Popular Now

وجه الحقيقة |الخريف… ورهانات الأمن القومي .. إبراهيم شقلاوي

أصل القضية | السودان… من يملك الانتباه يملك التأثير .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

السجالات الفكرية بين الأمس واليوم.. جامعة الخرطوم في الثمانينيات: حين كانت الفكرة تصنع الرجال .. هشام محمود سليمان

دولة ليبيا: من حلم الجماهيرية إلى مأزق الدولة (1) .. قراءة استراتيجية في تحولات القوة .. د. إسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز انماء للدراسات الاستراتيجية

تعتبر الجغرافيا من أكثر العوامل ثباتاً في السياسة الدولية، لأنها لا تتغير ،بينما تتغير الحكومات والأنظمة. بهذه العبارة الموجزة لخص المفكر الجيوسياسي (نيكولاس سبيكمان) أحد أهم قوانين العلاقات الدولية وأكثرها استدامة. أما (كارل فون كلاوزفيتز) ،الذي ما زالت نظرياته تؤثر في الاستراتيجيات المعاصرة، فقد رأى أن الصراع ليس حدثاً منفصلاً أو لحظة طارئة، وإنما امتداد طبيعي لمسار سياسي طويل تتشابك فيه المصالح المتضاربة، وتتقاطع القوى المتنافسة وتتنازع الجغرافيا مع الطموح البشري.
وإذا كان ثمة نموذج يعكس هذه المعادلة المعقدة بأبعادها كافة، فإن ليبيا تمثل ذلك النموذج بامتياز. فهي ليست مجرد دولة نفطية تقبع على الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، بل هي بؤرة استراتيجية تربط أوروبا بعمق أفريقيا، وتتحكم في واحد من أكثر الفضاءات الجيوسياسية حساسية في النظام العالمي. ولهذا السبب، ولهذا فى تقديري لم يكن تاريخ ليبيا الحديث داخلياً محض، وإنما ظل على الدوام نتاجاً لتفاعل الجغرافيا مع السلطة، والثروة مع الطموح، ومشروع الدولة مع التدخلات الخارجية.

في الفاتح من سبتمبر 1969، وقع الانقلاب العسكري الذي قاده العقيد معمر القذافي، وقد اعتبر أنه ليس مجرد انتقال للسلطة في دولة نامية تعاني من وهن التأسيس، بل إعلاناً عن ولادة مشروع سياسي جامح أراد إعادة تشكيل الدولة الليبية من جذورها. استلهم القذافي التجربة الناصرية بعناوينها العريضة، لكنه مضى بها نحو صيغة فريدة أعلن من خلالها قيام “الجماهيرية”، باعتبارها نموذجاً ثورياً يتجاوز الدولة التقليدية بكل ما تحمله من بيروقراطيات ومراكز قوة، ليمنح السلطة مباشرة للشعب عبر المؤتمرات الشعبية واللجان الثورية.
غير أن التطبيق العملي لهذا النموذج قاد إلى نتائج مغايرة تماماً لما كان يسعى إليه. فبدلاً من توزيع السلطة وتعميق المشاركة، شهدت ليبيا تركيزاً غير مسبوق للسلطة في يد الحاكم، حيث أصبحت الدولة مرادفة لشخص القذافي أكثر من ارتباطها بمؤسسات راسخة، وإطار قانوني فاعل، وهياكل حكم قادرة على الاستمرار بمعزل عن الأفراد. هذا التناقض البنيوي بين الشعارات الثورية والممارسة الفعلية ترك آثاراً عميقة لم تظهر تداعياتها الكاملة إلا بعد سقوط النظام، حين تبين أن الدولة التي امتلكت واحداً من أعلى معدلات الدخل الفردي في أفريقيا، كانت في جوهرها كياناً هشاً يفتقر إلى الحد الأدنى من التماسك المؤسسي.
خلال سبعينيات القرن الماضي، دخلت ليبيا مرحلة إعادة صياغة جذرية لدورها الإقليمي والدولي، مدفوعة برؤية القذافي للعالم التي تجمع بين القومية العربية، والإفريقية الثورية، ومعاداة الاستعمار الغربي. فاتخذت سلسلة من القرارات المفصلية التي غيرت ملامح الدولة: تأميم شركات النفط الأجنبية، وإجلاء الجاليات الإيطالية والأميركية، وإغلاق القواعد العسكرية الأميركية والبريطانية، وعلى رأسها قاعدة ويلوس الجوية الاستراتيجية. وفي الوقت نفسه، تبنت سياسة خارجية قائمة على دعم حركات التحرر والتنظيمات الثورية في مناطق مختلفة من العالم، من الجيش الجمهوري الأيرلندي إلى منظمة التحرير الفلسطينية، مروراً بحركات مقاومة نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.
وبذلك تحولت ليبيا إلى أحد أبرز اللاعبين الذين سعوا إلى تحدي موازين القوى الغربية الموثرة ، مستندة إلى مواردها النفطية الهائلة وشعاراتها القومية والأفريقية التي منحتها شرعية ثورية في سياق الحرب الباردة. لكن هذا التحرك الطموح حمل في طياته بذور الصراع مع القوى الكبرى، وأعدّ المشهد لمواجهات مستقبلية كان من أبرزها العقوبات الدولية التي عصفت بالدولة في التسعينيات.

كانت العلاقة مع مصر أحد أكثر ملفات السياسة الليبية تعقيداً وتقلباً، حيث عكست التحولات الكبرى في المنطقة. ففي البداية، بدأت العلاقة بتقارب واضح، وشاركت ليبيا في حرب أكتوبر 1973 بقواتها الجوية ووحدات من سلاحها المدرع دعماً لمصر في مواجهة إسرائيل، في لحظة كانت فيها الوحدة العربية تبدو ممكنة. غير أن هذا التقارب سرعان ما تبدد بعد توقيع الرئيس أنور السادات اتفاقية كامب ديفيد، إذ رأى القذافي في تلك الخطوة خروجاً على المشروع القومي العربي وتحالفاً منفرداً مع العدو الصهيوني تحت غطاء أميركي.
لتتجه العلاقات نحو توتر متصاعد بلغ ذروته في الاشتباكات الحدودية بين البلدين خلال صيف عام 1977، حين اندلعت مواجهات عسكرية مباشرة كادت أن تتوسع إلى حرب إقليمية شاملة، لولا أن نجحت الوساطات العربية، وعلى رأسها الجزائر، في احتواء الأزمة ومنع تحولها إلى صراع مفتوح. لكن الجرح بقي مفتوحاً في الذاكرة السياسية للبلدين، وظل مشروع الوحدة بين مصر وليبيا حلماً بعيد المنال، تعثر أمام تناقضات الرؤى واختلاف الأولويات.

وفي الجنوب، بدت الجغرافيا أكثر حضوراً من السياسة، حيث تحكمت الخرائط الاستعمارية القديمة والتوزيعات القبلية في تشكيل العلاقات بين ليبيا ودول الجوار الأفريقي. ففي تشاد، قادت أهمية قطاع أوزو الحدودي ،وما يحتويه من ثروات معدنية محتملة، ليبيا إلى السيطرة عليه عام 1973، لتندلع حرب طويلة ومعقدة عُرفت لاحقاً باسم “حرب التويوتا”، نسبة إلى سيارات الدفع الرباعي التي لعبت دوراً بارزاً ومفاجئاً في العمليات العسكرية التي خاضتها القوات التشادية.
خلال تلك الحرب، التي استمرت على فترات متقطعة لأكثر من عقد، تمكنت القوات التشادية بقيادة حسين هبري من تحقيق مكاسب ميدانية مهمة، وأَسرت عدداً من الجنود الليبيين، كان من بينهم الضابط الشاب حينها خليفة حفتر، الذي سيصبح لاحقاً أحد أبرز الفاعلين وأكثرهم إثارة للجدل في المشهد الليبي بعد عام 2011.
أما مع السودان، فقد ظلت العلاقات تتأرجح بين التعاون والتنافس، ولا سيما في المناطق الحدودية الشاسعة، حيث انعكس الصراع على النفوذ في دارفور على طبيعة العلاقة بين البلدين، في ظل تبادل دعم جماعات معارضة ومتمردة خلال فترات مختلفة، مما جعل الحدود الليبية-السودانية ساحة لصراعات بالوكالة تعكس توترات أعمق.
مع نهاية ثمانينيات القرن الماضي، دخلت ليبيا مرحلة جديدة من الضغوط الدولية والعزلة القسرية، بعد اتهامها بالضلوع في تفجير طائرة “بان أم” فوق لوكربي عام 1988، وهو الحادث المأساوي الذي أسفر عن مقتل 270 شخصاً، غالبيتهم من المدنيين الأبرياء. وترتب على ذلك فرض عقوبات جوية وتجارية من الأمم المتحدة، أدت إلى عزل ليبيا سياسياً واقتصادياً لسنوات، وكشفت عن هشاشة موقعها الدولي رغم ثروتها النفطية.
لكن القذافي، مدفوعاً بتحولات البيئة الدولية الجذرية بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفيتي، أدرك مبكراً ضرورة إعادة تموضع بلاده في النظام العالمي الجديد. فمع مطلع الألفية، أعلن التخلي عن برامج أسلحة الدمار الشامل، وقبل تسويات قضية لوكربي التي كلّفت خزانة الدولة تعويضات ضخمة، وفتح الباب أمام عودة الاستثمارات الغربية ،خاصة في قطاع النفط والغاز، لتستعيد ليبيا جانباً من حضورها الدولي وتُرفع عنها العقوبات تدريجياً.
غير أن الانفتاح الخارجي، مهما كان مهماً، لم يكن كافياً لمعالجة الاختلالات الداخلية التي تراكمت عبر عقود من الحكم الفردي. فالدولة التي امتلكت ثروة نفطية هائلة، وواحداً من أكبر احتياطيات النفط الخام في أفريقيا، لم تنجح في بناء مؤسسات قادرة على إدارة مرحلة ما بعد الزعيم. تركيز السلطة في مركز واحد جعل النظام يبدو متماسكاً ظاهرياً، بينما كان في داخله هشاً أمام أي صدمة كبرى، كالأزمة الاقتصادية، أو الانقسام الداخلي أو الضغط الخارجي.

لقد ظل النظام الليبي يعتمد على آليات غير رسمية في الحكم: التوازنات القبلية، والولاءات الشخصية، وتوزيع الريع النفطي كأداة للسيطرة أكثر من كونه أساساً للتنمية. هذه البنية الهشة جعلت الدولة أشبه ببناء يقف على ركيزة واحدة، قوية لكنها منفردة، حين تسقط يسقط كل شيء.
لذلك، عندما وصلت رياح الربيع العربي إلى ليبيا عام 2011، لم يكن المشهد مجرد احتجاجات شعبية ضد نظام حكم، ولا حراكاً سياسياً تقليدياً للمطالبة بالإصلاح، بل كان بداية انهيار نموذج سياسي كامل بُني على مركزية القيادة أكثر مما بُني على قوة المؤسسات.

انهار النظام في غضون أشهر قليلة، ليس فقط بفعل الضربات الجوية لحلف الناتو، ولكن أيضاً بفعل الفراغ الهائل الذي تركه غياب مؤسسات قادرة على سد الفجوة، وإدارة الانتقال واحتواء الانقسامات.
هكذا، وبسرعة مذهلة، تحولت ليبيا من دولة الجماهيرية إلى دولة الانقسام، ومن نظام مركزى إلى فوضى تنازع، ومن لاعب إقليمي مؤثر إلى ساحة لصراعات إقليمية ودولية متشابكة. ولم يكن هذا التحول مفاجئاً بقدر ما كان نتيجة طبيعية لتراكمات عقود من الإخفاق المؤسسي، وغياب الرؤية المستقبلية القابلة للاستمرار، واستنزاف الموارد البشرية والاقتصادية في مغامرات خارجية غير مدروسة.

لقد أثبتت التجربة الليبية ،بكل ما حملته من نجاحات وإخفاقات، أن الدول قد تمتلك المال، والسلاح والنفوذ، وأنها قد تؤثر في مجرى الأحداث الإقليمية والدولية، لكنها تظل معرضة للاهتزاز والتفكك إذا غابت المؤسسات التي تضمن استمرارية الدولة بمعزل عن الأشخاص، وإذا افتقدت إلى الرؤية التي تضع مصلحة المواطن فوق مغامرات القيادة. كما أثبتت أن الجغرافيا وحدها لا تصنع الدولة، وأن الثروة وحدها لا تبني المستقبل، وأن الحلم الثوري ،مهما كان نبيلاً في عناوينه، يظل مجرد سراب إذا لم يترافق مع مؤسسات راسخة، وقانون نافذ، ومشاركة حقيقية ورؤية مستقبلية تتجاوز عمر القائد إلى عمر الأمة.
وهذا هو الدرس الأعمق الذي تتركه ليبيا للعرب جميعاً: أن بناء الدولة ليس مشروعاً آنياً، ولا حلماً ثورياً ولا شعارات تملأ الفضاء، بل هو تراكم مؤسسي يمتد لأجيال، ورؤية استراتيجية تضع الإنسان في مركز التنمية، وتجعل من المؤسسة حامية للدولة، ومن القانون ضامناً للجميع ومن المستقبل أفقاً مفتوحاً لكل الأجيال القادمة.

المقالة السابقة

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6137 | جرعة توعية: حتى لا يتفاءل المواطن تفاؤلاً غير مبرر بقرب سلام السودان!! (إفادة من الذكاء الاصطناعي)

المقالة التالية

السجالات الفكرية بين الأمس واليوم.. جامعة الخرطوم في الثمانينيات: حين كانت الفكرة تصنع الرجال .. هشام محمود سليمان

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *