التنظيمات. كانت الجامعة آنذاك تعيش حراكاً ثقافياً لا تهدأ جذوته، أركان النقاش تمتد حتى المساء، والندوات تستقطب المئات، والمكتبات تضج بالقراء والمجلات الحائطية تتحول إلى منابر للرأي والنقد والإبداع.
في تلك السنوات لم يكن الطالب يُقاس بانتمائه السياسي بقدر ما يقاس بما قرأ، وما كتب وما يستطيع أن يدافع عنه بالحجة والمنطق. كان الإسلامي يقرأ لماركس ليعرف خصمه، واليساري يقرأ للغزالي وابن تيمية ليفهم من يخالفه، والقومي يطالع الفلسفة الغربية بينما ينشغل المستقلون بالآداب والفنون والفكر الإنساني.
كان الجميع يدرك أن المعرفة هي السلاح الأول وأن الرأي الذي لا يسنده علم لا يصمد طويلا أمام امتحان الحوار.
لم تكن السجالات الفكرية خصومة، بل كانت تدريباً يومياً على التفكير يشتد الجدل وترتفع الأصوات ثم ينصرف الجميع إلى قاعات الدراسة أو إلى مقاهي الجامعة، يجمعهم احترام العقل وإن فرقتهم المواقف. ومن تلك البيئة خرج سياسيون، وقضاة، وأساتذة جامعات، وكتّاب وصحفيون حملوا معهم تقاليد الحوار وقيمة الاختلاف. أما اليوم فقد تغير المشهد كثيراً؛ تراجعت القراءة أمام سطوة الهاتف، واختُزلت الأفكار في منشورات عابرة، وأصبح كثير من النقاش يدور حول الأشخاص بدلاً من القضايا، وغلبت سرعة الوصول إلى المعلومة على مشقة البحث عنها حتى فقدت المعرفة شيئًا من هيبتها وأصبح الانتصار في الجدل أحيانًا أهم من الوصول إلى الحقيقة.
ولا يعني ذلك أن الجامعات اليوم خلت من العقول اللامعة أو المواهب الواعدة، فكل جيل يحمل بين صفوفه من يستطيع أن يصنع الفارق لكن المناخ الثقافي الذي كان يصقل تلك المواهب لم يعد بالقوة نفسها فالعقول الكبيرة لا تنبت في الفراغ، وإنما تنمو في بيئة تحترم السؤال، وتعلي من شأن الكتاب وتؤمن بأن الاختلاف سبيل إلى الإثراء لا إلى القطيعة.
إن ما نفتقده اليوم ليس الماضي في ذاته، وإنما روحه روح الجامعة التي كانت ترى في الفكر رسالة، وفي الحوار فضيلة وفي الثقافة أساساً لبناء الوطن، فالأمم لا تنهض بكثرة الجامعات، وإنما بقدرتها على تخريج مفكرين قبل أن تخرج حملة شهادات وبصناعة إنسان يعرف كيف يفكر قبل أن يعرف كيف يجيب.


