Popular Now

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. السودان.. الحقيقة اليتيمة .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

منشورات د. احمد المفتي رقم 6182 ( الصياغة والمراجعة بمساعدة الذكاء الاصطناعي وتعليقاته في نهاية هذا المنشور ) .. برافو : الحكومة تسعي لبناء قدرات الاحزاب السودانية

سلسلة الحرب على السودان (41) من صراع الميدان إلى صراع الشرعية: التحالفات السياسية ومستقبل المرحلة الانتقالية في السودان .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. السودان.. الحقيقة اليتيمة .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

> هناك أشياء لا تحتاج إلى أن تُقتل حتى تموت… يكفي أحيانًا أن تُحاصر والحقيقة واحدةٌ منها.

فالحقيقة لا تموت فقط عندما تُزوَّر، بل تموت أيضًا عندما تتكاثر حولها الروايات، وتتضارب الشهادات، وتُستبدل الوقائع بالمواقف، ويصبح السؤال عن ماذا حدث؟ أقل أهمية من السؤال عن من قاله؟.
وهنا تبدأ #أصل_القضية

في السودان، لم تعد الحقيقة غائبة تمامًا؛ لكنها أصبحت يتيمة ليس لأنها بلا أهل، وإنما لأن كل طرف يريد أن يكون وليًّا عليها.
وكل طرف يملك روايته، ومنصته، وجمهوره، وذاكرته، وأحيانًا قدرته على إنتاج ما يشبه الحقيقة.

لكن الحقيقة لا تُصبح حقيقةً لأن أحدًا امتلك ميكروفونًا أعلى صوتًا ولا لأن روايةً تكررت آلاف المرات ولا لأن ملايين الناس صدقوها.

> الحقيقة تحتاج إلى شيء أكثر قسوة من التصديق تحتاج إلى التحقق.

*حين يصبح الواقع أقل قوة من الرواية*

في المجتمعات المستقرة، يفترض أن تكون هناك مؤسسات تساعد الإنسان على التمييز بين ما حدث وما قيل إنه حدث.
●صحافة مهنية.
●مؤسسات بحثية.
●قضاء.
●أجهزة إحصاء.
●أرشفة.
● جامعات.
●مراكز استطلاع للرأي العام.
●وثائق يمكن الرجوع إليها.
●وشهود يمكن مساءلتهم.

لكن في زمن الحرب، تبدأ هذه الجسور في الانهيار. وذلك نتيجة الشك الذي بات يضرب كل شيء، وعندما تنهار الجسور التي تصل المواطن بالواقعة، يصبح الطريق مفتوحًا أمام الرواية.
وهنا تحدث المفارقة الأخطر إذ قد تصبح الرواية أسرع من الحقيقة، وأكثر انتشارًا منها، وأحيانًا أكثر قدرة على تشكيل الوعي.

فالواقعة تحتاج إلى وقت كي تُوثق أما الشائعة فلا تحتاج إلا إلى هاتف.

والحقيقة تحتاج إلى شاهد أما الرواية فتحتاج إلى جمهور.

والحقيقة تحتاج إلى دليل أما التضليل فيحتاج إلى قصة جيدة.

وهكذا، لا يعود الصراع فقط على الأرض بل يصير صراعًا على معنى الأرض نفسها.

●من دخل؟
●من خرج؟
●من بدأ؟
●من انتصر؟
●من خسر؟
●من قُتل؟
●من قتل؟
●من نزح؟
●من هُجّر؟
●ومن قال الحقيقة؟
أسئلة تبدو بسيطة… لكنها في مجتمع يعيش إدارة للصراع يمكن أن تتحول كل واحدة منها إلى معارك قائمة بذاتها.

*المشكلة ليست في كثرة المعلومات*

نحن نعيش عصرًا لم يعد فيه الإنسان يعاني من نقص المعلومات بل من فائضها وهذه نقطة شديدة الخطورة لأن كثرة المعلومات لا تعني زيادة المعرفة
بل قد يحدث العكس تمامًا.
حين تتدفق آلاف الروايات يوميًا، دون آليات فعالة للفرز والتحقق، يصبح العقل أمام بحر من المعلومات لا يستطيع تمييز الماء فيه من السراب.
وهنا تنتقل المعركة من السيطرة على المعلومة إلى السيطرة على الانتباه.
من يستطيع أن يجعل الناس يرون روايته أولًا؟
ومن يستطيع أن يجعلها تتكرر أكثر؟
ومن يستطيع أن يحوّلها من خبر إلى موقف؟
ومن موقف إلى قناعة؟
ومن قناعة إلى هوية؟
وهكذا لا يعود الإعلام مجرد ناقل للأحداث بل يصبح جزءًا من هندسة الواقع الاجتماعي.

*السودان لا يعاني من أزمة رواية واحدة*

المشكلة الأعمق أن السودان لا يعيش أزمة «معلومة كاذبة» فقط بل يعيش أزمة مرجعية أزمة غياب المرجعية

أي:
من أين نعرف؟
ومن نصدق؟
ومن يملك حق التوثيق؟
ومن يراجع الأرقام؟
ومن يثبت الوقائع؟
ومن يحفظ الذاكرة؟
ومن يستطيع بعد عشر سنوات أن يقول:
«هذا ما حدث»…
ثم يقدم الوثيقة؟
هذه الأسئلة تبدو الآن مؤجلة.
لكنها ليست كذلك.
لأن كل يوم يمر دون توثيق مهني ومنهجي يضيف طبقة جديدة من الضباب إلى الذاكرة السودانية.
وقد يأتي يوم يصبح فيه الخلاف ليس حول تفسير الحرب فقط…
بل حول وقائع الحرب نفسها.
وهنا تصبح الكارثة أكبر من الحرب.

*عندما يصبح الانتماء معيارًا للحقيقة*

ربما أخطر التحولات التي أحدثتها الحرب أنها دفعت كثيرًا من الناس إلى النظر إلى الحقيقة من خلال موقعهم في الصراع فإذا جاءت المعلومة من «جهتنا» فهي صحيحة حتى يثبت العكس.
وإذا جاءت من «جهتهم» فهي كاذبة حتى لو جاءت معها الوثيقة وهكذا تتحول الحقيقة من قيمة مستقلة إلى تابع للهوية وهذه لحظة خطيرة في حياة أي مجتمع.
لأن المجتمع الذي لا يستطيع أفراده الاتفاق على الوقائع الأساسية، لن يستطيعوا الاتفاق على تفسيرها.
وإذا اختلفوا في تفسير الماضي…
فسيختلفون حتمًا في بناء المستقبل.
لذلك فإن استعادة السودان ليست مجرد استعادة للمدن والمؤسسات.
إنها أيضًا استعادة للمعيار الذي يجعل السودانيين قادرين على الاتفاق على ما حدث.

*الحقيقة موردٌ عام*

وهنا نصل إلى قلب رؤية الجسر والمورد.
نحن اعتدنا أن نتحدث عن الموارد باعتبارها ذهبًا ونفطًا ومياهًا وأراضي ومعادن لكن هناك موردًا لا يقل أهمية عن كل ذلك: المعلومة.
والحقيقة هي أعلى أشكال قيمة هذا المورد.
فالدولة التي لا تعرف حجم مواردها لا تستطيع إدارتها.
والدولة التي لا تعرف حجم خسائرها لا تستطيع إعادة إعمارها.
والدولة التي لا تعرف أين يوجد الفقر لا تستطيع محاربته.
والدولة التي لا تعرف عدد النازحين لا تستطيع التخطيط لعودتهم.
والدولة التي لا تعرف ماذا حدث في الحرب لا تستطيع بناء عدالة انتقالية حقيقية.
لذلك فإن الحقيقة ليست ترفًا معرفيًا إنها بنية تحتية للدولة مثل الطرق والموانئ والكهرباء والمياه بل ربما أخطر.
لأن الطريق المهدوم يمكن إعادة بنائه أما إذا تهدمت القدرة على التمييز بين الحقيقة والزيف، فإن إعادة بناء الدولة نفسها تصبح أكثر صعوبة.

*من يحتاج إلى «ملجأ للحقيقة»؟*

ربما يحتاج السودان، بعد كل هذا النزيف، إلى التفكير في إنشاء منظومة وطنية مستقلة لحفظ الحقيقة العامة:

● توثيق.
● أرشفة.
● تحقق.
● بيانات.
● شهادات.
● خرائط.
● صور.
● سجلات.
● إحصاءات.
● وثائق.
● وذاكرة شفوية.

لا لتبرئة طرف…
ولا لإدانة طرف…
ولا لصناعة رواية سياسية جديدة.
بل لحماية حق الأجيال القادمة في معرفة ما حدث.

فالعدالة التي لا تستند إلى حقيقة تتحول إلى انتقام.
والسلام الذي لا يستند إلى حقيقة يتحول إلى هدنة.
والمصالحة التي لا تستند إلى حقيقة تتحول إلى نسيان قسري.

أما الدولة التي تبني سياساتها على معلومات مشوشة، فإنها قد تعيد إنتاج الأزمة وهي تظن أنها تعالجها.

*الحقيقة لا تحتاج إلى منتصر*

الحقيقة لا تحتاج إلى جيش يحرسها.

ولا إلى حزب يتبناها.

ولا إلى قبيلة تنصرها.

ولا إلى جماعة تهتف لها.

الحقيقة تحتاج إلى مؤسسة تحمي حقها في الظهور.

وهذا هو الفرق بين المجتمع الذي يمتلك ذاكرة، والمجتمع الذي تبتلعه الروايات.

فالحرب مؤكد ستنتهي يومًا.
لكن السؤال الذي سيبقى:
ماذا سنفعل بكل ما قيل؟
وبكل ما صُوّر؟
وبكل ما كُتب؟
وبكل ما حُذف؟
وبكل ما أُخفي؟
وبكل ما صدقه الناس ثم اكتشفوا أنه لم يكن حقيقة؟

> الأوطان تصبح أكثر هشاشة عندما يفقد مواطنوها القدرة على الاتفاق على الوقائع الأساسية وحينها تصبح الحقيقة… يتيمة في ملجأ بلا سقف، لكن أخطر ما في اليتيم ليس أنه بلا أبٍ فقط… بل أن الجميع يستطيع أن يدّعي أنه أبوه.

وهنا بالضبط #أصل_القضية

المقالة السابقة

منشورات د. احمد المفتي رقم 6182 ( الصياغة والمراجعة بمساعدة الذكاء الاصطناعي وتعليقاته في نهاية هذا المنشور ) .. برافو : الحكومة تسعي لبناء قدرات الاحزاب السودانية

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *