Popular Now

منشورات د. احمد المفتي رقم 6147 ( بدعم من الذكاء الاصطناعي ) مقترح لاخراج ازمة السودان من الجمود

من بندقية حميدتي إلى حصار الدولار: قراءة في العقوبات الأمريكية على السودان — الأبعاد والأهداف وخيارات الرد .. د. خالد حسين محمد

سلسلة .. الحرب على السودان (23) .. بين ضغوط واشنطن وتطورات الميدان.. هل يقترب السودان من السلام أم تتسع دائرة الصراع؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي وتحليل النزاعات

من بندقية حميدتي إلى حصار الدولار: قراءة في العقوبات الأمريكية على السودان — الأبعاد والأهداف وخيارات الرد .. د. خالد حسين محمد

أصدرت الولايات المتحدة عقوبات على السودان بادعاء استخدام الجيش السوداني لأسلحة كيميائية في حربه على المليشيا، وقد صدرت العقوبات في جولتين متتابعتين: الجولة الأولى كانت في مايو 2025م ونُشرت رسمياً في 27/6/2025م، أما الجولة الثانية فكانت عبارة عن عقوبات إضافية صدر القرار فيها في 23/6/2026م ونُشر بتاريخ 20/7/2026م.
شملت العقوبات الآتي:
1. إنهاء المساعدات المصرّحة للسودان، مع استثناء المساعدات الإنسانية العاجلة والمواد الغذائية والسلع والمنتجات الزراعية الأخرى.
2. إنهاء أي مبيعات أو مواد دفاعية أو خدمات دفاعية أو خدمات تصميم وبناء إلى السودان بموجب قانون ضبط وتصدير الأسلحة.
3. إنهاء أي ترخيص لتصدير مواد مدرجة في قائمة الذخائر الأمريكية.
4. إنهاء جميع أشكال التحويل العسكري الأجنبي إلى السودان.
5. حرمان السودان من أي ائتمان أو ضمانات ائتمانية من أي جهة تابعة للحكومة الأمريكية.
6. حظر تصدير أي سلع أو تقنيات مضبوطة لأسباب تتعلق بالأمن القومي الأمريكي.
7. معارضة حكومة الولايات المتحدة المساعدة في بنوك التنمية متعددة الأطراف.
8. حظر تصدير جميع السلع والتقنيات الأخرى إلى السودان.
9. تعليق تفويض شركات الطيران الأجنبية المملوكة أو الخاضعة لسيطرة حكومة السودان في الانخراط في أي نقل جوي دولي من وإلى الولايات المتحدة.

تظل هذه التدابير سارية لمدة عام.

ملاحظات عامة على القرار

يُلاحظ على القرار أنه صدر بصيغة قاطعة، إذ استُخدمت فيه عبارة (has used)، وقد صدر دون الاستناد إلى تحقيق مستقل لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وهي الجهة الفنية الدولية المخولة بتقصّي مثل هذه الادعاءات. وقد أكد مندوب السودان في مجلس الأمن سعيهم لمدة عام كامل مع الإدارة الأمريكية لتكوين لجنة تحقيق لهذا الادعاء، لكنهم لم يستجيبوا. وقد فنّد مندوب السودان هذا الادعاء وأكد أنه سلوك أمريكي معتاد؛ فقد ضُرب مصنع الشفاء بادعاء كاذب، ودُفعت تعويض بعد ذلك لصاحب المصنع بعد أن صدر حكم بذلك من القضاء الأمريكي. كما تم غزو العراق بادعاء امتلاكه أسلحة دمار شامل، وعادت وأكدت عدم صِدْق ذلك الادعاء.

ولا بد من الملاحظة أن اللجوء إلى الجولة الثانية من العقوبات جاء بعد عام كامل، مما يعكس فشل أي تفاوض بين الخرطوم وواشنطن خلال المهلة المنصوص عليها، وبالتالي تم رفع سقف الضغط بإضافة معارضة قروض البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وبنك التنمية الأفريقي، وتعليق حركة الطيران المدني.

الآثار الاقتصادية للقرار

ولإدراك قيمة هذه القرارات من ناحية واقعية، نجد أن العلاقات الاقتصادية السودانية الأمريكية شبه معدومة على أرض الواقع. فقد بلغ إجمالي التبادل التجاري السلعي بين البلدين في عام 2025م نحو 49.4 مليون دولار، من حجم الاقتصاد السوداني البالغ عشرات المليارات. بل إن الصادرات الأمريكية للسودان بين أبريل 2025م وأبريل 2026م بلغت 235 ألف دولار شهرياً، مع انعدام حركة الطيران المباشر بين البلدين، وغياب الائتمان الحكومي الأمريكي، وتعليق البنك الدولي لـ1.8 مليار دولار منذ حركة التصحيح في 25/10/2021م. السودان لا يستورد أسلحة من أمريكا ولم يتلقَّ تمويلاً عسكرياً منذ عقود.

يَبْقَى التأثير الاقتصادي في معارضة التمويل من بنوك التنمية متعددة الأطراف مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وبنك التنمية الأفريقي، الأمر الذي يؤثر على إعفاء الديون. كما يجعل القرار تحويل الدولار من وإلى السودان في غاية الصعوبة، حتى بالنسبة للمعاملات المشروعة، ولكن حتى هذه يمكن تجاوزها عند مناقشة خيارات السودان في التعامل مع هذا القرار.

التقييم القانوني للقرار

أولاً: القرار عبارة عن إجراء إلزامي لا يمكن التراجع عنه إلا باستيفاء الشروط المطلوبة للتراجع عنه، وهي تشمل: الاعتراف باستخدام الأسلحة الكيميائية وإعلان التوقف عن استخدامها، والسماح بتفتيش مستقل، وتقديم ضمانات بعدم التكرار. وهو أمر لا يمكن أن يحدث، لأنه أصلاً لم يُرتكب من قِبل الحكومة السودانية. وذلك يعني أن العلاقة مع واشنطن وصلت إلى مرحلة الإغلاق ومرحلة اللاعودة. وفيه تأكيد بأن الحكومة السودانية لم تستجب للمطلوبات الأمريكية، الأمر الذي يُبعِد الشكوك والاتهامات للحكومة السودانية بأنها تدير اتفاقات سرية.

ثانياً: القرار استند إلى تقييم استخباراتي أمريكي أحادي ولم يستند إلى تحقيق أجرته منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وهو ما يُضعِف مشروعيته الدولية.

ثالثاً: فرض عقوبات على دولة خارج مجلس الأمن ولا يستند إلى الفصل السابع يفتح باب الطعن أمام محكمة العدل الدولية.

أهداف القرار

أولاً: العقوبات تستهدف حكومة السودان وجيشها دون فرض عقوبات على الدعم السريع كما كانت تفعل سابقاً، الأمر الذي يكشف تحول الدعم العلني إلى الدعم السريع. وبذلك تريد أن تضغط على البرهان لقبول تسوية سياسية بشروط أمريكية إماراتية، أو على الأقل تليين موقفه التفاوضي، والقبول بعودة حميدتي للحكم بعد تنحي الجيش، وهيكلة الجيش بما يضمن وجود الدعم السريع حامياً للمشروع الأمريكي الإماراتي.

ثانياً: يهدف القرار إلى عزل السودان دبلوماسياً ودولياً، حيث يعطي القرار مظلة لدول أخرى كالاتحاد الأوروبي لفرض إجراءات مماثلة بها يتحقق العزل الدولي.

ثالثاً: يمنع القرار وصول الأسلحة الأمريكية للجيش السوداني عن طريق طرف ثالث.

رابعاً: القرار يُسهم في بناء ملف قانون المساءلة الجنائية لدى المحكمة الجنائية الدولية بجريمة استخدام أسلحة محرمة دولياً، وهي رسالة موجهة للبرهان بصورة مباشرة للضغط عليه بقبول الهدنة للحيلولة دون هزيمة الدعم السريع وقبول المشروع الأمريكي الإماراتي.

خيارات السودان في التعامل مع القرار الأمريكي

ومن ذلك نصل إلى أن التأثير المادي المباشر محدود جداً، وإن كان له تأثير على إعفاء الديون وتشديد العزلة المصرفية من خلال التعامل بالدولار وتحفيز عقوبات موازية من الحلفاء الغربيين وبناء ملف قانوني للمساءلة الجنائية. وعلى ذلك نناقش كيفية رد السودان على عقوبات محدودة الأثر المادي، دون أن يدخل في تصعيد يعمق العزلة أو انبطاح يمسّ كرامة وسيادة الشعب السوداني وقيادته.

الخيار الأول: الرد القانوني الدولي

وبذلك يتم تحويل المعركة إلى الأطر الدولية متعددة الأطراف بدلاً من حصر المواجهة مع أمريكا، وبذلك يتحول السودان من مُتَّهَم إلى مُتَّهِم، وذلك بالقيام بالآتي:

1. تُوجَّه دعوة رسمية لمدير منظمة حظر الأسلحة الكيميائية لإرسال بعثة تفتيش على الأراضي السودانية. هذا التحرك يُحرج واشنطن لأنه ينقل الإثبات إلى جهة فنية محايدة. كانت سوريا قد رفضت ذلك فخسرت شرعيتها، وسوف يقلب السودان المعادلة بهذه الدعوة إذا تمت الاستجابة من المنظمة.
2. أن تقوم وزارة الخارجية بجهد دؤوب مع جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي والإيقاد لإدانة العقوبات الأمريكية خارج إطار الأمم المتحدة.
3. رفع شكوى أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة وفق قرارها 161/76 الذي يدين العقوبات الاقتصادية ، مصحوباً بمذكرة قانونية تصنف الإجراء الأمريكي إكراهاً اقتصادياً.

على الرغم من تأثير المال الإماراتي والضغط الأمريكي على هذه المنظمات، إلا أن تأثير الحرب الإيرانية على الهيبة الأمريكية ربما يكون عاملاً في نجاح هذا الخيار.

الخيار الثاني: التحول الاستراتيجي شرقاً

وهذا الخيار تُمليه طبيعة القرار الأمريكي، إذ إنه يغلق أفق التطبيع مع واشنطن على المدى المتوسط، ويتمثل ذلك في الآتي:

1. تفعيل ملف قاعدة بورتسودان الروسية والإسراع في التصديق على الاتفاقية السودانية الروسية بإنشاء نقطة إمداد لوجستية للبحرية الروسية على البحر الأحمر.
2. طلب انضمام رسمي لتكتل بريكس، وذلك للاستفادة من نظام الدفع البديل الذي أقرته القمة الأخيرة بتجاوز عزلة الدولار.
3. التوسع في اتفاقيات المقايضة السلعية كالتي تمت مع الصين وروسيا وإيران والهند، مع استبدال الديون بامتيازات في قطاع الذهب والصمغ العربي والموانئ. ويمكن أن يُسيل لعاب حتى الشركات الأمريكية إذا كان العرض مقابل إعفاء الديون هو الصمغ العربي.

الخيار الثالث: مسار التصعيد المحدود

ويتمثل في الآتي:

1. اتخاذ إجراءات رمزية لإثبات السيادة دون قطع كامل للجسور، ومن ذلك استدعاء القائم بالأعمال السوداني في واشنطن للتشاور، وخفض تصنيف السفارة الأمريكية (المغلقة أصلاً) إلى مكتب اتصال فقط.
2. طرد المنظمات الأمريكية غير الحكومية كـ USAID والمنظمات الممولة أمريكياً من المناطق التي يسيطر عليها الجيش، مع الإبقاء على القنوات الإنسانية الأممية. نستبعد هذا الخيار لأن عواقبه تفوق العائد منه.

الخيار الرابع: فتح قناة تفاوضية

فتح قناة تفاوضية سرية أو غير رسمية مع واشنطن باستخدام الوسطاء السعودي والتركي والقطري، خاصة وإن في القرار إشارة لإمكانية رفع العقوبات.

يمكن أن تُستخدم الخيارات الأول والثاني والرابع بشكل متوازٍ مع استبعاد الخيار الثالث (خيار المواجهة المحدودة) لارتفاع كلفة عواقبه. وحسن توظيف هذه الخيارات يتطلب فريقاً دبلوماسياً محترفاً وقيادة سياسية موحدة.

خاتمة

يُمثل القرار شهادة براءة للفريق البرهان من أي اتهامات أو تخوين بالقبول بعودة حميدتي وبقاء الدعم السريع في المشهد السياسي السوداني.

يُمثل هذا القرار إقرار الولايات المتحدة والإمارات بفشلهما في استخدام بندقية حميدتي لإنفاذ مشروعهما في السودان، في مواجهة صمود القيادة والشعب السوداني.

بهذا القرار تريد أن تحقق ما فشلت في تحقيقه ببندقية حميدتي عن طريق الضغط الاقتصادي.

وكما أفشلت القيادة السودانية والشعب السوداني تحقيق المشروع الأمريكي باستخدام بندقية حميدتي، كذلك ستفشل العقوبات الاقتصادية.

المقالة السابقة

سلسلة .. الحرب على السودان (23) .. بين ضغوط واشنطن وتطورات الميدان.. هل يقترب السودان من السلام أم تتسع دائرة الصراع؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي وتحليل النزاعات

المقالة التالية

منشورات د. احمد المفتي رقم 6147 ( بدعم من الذكاء الاصطناعي ) مقترح لاخراج ازمة السودان من الجمود

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *