تشهد الحرب في السودان تطوراً ميدانياً لافتاً مع انتقال جزء من ثقل العمليات إلى ولاية النيل الأزرق، ولا سيما مدينة قيسان والمناطق الحدودية مع إثيوبيا، بالتزامن مع استمرار العمليات العسكرية في كردفان ودارفور. ويكتسب هذا التطور أهمية استثنائية لأن الجبهة الشرقية والجنوبية الشرقية للسودان ترتبط بصورة مباشرة بأمن الحدود الإثيوبية، وبملفات الفشقة وسد النهضة وحركة اللاجئين والتجارة والطاقة.
وخلال الساعات الأخيرة، تحدثت تقارير إعلامية عن دخول قوات الدعم السريع إلى أجزاء من مدينة قيسان واندلاع معارك حول الحامية العسكرية، فيما أفادت تقارير أخرى بتعرض مواقع وآليات للقصف الجوي. كما ظهرت تقارير عن إحراق ونهب ممتلكات المواطنين في بعض المناطق، وهي معلومات تحتاج، شأنها شأن كثير من أخبار الحرب، إلى تحقق مستقل قبل اعتمادها كوقائع نهائية.
قيسان.. أكثر من معركة عسكرية
لا يمكن النظر إلى معركة قيسان باعتبارها مواجهة محلية معزولة؛ فالموقع الجغرافي للمدينة يجعلها جزءاً من منظومة أمنية أوسع تمتد من النيل الأزرق إلى الحدود الإثيوبية.
وتاريخياً، كانت المناطق الحدودية بين السودان وإثيوبيا مسرحاً لتداخلات أمنية وقبلية وسياسية معقدة، كما أن اندلاع القتال فيها في الوقت الراهن يفتح الباب أمام احتمال توسع الحرب إلى جبهة جديدة، وهو ما سيكون له تأثير مباشر على الأمن القومي السوداني والإثيوبي معاً.
والأخطر أن قيسان تقع في منطقة قريبة من أحد أهم المشاريع الاستراتيجية في إثيوبيا، وهو سد النهضة الإثيوبي، الأمر الذي يجعل أي تصعيد عسكري واسع في النيل الأزرق ذا حساسية تتجاوز السودان إلى الحسابات الإثيوبية والمصرية والإقليمية.
لماذا الآن؟
السؤال الاستراتيجي الأهم هو: لماذا تتجه قوات الدعم السريع إلى قيسان والنيل الأزرق في هذا التوقيت؟
يمكن طرح عدة فرضيات:
أولاً: فتح جبهة جديدة لتخفيف الضغط العسكري.
بعد التطورات العسكرية المتسارعة في كردفان وتراجع قوات الدعم السريع في عدد من المواقع، قد يمثل فتح جبهة في النيل الأزرق محاولة لإجبار الجيش السوداني على إعادة توزيع قواته وموارده بين أكثر من محور.
ثانياً: محاولة السيطرة على طرق الإمداد.
النيل الأزرق منطقة ذات أهمية لوجستية، والسيطرة على بعض طرقها يمكن أن تمنح أي طرف قدرة أكبر على الحركة والمناورة وقطع طرق الخصم.
ثالثاً: العامل الإثيوبي.
أي توسع للقتال بالقرب من الحدود الإثيوبية يضع أديس أبابا أمام معادلة أمنية شديدة التعقيد؛ إذ لا تستطيع إثيوبيا تجاهل ما يحدث على حدودها، وفي الوقت نفسه فإن أي تدخل مباشر أو غير مباشر قد يؤدي إلى تدويل إضافي للحرب السودانية.
رابعاً: محاولة نقل مركز الثقل بعيداً عن كردفان.
إذا كانت جبهات كردفان تشهد ضغوطاً متزايدة على قوات الدعم السريع، فإن توسيع نطاق العمليات شرقاً يمكن أن يكون محاولة لإعادة توزيع الضغط العسكري وإرباك القيادة السودانية.
هل لقيسان علاقة بإثيوبيا؟
ينبغي التعامل بحذر مع الادعاءات التي تربط بصورة مباشرة بين الهجوم على قيسان وأوامر أو دعم إثيوبي. فوجود المعارك بالقرب من الحدود لا يعني بالضرورة وجود قرار رسمي من الحكومة الإثيوبية بالمشاركة في الحرب.
لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل العامل الجغرافي والسياسي.
فالسودان وإثيوبيا يرتبطان بحدود طويلة، وملفات الفشقة، والنيل الأزرق، وسد النهضة، وحركة السكان واللاجئين، كلها ملفات قادرة على تحويل أي حادث حدودي إلى أزمة استراتيجية.
كما أن إثيوبيا نفسها تواجه تحديات داخلية وأمنية في مناطق مختلفة، ومن بينها التوترات المرتبطة بإقليم تيغراي، الأمر الذي يجعلها شديدة الحساسية تجاه أي نشاط عسكري بالقرب من حدودها.
ومن هنا فإن القراءة الأكثر واقعية هي أن التطورات في قيسان يجب أن تُفصل عن الاتهامات غير المثبتة، ولكن في الوقت نفسه يجب مراقبة انعكاساتها على العلاقات السودانية الإثيوبية بدقة شديدة.
الكرمك.. الحلقة الأخطر
إذا توسعت العمليات من قيسان باتجاه مناطق أخرى في النيل الأزرق، فإن الكرمك قد تتحول إلى إحدى أهم النقاط الاستراتيجية في المرحلة المقبلة.
فالكرمك ليست مجرد مدينة حدودية، وإنما منطقة ذات تاريخ عسكري وسياسي طويل، وترتبط بحركة السكان والتجارة والطرق العابرة للحدود.
ولهذا فإن انتقال الحرب إلى هذه المنطقة يمكن أن يخلق ثلاثة مخاطر رئيسية:
توسيع رقعة الحرب جغرافياً.
زيادة حركة النزوح واللجوء عبر الحدود.
إدخال العامل الإثيوبي بصورة أكبر في الحسابات العسكرية والسياسية للحرب.
وإذا أصبحت الحدود الشرقية والجنوبية الشرقية مسرحاً مستمراً للعمليات، فإن الحرب السودانية ستتحول بصورة أكبر من صراع داخلي إلى أزمة أمن إقليمي.
سد النهضة.. العامل الاستراتيجي الصامت
من أهم عناصر التعقيد في هذه التطورات قرب مسرح العمليات من منطقة سد النهضة.
ولا يعني ذلك أن المعارك الحالية تستهدف السد بصورة مباشرة، ولا توجد في المعطيات المطروحة أدلة كافية لإثبات ذلك، لكن الجغرافيا وحدها تفرض على جميع الأطراف التعامل بحذر شديد.
فأي اضطراب أمني واسع في النيل الأزرق يمكن أن يؤثر في حركة السكان والحدود والأمن المائي والتعاون السوداني الإثيوبي.
كما أن مصر تراقب أي تطور عسكري بالقرب من السد، نظراً لارتباط قضية السد بالأمن المائي المصري.
وبذلك يصبح النيل الأزرق نقطة تقاطع بين ثلاثة مستويات:
الأمن السوداني – الأمن الإثيوبي – الأمن المائي المصري.
وهذا ما يجعل استمرار الحرب في هذه المنطقة أكثر خطورة من مجرد معركة للسيطرة على مدينة أو حامية عسكرية.
الطيران الحربي وتغير طبيعة المعركة
التقارير التي تحدثت عن تنفيذ غارات جوية على قيسان واستهداف آليات ثقيلة تشير – إذا تأكدت ميدانياً – إلى أن الجيش السوداني يحاول استخدام التفوق الجوي لمنع قوات الدعم السريع من تثبيت وجودها في المناطق الحدودية.
وهذه النقطة مهمة؛ لأن طبيعة الحرب في السودان خلال المرحلة الأخيرة تبدو متجهة بصورة متزايدة نحو استهداف خطوط الإمداد والتحرك قبل الاشتباك المباشر.
فالسيطرة على الأرض لا تكفي إذا كان الطرف المسيطر غير قادر على تأمين الإمدادات والوقود والذخيرة.
ولهذا فإن المعركة المقبلة قد لا تكون فقط معركة مدن، وإنما معركة طرق وإمداد واستنزاف.
ضغوط متزامنة على الدعم السريع
تأتي تطورات النيل الأزرق في وقت تتحدث فيه التقارير عن انسحابات وتراجعات لقوات الدعم السريع في بعض مناطق كردفان، إلى جانب الحديث عن استسلامات وانتقال بعض العناصر إلى مناطق أكثر أمناً.
وفي الوقت ذاته، ظهرت تقارير عن ارتفاع حركة الطيران في مطار نيالا واحتمالات وصول تعزيزات، وهي معلومات تحتاج إلى التحقق المستقل.
وإذا صحت بعض هذه المؤشرات مجتمعة، فإنها قد تعكس محاولة من قوات الدعم السريع إعادة بناء خطوطها الدفاعية والإمدادية بدلاً من الاعتماد على الانتشار الواسع.
وهنا تبرز أهمية السؤال: هل تستطيع قوات الدعم السريع إدارة حرب متعددة الجبهات في وقت واحد؟
الرسالة السياسية للمعركة
لا تقتصر أهمية قيسان على الجانب العسكري.
فكلما اتسعت رقعة الحرب، أصبح من الصعب على الوسطاء الدوليين فرض مسار سياسي منفصل عن الواقع العسكري.
ومن هنا تأتي أهمية التحركات السياسية المتزامنة، ومنها الضغوط المصرية والسعودية المتعلقة بمسارات الإمداد عبر ليبيا، والتحركات السعودية في السودان، إلى جانب الاتصالات الدولية الرامية إلى فتح مسارات للحوار.
إن الحرب أصبحت الآن مرتبطة بثلاثة مسارات متوازية:
الميدان العسكري، ومسارات الإمداد الإقليمية، والمسار السياسي الدولي.
ومن ينجح في التأثير في هذه المسارات الثلاثة ستكون لديه قدرة أكبر على تشكيل المرحلة المقبلة.
هل تتحول إثيوبيا إلى طرف مباشر؟
حتى الآن ينبغي تجنب الجزم بأن إثيوبيا أصبحت طرفاً مباشراً في الحرب السودانية.
لكن المخاطر تزداد إذا استمرت العمليات العسكرية بالقرب من الحدود.
فقد يؤدي استمرار القتال إلى:
زيادة تدفق اللاجئين إلى إثيوبيا.
تصاعد الاتهامات المتبادلة بين الخرطوم وأديس أبابا.
زيادة التوتر في المناطق الحدودية.
تعطيل النشاط الزراعي والتجاري.
إعادة فتح ملف الفشقة بصورة أكثر حدة.
إدخال سد النهضة في الحسابات الأمنية للحرب.
وهنا تكمن المفارقة: كلما توسعت الحرب السودانية نحو الشرق، أصبحت إثيوبيا مضطرة إلى التعامل معها، وكلما زاد تدخل إثيوبيا – بصورة مباشرة أو غير مباشرة – زادت حساسية السودان تجاهها.
السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول: احتواء المعركة.
يبقى القتال في قيسان محدوداً، ويتمكن الجيش السوداني من منع تمدد قوات الدعم السريع، ولا تتحول الجبهة إلى حرب واسعة.
السيناريو الثاني: اتساع الجبهة الشرقية.
تنتقل العمليات إلى مناطق أخرى في النيل الأزرق، وتصبح الحدود الإثيوبية السودانية جبهة رئيسية في الحرب.
السيناريو الثالث: تدويل الجبهة.
تدخل أطراف إقليمية بصورة أكبر تحت مبررات حماية الحدود أو الأمن الإنساني أو مكافحة تهريب السلاح، مما يزيد تعقيد الحرب.
السيناريو الرابع: ربط الجبهات.
تحاول قوات الدعم السريع الربط بين عملياتها في دارفور وكردفان والنيل الأزرق بهدف تشتيت الجيش السوداني ومنعه من تركيز قواته في جبهة واحدة.
القراءة الاستراتيجية
المعركة في قيسان تكشف أن الحرب السودانية لم تعد محصورة في الخرطوم ودارفور وكردفان، وإنما بدأت تقترب من المثلث الأكثر حساسية في السودان: الحدود الإثيوبية، والنيل الأزرق، ومنطقة سد النهضة.
ولهذا فإن التعامل مع الأحداث باعتبارها مجرد معركة محلية سيكون خطأً استراتيجياً.
فالخطر الحقيقي لا يكمن فقط في السيطرة على قيسان، وإنما في احتمال تحول النيل الأزرق إلى مسرح صراع إقليمي جديد.
وفي المقابل، فإن إثيوبيا مطالبة بإدراك أن أي تدخل في السودان، مهما كان محدوداً، قد تكون له ارتدادات مباشرة على أمنها القومي، وعلى علاقاتها مع مصر والسودان، وعلى مستقبل ملف سد النهضة.
الخلاصة
إن تطورات قيسان والكرمك تمثل واحدة من أخطر إشارات انتقال الحرب السودانية إلى مرحلة جديدة من تعدد الجبهات.
فبعد دارفور وكردفان، يظهر النيل الأزرق كجبهة تحمل أبعاداً عسكرية وسياسية وإقليمية ومائية في آن واحد.
وإذا استطاع الجيش السوداني احتواء الهجوم ومنع تحول المنطقة إلى قاعدة عمليات مستدامة، فإن ذلك سيحد من قدرة قوات الدعم السريع على تشتيت القوات المسلحة وفتح ممرات جديدة.
أما إذا اتسعت المعارك باتجاه الكرمك والحدود الإثيوبية، فإن السودان قد يدخل مرحلة أكثر تعقيداً، يصبح فيها أمن الحدود والنيل وسد النهضة جزءاً من معادلة الحرب.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للسودان هو أن تتحول حربه الداخلية إلى حرب إقليمية بالوكالة. ولذلك فإن حماية الحدود، ومنع التدخلات الخارجية، وتأمين المدنيين، وفتح مسار سياسي سوداني حقيقي، يجب أن تكون جميعها أهدافاً متوازية لا بدائل متنافسة.
د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب
الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات
البريد الإلكتروني: bshair057@gmail.com
سلسلة الحرب على السودان (42) قيسان والكرمك وشرق السودان: هل تعود الجبهة الإثيوبية إلى واجهة الحرب؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات
المقالة السابقة


