Popular Now

الكونجرس يسحب ورقة الضغط: جلسة سرية وقانون جديد… هل الهدف إنقاذ الدعم السريع ؟ قراءة تحليلية في تزامن التحركات التشريعية الأمريكية مع تقدم الجيش على الأرض، وحدود فاعلية العقوبات في ظل الانقسام الدولي .. د. خالد حسين محمد

حين يصبح الحوار نفسه جزءاً من أزمة الشرعية .. محمد الخاتم تميم

السردية الكاملة لتهشم كتلة الدعم السريع الصلبة وخوار قواه .. بروفيسور على عيسى عبدالرحمن

حين يصبح الحوار نفسه جزءاً من أزمة الشرعية .. محمد الخاتم تميم

أتابع منذ فترة النقاش السوداني المتجدد حول «الحوار السوداني السوداني»، وما كُتب حوله من مقالات وتعليقات ومواقف متباينة. بعض الكتاب انشغل بسؤال العدالة، وبعضهم بشروط الحوار واستقلاله، وآخرون بمن يملك الدعوة إليه ومن يختار المشاركين فيه، بينما ذهب آخرون إلى السؤال الأكثر مباشرة: من الذي ينبغي أن يدخل الحوار، ومن الذي ينبغي أن يُمنع منه؟

وكل هذه الأسئلة مهمة.

لكنني أعتقد أن هناك سؤالاً أسبق منها جميعاً، وربما هو السؤال الذي لا نمنحه ما يكفي من الاهتمام:

من يملك شرعية تصميم الطاولة التي سيجلس حولها السودانيون؟

لأننا إذا لم نجب عن هذا السؤال، فقد نقضي وقتاً طويلاً في النقاش حول من يجلس، ومن لا يجلس، ومن يدعو، ومن يرفض، ومن يضمن، ومن يمول، ثم نكتشف في النهاية أننا لم نتفق أصلاً على الجهة التي تملك حق وضع قواعد اللعبة.

وهنا تكمن المفارقة.

نحن نتحدث عن الحوار وكأنه مجرد وسيلة لحل الخلاف، بينما الحوار نفسه أصبح جزءاً من الخلاف على الشرعية.

أحد التعليقات التي لفتتني في هذا النقاش يقول، بمعنى بالغ الأهمية، إننا عندما نعيد الشرعية الحقيقية إلى مصدرها، فإن المخرجات التي تأتي بعدها تصبح نتيجة طبيعية لهذه الشرعية، لا «ديكوراً» مفروضاً من أعلى.

وهذه في رأيي هي النقطة التي ينبغي أن نبدأ منها.

فالخلاف الحقيقي ليس فقط حول من نتحاور معه، وإنما حول من يملك حق منح الحوار شرعيته أصلاً.

هل هي السلطة القائمة؟

هل هي الأحزاب؟

هل هي القوى المدنية؟

هل هي القوى التي صنعت الثورة؟

هل هي الجيش باعتباره المؤسسة التي تقول إنها حمت الدولة؟

هل هي القوى التي تحمل السلاح؟

أم أن كل هؤلاء، في النهاية، لا يملكون سوى حق المشاركة في عملية تستمد شرعيتها من السودانيين أنفسهم؟

هنا نصل إلى قضية أعمق من الحوار ذاته: مصدر الشرعية.

وفي هذا السياق، أعتقد أننا نحتاج إلى الحذر من خلط آخر أصبح شائعاً في خطابنا السياسي: الخلط بين ما يسمى أحياناً «الشرعية الثورية» وبين الشرعية الدستورية.

قد تكون هناك، في لحظة تاريخية استثنائية، قوى تكتسب قبولاً شعبياً واسعاً لأنها تعبر عن لحظة ثورية أو عن رفض شعبي لنظام قائم. وقد يكون لهذا القبول أثر سياسي حقيقي.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول شرعية اللحظة إلى حق دائم في تمثيل الشعب.

فالثورة قد تفتح الباب.

لكنها لا ينبغي أن تمتلك الشعب إلى الأبد.

والحركة الجماهيرية قد تسقط نظاماً.

لكنها لا تمنح بالضرورة من تحدث باسمها شيكاً مفتوحاً ليقرر نيابة عنها شكل الدولة ومستقبلها إلى ما لا نهاية.

ولهذا أجدني أميل إلى العبارة التي وردت في إحدى التعليقات:

«مافي حاجة اسمها شرعية ثورية مؤقتة أو دائمة… في شرعية واحدة: شرعية الاختيار والقبول من الناس.»

قد نختلف في الصياغة الدستورية أو الفقه السياسي لهذه العبارة، لكن جوهرها يستحق التوقف.

لأن السودان عانى طويلاً من إنتاج شرعيات بديلة عن إرادة الناس:

شرعية الثورة.

شرعية التاريخ.

شرعية السلاح.

شرعية المؤسسة.

شرعية الحزب.

شرعية «القوى المدنية».

شرعية التوافق بين النخب.

وكل طرف تقريباً يستطيع أن يجد لنفسه رواية تبرر لماذا يملك حق الحديث باسم السودان.

لكن السؤال البسيط الذي يجب ألا نهرب منه هو:

هل اختار السودانيون هذا الطرف فعلاً ليحكمهم أو يقرر مستقبلهم؟

ولعل هذا هو الفرق بين أن يكون الشعب مصدر الشرعية وأن يكون الشعب مجرد موضوع للصراع بين أصحاب الشرعيات المتنافسة.

وهذه مشكلة سودانية قديمة.

نتقاتل فوق رأس الشعب، ثم نجلس للتفاوض، ثم نسمي ذلك حواراً وطنياً.

نتفق نحن على سقف معين، ثم نطلب من الشعب أن يقبل به.

نختلف نحن على السلطة، ثم نعود إلى الشعب عندما نحتاج إلى شرعية لمواقفنا.

وفي أحيان كثيرة يصبح «الحوار» نفسه مجرد اجتماع بين النخب لمعرفة مقدار ما يمكن انتزاعه من تنازلات من الطرف الآخر، لا عملية لاكتشاف ما يريده السودانيون فعلاً.

وهنا تصبح العبارة الساخرة التي وردت في أحد التعليقات مؤلمة أكثر مما هي مضحكة: أن يتشاجر السياسيون فوق رأس الشعب، ثم يتحدثوا عن الحوار والتفاوض، بينما يكون المقصود عملياً معرفة مقدار ما يمكن خفض سقف تطلعات الشعب إليه، ثم العودة إلى ركوبه إلى أن يتمرد من جديد.

قد تكون العبارة قاسية، وربما ظالمة في تعميمها، لكنها تلتقط شيئاً حقيقياً في تاريخنا السياسي:

كم مرة كان الشعب هو صاحب القضية، ثم تحول في نهاية المطاف إلى مجرد متفرج على اتفاقات النخب؟

وهنا أعود إلى السؤال الأول:

إذا كان الحوار مطلوباً، فمن يملكه؟

الإجابة، في رأيي، يجب ألا تكون: الحكومة.

ولا: الجيش.

ولا: الأحزاب.

ولا: القوى المدنية.

ولا حتى: مجموعة مختارة من «الشخصيات الوطنية».

هذه الجهات يمكن أن تشارك، وتقترح، وتفاوض، وتختلف.

لكن لا ينبغي أن تتحول أي منها إلى مالك حصري للشرعية.

الدولة يمكن أن توفر الضمانات القانونية والأمنية واللوجستية.

لكنها لا ينبغي أن تملك الحوار.

والأحزاب يمكن أن تشارك.

لكنها لا ينبغي أن تتحدث باسم الشعب كله.

والقوى المدنية يمكن أن تقدم رؤاها.

لكنها لا ينبغي أن تتحول تلقائياً إلى بديل عن التفويض الشعبي.

والجيش يمكن أن يكون طرفاً أساسياً في ترتيبات إنهاء الحرب وإعادة بناء الدولة.

لكن وجوده في قلب الدولة لا يعني تلقائياً امتلاكه حق تحديد شكلها السياسي إلى الأبد.

وهنا تظهر مسألة شديدة الحساسية: العدالة.

فقد ركز بعض النقاش على شطب البلاغات والإجراءات الجنائية المرتبطة ببعض المشاركين المحتملين في الحوار. وهناك من يرى في ذلك تصحيحاً لوضع سياسي، وهناك من يحذر من تحويل العدالة إلى أداة تفاوضية. وقد أصاب هذا النقاش في لفت الانتباه إلى ضرورة الفصل بين الحوار السياسي وبين المسار القضائي.

وفي تقديري، القاعدة التي يمكن أن تساعدنا هنا بسيطة:

الحوار ليس محكمة، والمحكمة ليست حواراً.

لا ينبغي أن يُستخدم القانون لإقصاء الخصوم السياسيين لمجرد مواقفهم السياسية.

وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن يصبح الدخول إلى الحوار وسيلة لمسح الجرائم أو تعطيل العدالة.

المصالحة شيء.

والمساءلة شيء آخر.

وقد يتقاطعان في عملية بناء السلام، لكن لا ينبغي أن يحل أحدهما محل الآخر.

لأن الدولة التي تبدأ حوارها بإلغاء استقلال العدالة قد تنجح في ترتيب طاولة، لكنها لا تنجح في بناء دولة.

والأمر نفسه ينطبق على سؤال «من يشارك؟».

لا أظن أن الحل هو أن نقول: الجميع.

فكلمة «الجميع» جميلة أخلاقياً، لكنها ليست معياراً سياسياً.

من هو الجميع؟

هل يمثل الحزب نفسه أم إقليمه؟

هل تمثل الحركة المسلحة كل سكان المنطقة التي تنشط فيها؟

هل يمثل السياسي ملايين السودانيين لمجرد أنه كان جزءاً من تحالف سابق؟

هل يمثل العسكريون الدولة؟

وهل يمثل الناشطون الشارع؟

هذه كلها أسئلة يجب أن يكون لها جواب.

لكن الجواب لا ينبغي أن يكون منحة من جهة واحدة.

وهنا نصل إلى الفكرة التي أراها أهم من كل النقاش حول الأسماء:

المشاركة العادلة لا تعني أن نختار أشخاصاً «نثق فيهم»، وإنما أن نضع قواعد تجعل اختيار الأشخاص نفسه قابلاً للمساءلة.

ولذلك، ربما يكون الخطأ الأكبر هو أن نبدأ من الأسماء.

فلنبدأ من القواعد.

من يشارك؟

وفق أي معيار؟

من يختار؟

من يراجع الاختيار؟

من يملك تعديل الأجندة؟

كيف تُتخذ القرارات؟

كيف تُنشر المداولات؟

ما الذي يجعل المخرجات ملزمة؟

وماذا يحدث إذا رفضتها قطاعات واسعة من السودانيين؟

هذه الأسئلة ليست تعقيدات بيروقراطية.

هذه هي الشرعية نفسها.

وأعتقد أن هناك نقطة أخرى ينبغي ألا تضيع وسط هذا الجدل:

الحوار لا يمكن أن يكون بديلاً عن وقف الحرب.

لكن وقف الحرب وحده أيضاً لن يكون كافياً.

فالحرب ليست مجرد مشكلة عسكرية يمكن إيقافها ثم العودة إلى الحياة الطبيعية.

إنها نتيجة لأزمة سياسية ودستورية وأمنية واجتماعية عميقة.

ولهذا فإن وقف إطلاق النار يحتاج إلى مسار أمني وإنساني عاجل، بينما يحتاج بناء السلام إلى مسار سياسي يعالج جذور الأزمة: الدولة، والجيش، والعلاقة بين المدني والعسكري، والعدالة، والحكم، والتنوع، وتوزيع السلطة والثروة.

أي أننا لا نحتاج إلى اختيار أحدهما:

إما وقف الحرب أو الحوار.

بل نحتاج إلى معرفة كيف يرتبط المساران دون أن يستخدم أحدهما لابتلاع الآخر.

وهذه نقطة مهمة في المقال الذي كتبه الواثق كمير حين دعا إلى التمييز بين المسارات مع عدم فصلها بالكامل، ووضع وقف الحرب والاستجابة الإنسانية في قلب العملية السياسية.

لكن حتى بعد كل ذلك، يبقى السؤال الأكبر:

من يمنح هذه العملية كلها الشرعية؟

إذا أنشأنا مفوضية للحوار، فمن يختارها؟

إذا شكلنا مؤتمراً تأسيسياً، من يحدد تمثيله؟

إذا اتفق المشاركون على دستور، من يمنحه الشرعية النهائية؟

إذا قال الجميع إنهم يمثلون الشعب، فمتى يسمع الشعب نفسه؟

هنا، في رأيي، يجب أن يتغير اتجاه التفكير.

نحن لا نحتاج فقط إلى حوار ينتج اتفاقاً.

نحتاج إلى عملية تعيد الشرعية إلى مصدرها.

ثم تأتي مخرجات الحوار كنتيجة لهذه الشرعية، لا كبديل عنها.

ولعل هذا يقودنا إلى تصور مختلف قليلاً لما ينبغي أن يكون عليه المسار السوداني.

أولاً: وقف الحرب وحماية المدنيين وفتح الطريق أمام العمل الإنساني.

ثانياً: عملية سياسية سودانية واسعة تضع قواعد الانتقال وتحدد شكل الدولة والعلاقة بين مؤسساتها، ولا تكون مجرد اجتماع لتقاسم السلطة بين النخب.

ثالثاً: آلية واضحة لاستعادة التفويض الشعبي، بحيث لا تبقى المرحلة الانتقالية بديلاً دائماً عن الاختيار الشعبي.

فالهدف النهائي ليس أن نصل إلى حكومة «يتفق عليها المتحاورون».

الهدف أن نصل إلى دولة يستطيع السودانيون أن يقولوا عنها:

هذه دولتنا، لأننا نحن الذين منحناها شرعيتها.

وهنا ربما نستطيع فهم التعليقات الساخرة حول «الواجهة المدنية» بطريقة مختلفة.

المشكلة ليست في أن تكون هناك مشاركة مدنية.

بل في أن تتحول المدنية إلى ديكور للشرعية بدلاً من أن تكون تعبيراً حقيقياً عنها.

الواجهة المدنية الحقيقية لا تُصنع باختيار عدد من السياسيين وإجلاسهم إلى جوار السلطة.

المدنية الحقيقية مكلفة.

لأنها تعني التنازل عن جزء من السلطة.

وتعني توزيع الموارد.

وتعني قبول الرقابة.

وتعني الاعتراف بأن من يملك القوة اليوم لا يملك بالضرورة حق تقرير المستقبل غداً.

ولهذا فإن بناء شرعية شعبية حقيقية أصعب بكثير من صناعة واجهة سياسية.

لكنها، في المقابل، هي التي يمكن أن تنتج دولة مستقرة.

في النهاية، لا أظن أن السؤال السوداني الحقيقي هو:

هل نحن مع الحوار أم ضده؟

هذا سؤال سهل جداً.

وأظن أن السؤال التالي، رغم أهميته، لا يزال غير كافٍ:

من يشارك في الحوار ومن يُستبعد؟

السؤال الأصعب هو:

من يملك حق تحديد الإجابة عن كل هذه الأسئلة؟

لأننا إذا تركنا هذه المسألة دون إجابة، فسوف نعيد إنتاج المشكلة نفسها مهما تغيرت الأسماء.

قد تتغير الحكومة.

وقد تتغير التحالفات.

وقد تتغير القاعة.

وقد يتغير شعار المؤتمر.

لكن إذا بقيت القاعدة نفسها — أن مجموعة من النخب تستطيع أن تتحدث باسم الشعب، وأن تضع له سقفاً لتطلعاته، وأن تتفق على مستقبله ثم تطلب منه القبول — فلن نكون قد خرجنا من الأزمة.

سنكون فقط قد غيرنا ديكور المشهد.

السودان لا يحتاج إلى طاولة حوار أجمل.

يحتاج أولاً إلى أن يعرف:

من يملك حق وضع الطاولة، ومن يمنحها شرعيتها، ومن يملك في النهاية حق أن يقول: نعم، هذا ما اخترناه نحن السودانيين.

فإذا عادت الشرعية إلى مصدرها الحقيقي، ربما تصبح كثير من الإجابات التي نتشاجر حولها اليوم بديهية.

أما إذا ظللنا نختلف على من يملك الحديث باسم الشعب، بينما الشعب نفسه لا يملك آلية واضحة ليقول كلمته، فسنظل ندور في الحلقة ذاتها:

نتحارب فوق رأسه، ثم نتحاور باسمه، ثم نختلف على السلطة، ثم نعود إلى الحرب فوق رأسه من جديد.

وهكذا… دواليك.

١٨/٠٨/٢٠٢٦

#من_يملك_شرعية_الحوار

المقالة السابقة

السردية الكاملة لتهشم كتلة الدعم السريع الصلبة وخوار قواه .. بروفيسور على عيسى عبدالرحمن

المقالة التالية

الكونجرس يسحب ورقة الضغط: جلسة سرية وقانون جديد… هل الهدف إنقاذ الدعم السريع ؟ قراءة تحليلية في تزامن التحركات التشريعية الأمريكية مع تقدم الجيش على الأرض، وحدود فاعلية العقوبات في ظل الانقسام الدولي .. د. خالد حسين محمد

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *