كلما تقدّم الجيش على الأرض واقترب من هزيمة الدعم السريع، سارعت الولايات المتحدة إلى استخدام الضغط على الحكومة لكي تقبل بالجلوس إلى طاولة التفاوض؛ لأن ذلك هو ما يُبقي الدعم السريع في المسرح السياسي السوداني. ولأن الولايات المتحدة استخدمت معظم أدوات الضغط، فلم يبقَ لها غير استخدام الكونجرس ومجلس الشيوخ، ويظهر ذلك في الجلسة السرية التي عقدها مجلس النواب، ثم تبع ذلك تقديم مشروع السلام في السودان.
الجلسة السرية للكونجرس
في يوم الأربعاء 5 أغسطس الجاري، انعقدت جلسة سرية للكونجرس الأمريكي عن السودان بعنوان «تحديث بشأن الحرب في السودان». وعلى الرغم من عدم صدور تسريبات، فإن الجلسة كانت تبحث عن خيارات واشنطن في ظل المتغيرات على أرض الواقع، وربما يمهّد الكونجرس لقرارات أو ضغوط سياسية لاحقة.
زادت الجلسة السرية من وزن خيارين داخل المؤسسة الأمريكية، هما: الضغط القانوني على الأطراف المتحاربة، وتقييد هامش المناورة التنفيذي في ملف السودان. ويعني هذا رغبة الكونجرس في الانتقال من سياسة القلق الدبلوماسي إلى حزمة إجراءات ملزمة. وربما يصاحب ذلك:
1- توسيع العقوبات المحتملة على قادة الجيش، خاصة وأن الدعم السريع قد استجاب لكل المطلوبات الأمريكية.
2- الدفع نحو تصنيف بعض الفاعلين كمنظمات إرهابية، وبالتأكيد ليس من بينهم الدعم السريع.
3- تعزيز دور المبعوث الخاص بالسودان.
4- تشديد شروط المساعدات والتعاملات غير الإنسانية.
وتمثل الجلسة مزيدًا من التشدد التشريعي، ومزيدًا من الضغط على الإدارة الأمريكية لتبني موقف واضح وقاسٍ.
نقاط القوة والضعف في التوجه الأمريكي
يحمل هذا التوجه نقاط قوة واضحة، لكن له أيضًا حدودًا عملية مهمة؛ وباختصار: هو قوي كأداة ضغط ومساءلة، وضعيف كحلٍّ حاسم ينهي الحرب. وتتمثل نقاط القوة في هذا التوجه في الآتي:
1- ينقل ملف السودان من ردود الفعل المتفرقة إلى إطار قانوني مؤسسي أكثر ثباتًا.
2- يوسّع أدوات الضغط عبر العقوبات.
3- يحاول ربط السياسة الأمريكية بالمسار الإنساني والدبلوماسي.
4- يمنح الكونجرس قدرة أفضل على الرقابة المستمرة.
أما نقاط ضعفه فهي:
1- فعاليته تعتمد على التنفيذ الفعلي من الإدارة الأمريكية.
2- الأدوات المقترحة لا تمنع تلقائيًا تدفق السلاح والتمويل.
3- نجاح السياسة الأمريكية يتطلب تعاونًا دوليًا، ولذلك ستبقى آثاره محدودة.
الموقف الأمريكي والفاعلون الدوليون
لا بد من ملاحظة أن الموقف الأمريكي داعمٌ للدعم السريع، وقد ظهر ذلك بوضوح عندما تم اتهام الجيش السوداني باستخدام أسلحة كيميائية؛ لذلك فإن العقوبات الأمريكية سوف تستهدف قادة الجيش وداعميه من البراؤون والحركات المسلحة، ولن تصنّف الدعم السريع كمنظمة إرهابية؛ لأنها بذلك تُبطل أمضى سلاح تستخدمه، ولن تسمح لها الإمارات بذلك، كما أنها لن تستطيع أن تدين الإمارات التي تمتلك 1,4 تريليون دولار كاستثمارات داخل الولايات المتحدة.
ومن أبرز الفاعلين القادرين على موازنة أثر العقوبات على السودان: روسيا، التي تستطيع أن تورّد السلاح للسودان، كما أنها تستطيع أن تجعل هذه العقوبات تصدر من طرف واحد ضد السودان؛ لأن روسيا لن تسمح بفرض عقوبات عليه عبر مجلس الأمن بموجب الفصل السابع.
وتمثل السعودية وتركيا ومصر الداعم الأساسي للحكومة وجيشها عسكريًا ولوجستيًا وسياسيًا، وربما ترحب السعودية وتركيا بالذهاب إلى أبعد من ذلك عبر التأثير على أمريكا لجعل هذه العقوبات حبرًا على ورق.
ومن العوامل المهمة في تحديد أثر هذه العقوبات: الانقسام حولها في الكونجرس؛ فهذا الانقسام يجعل العقوبات أبطأ وأقل شمولًا، وقد تُستبعد منها بنود، كما أن الانقسام يتيح للإدارة الأمريكية مساحة أوسع لاستخدام الاستثناءات أو تأخير التطبيق الكامل. كما سينتج عن هذا الانقسام، نتيجةً لمحاولة التقارب بين الطرفين، تشريعاتٌ متوسطة تجمع بين التشدد والمرونة، فتقلّ فاعلية الردع.
ولذلك ليس العنصر الحاسم هو العقوبات وحدها، بل مدى قدرة واشنطن على التنسيق مع القوى الدولية والفاعلين المنخرطين في الحرب السودانية.
وسوف يمتد تأثير الانقسام الدولي بين القوى الكبرى إلى البعثات الأممية، حيث يفرغها جزئيًا من الفاعلية ويجعلها أكثر اعتمادًا على الاتفاقات المؤقتة. وكلما اتسعت الفجوة بين أعضاء مجلس الأمن، أصبحت البعثات تعمل كمدير أزمة، لا كجهة قادرة على تقييد مسارها.
مشروع قانون منع العدوان الخارجي وتصعيد النزاع في السودان
تم تقديم قانون منع العدوان الخارجي وتصعيد النزاع في السودان يوم 9 يونيو 2026م، وأُعيد تقريره يوم 27 يوليو 2026م، وهو لم يُوقَّع بعد ليصبح قانونًا نافذًا.
ولا يمكن فهم هذا القانون بمعزل عن ثلاثة تطورات متزامنة شكّلت البيئة التي وُلد فيها:
1- الجلسة السرية المغلقة: فعلى الأرجح أن الجلسة تضمنت إحاطة استخباراتية، وأن الإدارة قدّمت للمشرعين أدلة استخباراتية عزّزت قناعتهم بضرورة التشريع.
2- المسار المتسارع للتشريع: فقد قُدِّم المشروع في 9 يونيو 2026م برعاية ثنائية من الجمهوريين والديمقراطيين، وأُعيد تقريره بتعديل جوهري في 27 يوليو 2026م، وأقرّه مجلس الشيوخ مطلع أغسطس 2026م.
3- تعثر مسار الوساطة الرباعية: حيث كشفت تصريحات مسعد بولس عن إحباط أمريكي متصاعد؛ إذ اتهم بولس مجلس السيادة برفض مقترحات هدنة إنسانية لثلاثة أشهر، بينما فشلت الرباعية في إنتاج تسوية.
تعتقد الولايات المتحدة أن أمنها القومي مهدد في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي. ويمثل القانون أداة ضغط كسابقيها: الاتهام باستخدام الأسلحة الكيميائية، والتهديد بالعقوبات؛ للضغط على الحكومة للقبول بالمطلوبات الأمريكية.
وعلى الرغم من أن القانون يساوي بين المليشيا والجيش السوداني في جميع المواد، إلا أنه يُلاحَظ انحيازه البنيوي ضد شبكات الدعم الخارجي للمتمردين، واستهدافه لسلاسل إمداد الذهب — الشريان الرئيسي للتمرد — وفيه إشارة إلى الضغط على الإمارات دون تسميتها؛ إذ لا تستطيع أمريكا أن تسمّي الإمارات على الرغم من الأصوات المرتفعة في الكونجرس التي تدين الإمارات بالاسم وتطالب بعدم بيع أسلحة أمريكية لها.
وكان أخطر ما في القانون قبل أن يُعدَّل نصًّا يطلب من واشنطن التحرك نحو نزع الشرعية الدولية عن الحكومة السودانية، وقد تم حذف هذا البند، وهو اعتراف ضمني بأن الحكومة السودانية وجيشها هما ممثلا الدولة الشرعيان.
وعلى الرغم من أن الباب مفتوح لتصنيف المليشيا كمنظمة إرهابية، إلا أن الولايات المتحدة لن تفعل ذلك كما بيّنا سابقًا.
سلبيات مشروع القانون
1- المساواة الأخلاقية الزائفة بين الجيش والمليشيا: حيث يضع مشروع القانون القوات المسلحة السودانية — جيش دولة عضو في الأمم المتحدة يدافع عن سيادتها — في خانة واحدة مع مليشيا متمردة متهمة بارتكاب الإبادة الجماعية.
2- فرض عقوبات على من يدعم أي طرف عسكري: وهو ما يعني نظريًا أن دولًا تدعم الجيش الشرعي قد تُعاقَب أيضًا، ويمثل هذا خللًا أخلاقيًا جوهريًا؛ فالقانون الدولي يكفل للدول حق الدفاع عن النفس وطلب العون.
3- إبقاء ملف الأسلحة الكيميائية سيفًا مسلطًا: فالإبقاء على هذا البند، على الرغم من نفي إثباته بأدلة مستقلة محايدة، يمنح الإدارة الأمريكية ذريعة لاستخدامه كوسيلة ضغط على الحكومة للاستجابة للمطلوبات الأمريكية.
4- منع دعم مؤسسات الدولة وتخفيف الديون والمساعدات الأمنية: وهذا يؤثر على قدرة الحكومة على إعادة بناء ما دمّرته الحرب.
5- سلطة الإعفاء الرئاسية سلاح ذو حدين: فقدرة الرئيس على الإعفاء لأسباب الأمن القومي تعني أن التطبيق سيكون سياسيًا وانتقائيًا.
خلاصة تحليلية
إن ربط الجلسة السرية بمشروع القانون يوضح أن الكونجرس بدأ يهتم بصورة أكبر بالأحداث في السودان، وفي الوقت نفسه يشير إلى عدم رضا الكونجرس عن تعامل الإدارة مع المشكلة السودانية.
وعلى الرغم من أن ذلك لن يغيّر كثيرًا في الموقف الأمريكي لاعتبارات كثيرة، فإن الباب يظل مفتوحًا، خاصة بعد حذف بند نزع الشرعية عن الحكومة السودانية؛ لذلك لا بد من فتح قنوات مع الكونجرس الأمريكي ومدّه بالمستندات التي تؤيد وجهة النظر الحكومية، ويمكن تجهيز ملف جنائي يُقدَّم بصورتين: نسخة لوزارة الخارجية، وأخرى للكونجرس.
كما يمكن الاستعانة بأصدقاء السودان، مثل السعودية وتركيا، لتصحيح رؤية الإدارة الأمريكية عن السودان.
ويبقى تزامن الجلسة السرية مع مشروع القانون، مقرونًا بالاتهام السابق باستخدام الجيش أسلحة كيميائية، بمثابة أدوات ضغط على الحكومة السودانية لحملها على القبول بالمطلوبات الأمريكية.


