هناك أممٌ تعرف أصدقاءها…
وهناك أممٌ تعرف أعداءها…
لكن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي أمة… أن تفقد القدرة على التمييز بين من اكتشفت عداوته… ومن صُنِعت لها عداوته.
وهنا تبدأ #أصل_القضية.
في المقال السابق سألنا:
من يصنع الأبطال؟
واليوم نطرح السؤال الذي يكمل المعادلة:
من يصنع الأعداء؟
لأن الأمم لا تُدار فقط بمن تلتف حولهم… بل أيضًا بمن تُدفَع إلى الالتفاف ضدهم.
ولأن صناعة البطل لا تكتمل أحيانًا…إلا بصناعة خصم.
أولًا… من العدو الذي تكتشفه الأمم إلى العدو الذي يُصنع لها
في التاريخ…
كان العدو يظهر من خلال الوقائع.
احتلال ، عدوان ، اعتداء أو تهديد مباشر.
وكانت الشعوب تبني موقفها بعد أن ترى الحدث.
أما اليوم…
فقد أصبحت الصورة أكثر تعقيدًا
فلم يعد السؤال دائمًا:
من هو العدو؟
بل:
من الذي يعرّف لنا العدو؟
ومن الذي يحدد من يجب أن نغضب منه؟
ومن الذي يقرر من يستحق أن يُوضَع خارج دائرة الثقة؟
وهنا انتقلت المعركة من ساحات القتال إلى ساحات الوعي ، فلم تعد المعركة الكبرى تدور حول السيطرة على الأرض وحدها… بل حول السيطرة على تفسير الواقع.
ومن ينجح في تعريف العدو يمتلك في كثير من الأحيان القدرة على توجيه المجتمع كله.
ثانيًا… حين تتحول إدارة الوعي إلى إدارة للخصومات
في المجتمعات المستقرة تقوم المؤسسات بإدارة الخلاف ، وتفصل بين الاختلاف والعداوة وتحوّل النزاعات إلى قوانين.
أما حين تضعف المؤسسات فإن المجال العام يبحث عن بديل.
فتصبح المنصات هي المحكمة.
ويصبح الرأي هو الحكم ، ويصبح التصنيف أسرع من التحقق.
وهنا يبدأ إنتاج الأعداء ليس لأن الجميع أعداء بل لأن المجتمع فقد أدوات إدارة الاختلاف.
وحين تغيب المؤسسات يتحول التصنيف إلى بديل عن التفكير ويصبح الاتهام أسرع من الفهم.
ثالثًا… السودان… كيف تغيّرت لغة المجال العام؟
منذ عام ٢٠١٨م لم تتغير السياسة وحدها بل تغيرت اللغة التي نصف بها بعضنا بعضًا حيث ازدادت التصنيفات ، واتسعت دوائر الاتهام ، وأصبح الانتقال من الاختلاف إلى التخوين ، أقصر من أي وقت مضى.
ثم جاءت الحرب… فتضاعفت الظاهرة وأصبحت المنصات تنتج يوميًا قوائم جديدة:
هذا وطني…
وهذا خائن…
وهذا عميل…
وهذا بطل…
وهذا عدو.
وكأن المجتمع أصبح يعيش داخل مصنع دائم لإعادة تعريف الأشخاص وليس لإعادة تعريف القضايا.
رابعًا… اقتصاد العداوة… حين تصبح الخصومة موردًا
من منظور الجسر والمورد لم تعد العداوة مجرد موقف سياسي أو اجتماعي بل أصبحت، في بعض البيئات الرقمية، موردًا يُستثمر.
وهنا يظهر ما يمكن أن نسميه:
اقتصاد العداوة.
> واقتصاد العداوة هو:
نمط من إنتاج التأثير تتحول فيه الخصومات والانقسامات إلى مورد يولد الانتباه، ويصنع الشهرة، ويزيد التفاعل، ويمنح النفوذ، حتى تصبح الخصومة نفسها أصلًا يُستثمر أكثر من البحث عن الحلول.
فالعداوة هنا لم تعد نتيجة للصراع بل أصبحت أحيانًا وسيلة لإدامته لأن الخصومة تجذب جمهورًا.
والجمهور يجذب التفاعل.
والتفاعل يصنع النفوذ.
والنفوذ يعيد إنتاج الخصومة مرة أخرى.
وهكذا تدخل المجتمعات في دائرة مغلقة تستهلك فيها خلافاتها…بدل أن تعالجها.
خامسًا… لماذا تحتاج بعض البيئات إلى صناعة عدو دائم؟
لأن العدو يمنح الناس شعورًا باليقين حين يعجز المجتمع عن تفسير أزماته… يصبح البحث عن شخص يُحمَّل المسؤولية أسهل من البحث عن الأسباب.
فبدل أن نسأل:
لماذا ضعفت مؤسساتنا؟
نسأل:
من الذي دمّرها؟
وبدل أن نسأل:
كيف نعيد البناء؟
نسأل:
من الذي نعاقبه؟
وهكذا…
يتحول العدو إلى تفسير جاهز لكل شيء.
لكن الأوطان لا تُبنى بالتفسيرات الجاهزة بل بفهم الأسباب العميقة.
سادسًا… الخوارزميات لا تصنع الحقيقة… لكنها تضخم الصراع
كما كتبنا سابقًا في مقال سابق من #أصل_القضية لماذا نهتم بالمثير عن المهم؟ وكتبنا عن الخوارزميات التي لا تكافئ دائمًا الخطاب الأكثر عقلانية بل تكافئ الخطاب الأكثر قدرة على إثارة الانفعال.
ولهذا فإن المحتوى الذي يقسم الناس ينتشر غالبًا أسرع من المحتوى الذي يجمعهم.
والمنشور الذي يصنع خصومة قد يحصد من التفاعل أكثر مما تحققه دعوة إلى الحوار.
وهنا لا تصبح المشكلة في التقنية بل في الطريقة التي يعاد بها تشكيل الوعي من خلالها.
سابعًا… من صناعة الأبطال إلى صناعة الأعداء
في المقال السابق من #أصل_القضية قلنا إن البطولة قد تتحول إلى صناعة.
واليوم نضيف إن العداوة أيضًا قد تتحول إلى صناعة.
فالبطل يحتاج إلى جمهور.
والعدو يحتاج إلى جمهور.
وكلاهما يعيش على الانتباه.
ولهذا…كلما ازداد الضجيج اتسعت السوق التي تنتج الأبطال وتنتج الأعداء في الوقت نفسه.
إنها دورة واحدة لا يمكن فهم نصفها دون فهم نصفها الآخر.
ثامنًا… أخطر ما تخسره الدولة
ليس أن يختلف مواطنوها فالاختلاف سنة اجتماعية.
لكن الخطر يبدأ حين يتحول كل اختلاف…إلى عداوة.
وحين يصبح كل نقد…خيانة.
وكل مخالفة…استهدافًا.
عندها…لا تخسر الدولة معركة سياسية فقط بل تخسر رأس مالها الاجتماعي.
وتخسر الثقة.
وتخسر قدرة الناس على العمل معًا.
وهذه خسائر…يصعب تعويضها بعد انتهاء الحروب.
تاسعًا… استعادة حق المجتمع في تعريف نفسه
من منظور الجسر والمورد فإن أخطر الموارد التي تفقدها الدول في الأزمات… ليست الأموال ولا البنية التحتية بل القدرة على إنتاج المعنى.
أن تعرف بنفسها:
من هو البطل؟
ومن هو الخصم؟
ومن هو الشريك؟
ومن هو المختلف؟
فإذا أصبحت هذه المعايير تُنتج خارج المجتمع… فإن المجتمع يفقد جزءًا من سيادته على وعيه.
ولهذا…فإن إعادة بناء السودان لن تبدأ فقط بإعمار المدن ولا بإصلاح الاقتصاد.
بل أيضًا بإعادة بناء الثقة وهذا ما كتبناه في أصل القضية تحت عنوان : يوم عاد الناس ولم يعد الإنسان
واستعادة المؤسسات.
وإحياء ثقافة الاختلاف دون عداوة.
لأن المجتمع الذي يعجز عن إدارة اختلافاتهسيظل يبحث كل يوم…
عن عدو جديد.
لكن الأخطر من كل ذلك…فالعدو الحقيقي لا يُقاس بحجم الضجيج الذي يحيط باسمه…
بل بحجم الضرر الذي يُلحقه بمصالح الأمة.
أما حين يصبح الضجيج هو معيار العداوة فإن المجتمع قد ينشغل بمحاربة خصوم صُنِعوا له…
بينما يغفل عن التحديات التي تهدد مستقبله فعلًا.
وهنا تتحول معركة الوعي من البحث عن الحلول…إلى مطاردة الخصوم.
ويصبح ترتيب الأولويات أول ضحايا الصراع.
فلا يعود السؤال:
ما القضية التي تستحق أن ننشغل بها؟
بل يصبح:
من الشخص الذي ينبغي أن ننشغل به؟
وهنا ينتصر اقتصاد العداوة وتخسر صناعة الدولة.
#أصل_القضية…
ليست المشكلة أن يكون للأمم أعداء فذلك جزء من التاريخ.
لكن المشكلة…أن تفقد الأمة حقها في أن تحدد بنفسها:
من تعارض…
ومن تتحاور معه…
ومن تختلف معه…
ومن تعاديه.
لأن الأمم التي يُعاد تعريف أبطالها من الخارج… قد يُعاد تعريف أعدائها أيضًا.
وحين تفقد الأمة حقها في صناعة معاييرها…
تفقد شيئًا أكبر من السياسة…
تفقد بوصلتها الاستراتيجية.
فحين تتحول العداوة إلى مورد، لا يعود الهدف هزيمة الخصم، بل يصبح استمرار وجوده شرطًا لاستمرار دورة الانتباه، لأن بعض أنماط التأثير لا تعيش إلا على تجديد الخصومة، لا على إنهائها.
بالتالي فإن الأمة التي تنشغل بالعدو الذي صُنِع لها…قد تغفل عن الخطر الذي يتشكل أمامها.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن نطرحه…
كيف تتحول الشخصيات إلى رموز؟


