في تقديري، لا يمكن النظر إلى التطورات العسكرية الأخيرة التي شهدتها ولاية شمال باعتبارها مجرد تقدم ميداني للقوات المسلحة والقوات المساندة، أو مجرد تراجع في مواقع مليشيا الدعم السريع، لأن مثل هذه القراءة، رغم أهميتها، تظل أسيرة الحسابات العسكرية التقليدية التي تقيس نتائج الحروب بعدد المدن المحررة أو المساحات المستعادة. وانما أرى أن القيمة الاستراتيجية الحقيقية لانتصارات القوات المسلحة والقوات المساندة تكمن في أنها تعكس تحولاً أعمق في بنية الحرب نفسها، وتدفعنا إلى إعادة تقييم مفهوم مركز الثقل الاستراتيجي الذي يمثل، وفق الأدبيات العسكرية، المصدر الرئيس للقوة والقدرة على الاستمرار في القتال.
وبناءً على ذلك، أعتقد أن تحرير مدن بارا، وجبرة الشيخ، وأم سيالة، وأم قرفة، ومنطقة جريجخ، وما رافقها من هزائم متتالية تعرضت لها مليشيا الدعم السريع في عدد من المحاور، تمثل مؤشراً استراتيجياً يستحق التوقف عنده، لأنها لا تعبر فقط عن نجاح عملياتي، وإنما تؤكد بأن ميزان الحرب يشهد تحولاً في مراكز القوة، وأن المعركة انتقلت من مرحلة الدفاع عن الدولة إلى مرحلة استنزاف مصادر قوة المليشيا وتقويض قدرتها على إعادة إنتاج نفسها .
وأرى أن فهم هذه التحولات لا يكتمل إلا بالعودة إلى مفهوم مركز الثقل الاستراتيجي الذي صاغه المنظر العسكري البروسي كارل فون كلاوزفيتز، عندما وصفه بأنه مصدر القوة الذي تعتمد عليه بقية عناصر القوة والحركة. غير أنني أعتقد أن الحروب غير المتماثلة التي يشهدها العالم اليوم، ومن بينها الحرب السودانية، تفرض قراءة أكثر مرونة لهذا المفهوم، بحيث لا يُختزل في العاصمة أو الجيش أو الرقعة الجغرافية، وإنما يُنظر إليه بوصفه منظومة متكاملة تضم القيادة، والإمداد، والإرادة السياسية، والشرعية، والقدرة على المناورة، والحاضنة المجتمعية.
ومن هذا المنطلق، فان الدولة السودانية خاضت خلال الأشهر الأولى من الحرب معركة الدفاع عن مركز ثقلها، الذي تعرض لاختبار غير مسبوق مع اندلاع القتال في الخرطوم. غير أن نجاح القوات المسلحة في استعادة العاصمة وإعادة مؤسسات الدولة إلى ممارسة وظائفها، ثم انتقال العمليات إلى مسارح كردفان ودارفور، يعكس – في تقديري – انتقال الدولة من مرحلة الدفاع إلى مرحلة المبادأة الاستراتيجية، وهي مرحلة تختلف طبيعتها وأهدافها عن المراحل السابقة.
لكن، في المقابل، أعتقد أن السؤال الأكثر أهمية اليوم لم يعد متعلقاً بمركز ثقل الدولة وحده، وإنما بمصير مركز ثقل مليشيا الدعم السريع، وهل ما تزال هذه المليشيا تحتفظ بالعناصر التي تمكنها من مواصلة الحرب بالكفاءة نفسها التي ظهرت بها في بدايات الصراع؟
في تقديري، لم يكن مركز ثقل المليشيا يتمثل في سيطرتها على الخرطوم أو على أي مدينة بعينها، بل كان قائماً على منظومة مترابطة ضمت خطوط الإمداد الخارجية، والقدرة على الحركة السريعة، والانتشار في مساحات واسعة، وشبكات الولاء المحلية، والقدرة على فرض المبادأة العسكرية والدعم والسند والامداد بالسلاح والمرتزقة من الامارات العربيه. وقد مكنها هذا الترابط، خلال المرحلة الأولى من الحرب، من تحقيق انتشار واسع، وإرباك مؤسسات الدولة، وفرض إيقاعها العملياتي على عدد من الجبهات.
غير أنني أرى أن التطورات الأخيرة بدأت تضغط على هذه المنظومة بصورة غير مسبوقة. فاستعادة بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة وأم قرفة ومنطقة جريجخ لا تعني، في تقديري، استرداد مواقع جغرافية فحسب، وإنما تعني أيضاً تقليص المجال العملياتي الذي كانت تعتمد عليه المليشيا في الربط بين محاور كردفان وامتداداتها نحو دارفور، وهو ما يحد من قدرتها على المناورة، ويجعل تحركاتها أكثر انكشافاً، ويزيد من كلفة المحافظة على خطوط الإمداد.
وأعتقد أن أهم ما أفرزته هذه العمليات يتمثل في انتقال الضغط من الأطراف إلى قلب المنظومة العملياتية للمليشيا. فالحروب لا تُحسم فقط بتدمير القوة المقاتلة، وإنما بحرمانها من القدرة على تعويض خسائرها، وإعادة تنظيم صفوفها، والمحافظة على تماسكها القيادي واللوجستي. وبناءً على ذلك، فإن استمرار الضغط على هذه المحاور سيؤدي إلى تآكل تدريجي في قدرة المليشيا على إنتاج الفعل العسكري، حتى وإن بقيت تمتلك وحدات قادرة على القتال في بعض المناطق.
ولعل ما يلفت الانتباه، في تقديري، هو أن المليشيا انتقلت من مرحلة فرض المبادأة إلى مرحلة الاستجابة للمباداة التي تفرضها القوات المسلحة. وهذه ليست مجرد ملاحظة تكتيكية، وإنما مؤشر استراتيجي مهم، لأن الطرف الذي يفقد حرية اختيار زمان ومكان المعركة يجد نفسه مضطراً إلى استنزاف موارده للدفاع عن مواقع متعددة في وقت واحد، وهو ما ينعكس مباشرة على كفاءة القيادة والسيطرة، وعلى الحالة المعنوية لقواته.


