تشهد الحرب في السودان خلال الأيام الأخيرة مرحلة جديدة تتداخل فيها التطورات العسكرية مع التحولات السياسية والاقتصادية، في وقت تتزايد فيه المؤشرات على أن الصراع لم يعد مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين، وإنما أصبح معركة على مستقبل الدولة ووحدتها ومؤسساتها وقدرتها على استعادة وظائفها الأساسية.
وتبرز في هذا السياق ثلاثة مسارات متزامنة: تطورات ميدانية متسارعة، وانشقاقات داخل قوات الدعم السريع، وحراك سياسي متزايد حول الحوار السوداني–السوداني، بالتزامن مع محاولات الحكومة إعادة تشغيل مؤسسات الدولة والخدمات الأساسية.
أولاً: الانشقاقات داخل الدعم السريع.. مؤشر على أزمة التماسك
من أبرز التطورات التي تستحق المتابعة خلال الأيام الأخيرة توالي التقارير عن انشقاقات داخل قوات الدعم السريع، إلى جانب حديث مصادر ميدانية عن اتصالات يجريها بعض القادة والمستشارين مع الجيش.
ولا ينبغي التعامل مع كل خبر عن انشقاق باعتباره حقيقة مكتملة قبل التحقق المستقل، إلا أن تكرار هذه التقارير وتزامنها مع خسائر ميدانية وضغوط لوجستية يطرح سؤالاً مهماً حول مستوى التماسك الداخلي لقوات الدعم السريع.
فالجيوش والقوات شبه العسكرية لا تنهار بالضرورة نتيجة الهزيمة في معركة واحدة، وإنما يبدأ الانهيار عندما تتراجع الثقة بالقيادة، وتتقطع خطوط الإمداد، وتتراجع القدرة على دفع الرواتب وتوفير الذخائر والوقود، ويبدأ القادة الميدانيون في البحث عن مخارج فردية.
وهذا هو التطور الذي ينبغي مراقبته خلال المرحلة المقبلة.
ثانياً: نيالا.. مركز الثقل الجديد
تكتسب نيالا أهمية استثنائية في المرحلة الراهنة؛ فهي ليست مجرد مدينة تسيطر عليها قوات الدعم السريع، وإنما تمثل مركزاً سياسياً وعسكرياً ولوجستياً مهماً في غرب السودان.
وتأتي التقارير عن تدهور الوضع الصحي لقائد الدعم السريع، إلى جانب وصول مستشارين وانتشار قوات النخبة في المدينة، في وقت شديد الحساسية.
ومهما كانت حقيقة الوضع الصحي لقيادة الدعم السريع، فإن مجرد انتشار التكهنات حول القيادة المركزية يفرض على التنظيم تحدياً إضافياً، لأن أي غموض في القيادة أثناء الحرب يمكن أن يؤدي إلى تعدد مراكز القرار.
وتصبح المسألة أكثر خطورة إذا تزامنت مع الانشقاقات والضغوط العسكرية في كردفان ودارفور.
ومن هنا فإن معركة نيالا المقبلة قد تكون سياسية بقدر ما هي عسكرية.
فإذا نجح الجيش والقوات المتحالفة معه في الضغط على خطوط الإمداد المؤدية إلى نيالا، فقد تتعرض منظومة الدعم السريع في دارفور إلى مزيد من العزلة.
أما إذا استطاعت قوات الدعم السريع الحفاظ على نيالا وتأمين خطوطها مع بقية مناطق دارفور، فإنها ستحتفظ بأحد أهم مراكز قوتها.
ثالثاً: من كردفان إلى دارفور.. اختبار القدرة على إدارة حرب طويلة
تأتي هذه التطورات بعد سلسلة من العمليات العسكرية في كردفان ودارفور، حيث يحاول الجيش استعادة زمام المبادرة وتثبيت المناطق التي استعادها.
وهنا تظهر أهمية الاستراتيجية الجديدة القائمة على التقدم التدريجي وتأمين المناطق بدلاً من الاكتفاء بالسيطرة العسكرية المؤقتة.
فاستعادة مدينة أو منطقة لا تعني انتهاء المعركة فيها؛ إذ تحتاج القوات إلى تأمين الطرق، وحماية السكان، ومنع عودة القوات المعادية، وإعادة تشغيل الخدمات.
ولهذا فإن المرحلة المقبلة قد تكون مرحلة حرب استنزاف لوجستي أكثر من كونها مجرد حرب للسيطرة على المدن.
وتشير تقارير تحليلية حديثة إلى استمرار اعتماد الدعم السريع على شبكات إمداد عابرة للحدود، وهو ما يجعل السيطرة على طرق الإمداد أحد أهم محددات استمرار قدرته العسكرية. �
Sudan Transparency and Policy Tracker
رابعاً: الخماسية الدولية.. بين الغضب والقبول
في المسار السياسي، تستمر الآلية الخماسية، التي تضم الاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية للتنمية «إيغاد» والجامعة العربية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، في مشاوراتها مع القوى السودانية.
وقد أكدت الآلية أنها تسعى إلى حوار شامل يقود إلى عملية سياسية سودانية، مع تأكيدها على سيادة السودان ووحدته ورفض الهياكل الحكومية الموازية. �
الاتحاد الإفريقي، قسم السلام والأمن
لكن الملاحظ أن مواقف القوى السودانية تجاه الخماسية أصبحت تتأرجح بين القبول والرفض وفقاً لموقع كل قوة من العملية السياسية.
فتارةً تشعر بعض مكونات «صمود» و«تأسيس» بأن الآلية لا تلبي مطالبها، وتارةً أخرى ترى فيها فرصة للوصول إلى تسوية سياسية.
وهذا التذبذب يكشف أن المشكلة ليست في الخماسية وحدها، وإنما في غياب رؤية سودانية موحدة حول شكل الدولة والمرحلة الانتقالية ونهاية الحرب.
والخطر الحقيقي هو أن تتحول العملية السياسية الخارجية إلى ساحة جديدة للصراع بدلاً من أن تكون وسيلة لإنهائه.
خامساً: الحوار السوداني–السوداني.. الجبهة السياسية الجديدة
في المقابل، بدأ الحوار السوداني من الداخل يكتسب زخماً متزايداً.
وتتميز هذه المبادرة بأنها تحاول نقل مركز النقاش السياسي من العواصم الخارجية إلى الداخل السوداني، وإشراك القوى الاجتماعية والسياسية والدينية والمدنية والقوى المتأثرة بالحرب.
وهذا المسار، إذا أُدير بصورة صحيحة، يمكن أن يمثل أحد أهم أدوات تقوية الجبهة الداخلية.
فالسودان لا يحتاج فقط إلى اتفاق بين النخب السياسية، وإنما يحتاج إلى توافق اجتماعي واسع حول:
وحدة الدولة.
احتكار الدولة للسلاح.
إنهاء تعدد الجيوش.
إعادة بناء المؤسسات.
معالجة آثار الحرب.
العدالة والمصالحة.
عودة النازحين واللاجئين.
إعادة الإعمار.
وضع أساس سياسي مستقر للانتخابات.
ومن هنا فإن الحوار الداخلي ينبغي ألا يتحول إلى صراع جديد بين «مدنيين» و«عسكريين»، وإنما إلى عملية وطنية تتجاوز الاستقطاب الذي أنتجته السنوات السابقة.
سادساً: إعادة بناء الدولة.. معركة لا تقل أهمية عن الحرب
من التطورات المهمة التي قد لا تحظى بالاهتمام الإعلامي الكافي أن الحكومة بدأت، بالتوازي مع العمليات العسكرية، في التحرك لإعادة بناء مؤسسات الدولة والخدمات.
ويمثل مطار الخرطوم رمزاً مهماً في هذا الاتجاه، لأن عودة المطار إلى العمل بصورة طبيعية تعني استعادة الخرطوم تدريجياً لوظيفتها كمركز سياسي واقتصادي ودبلوماسي.
كما تأتي القرارات المتعلقة بتخفيف أعباء المواطنين والخدمات والطاقة ضمن محاولة إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
ومن أبرز الخطوات الحديثة إعفاء منظومات الطاقة الشمسية من الرسوم الجمركية، في ظل أزمة الكهرباء والحاجة إلى بدائل للطاقة التقليدية. وقد أكدت الجمارك السودانية الإعفاء الكامل لمنظومات الطاقة الشمسية من الرسوم الجمركية. �
pv magazine Global +١
وتأتي هذه الخطوة في سياق أزمة كهرباء تفاقمت بعد الأضرار التي لحقت بمنشآت التوليد والنقل، بما فيها محطة مروي، ما دفع الدولة إلى البحث عن حلول بديلة وأكثر مرونة. �
GovServ
وهنا تكمن أهمية استراتيجية: إعادة بناء الدولة لا تبدأ بعد انتهاء الحرب؛ بل تبدأ أثناء الحرب.
سابعاً: الاقتصاد والخدمات كجزء من الأمن القومي
إن إعفاء الطاقة الشمسية من الرسوم ليس قراراً اقتصادياً فقط، بل يمكن قراءته من منظور الأمن القومي.
فالدولة التي تعتمد على شبكة كهرباء مركزية معرضة للتدمير أثناء الحرب تحتاج إلى منظومة طاقة موزعة تعتمد على الشمس، خصوصاً في السودان الذي يمتلك إمكانات هائلة في مجال الطاقة الشمسية.
كما أن تخفيف أعباء المياه والكهرباء والخدمات الأساسية يمكن أن يساهم في تثبيت السكان وتشجيع العودة إلى المناطق الآمنة.
وبالتالي فإن المعركة العسكرية، وإعادة تشغيل الخدمات، وإعادة تنشيط الاقتصاد، كلها أجزاء من معركة واحدة هي معركة استعادة الدولة.
ثامناً: هل دخل الدعم السريع مرحلة الانكماش الاستراتيجي؟
إذا جمعنا المؤشرات المتاحة، يمكن طرح فرضية أن قوات الدعم السريع تواجه مرحلة من الانكماش الاستراتيجي، وليس بالضرورة الانهيار الكامل.
وتقوم هذه الفرضية على أربعة عوامل:
أولاً: تزايد الحديث عن الانشقاقات.
ثانياً: الضغوط العسكرية في كردفان ودارفور.
ثالثاً: الضغوط على خطوط الإمداد.
رابعاً: الحاجة إلى إعادة تنظيم القيادة والسيطرة في ظل التطورات التي تشهدها نيالا.
لكن يجب عدم إعلان انهيار الدعم السريع قبل تحقق مؤشرات أكثر قوة، مثل فقدان مراكز القيادة الرئيسية، وانقطاع خطوط الإمداد، وتزايد الاستسلامات الجماعية، وفقدان القدرة على شن عمليات هجومية واسعة.
تاسعاً: ثلاثة مسارات محتملة
المسار الأول: استمرار الاستنزاف
يستمر الجيش في الضغط العسكري، بينما تحاول قوات الدعم السريع الحفاظ على مراكزها الرئيسية في دارفور والنيل الأزرق، مع استمرار حرب المسيرات والاستنزاف.
المسار الثاني: تسارع الانشقاقات
إذا ترافقت الخسائر العسكرية مع أزمة في القيادة والإمداد، فقد تتسارع الانشقاقات، خصوصاً إذا ظهرت ضمانات للقيادات الراغبة في الخروج من الحرب.
المسار الثالث: انتقال الحرب إلى التسوية السياسية
قد يؤدي تغير موازين القوى العسكرية إلى دفع الأطراف نحو تفاوض أكثر جدية، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع ضغط إقليمي ودولي، وحوار سوداني داخلي قادر على إنتاج أرضية مشتركة.
عاشراً: القراءة الاستراتيجية
السودان يقف أمام مرحلة فاصلة.
فالحرب لم تعد فقط معركة بين الجيش والدعم السريع، وإنما أصبحت معركة على شكل الدولة السودانية بعد الحرب.
فإذا نجحت الدولة في استعادة المدن وتأمينها، وإعادة تشغيل المطار والخدمات، وتوسيع الطاقة البديلة، وتقوية المؤسسات، وفتح حوار داخلي واسع، فإن ذلك يعني انتقال السودان تدريجياً من مرحلة الدفاع عن الدولة إلى مرحلة إعادة بنائها.
أما إذا استمرت الانقسامات السياسية وتعددت المبادرات الخارجية دون توافق سوداني، فإن الفراغ السياسي قد يستمر حتى لو تغير ميزان القوى العسكري.
ولهذا فإن الحسم العسكري وحده لا يكفي، كما أن التسوية السياسية وحدها لا تكفي.
المعادلة المطلوبة هي:
استعادة الأمن + توحيد السلاح + إعادة بناء الدولة + حوار سوداني شامل + إعادة الإعمار.
الخلاصة
تكشف تطورات الأيام الأخيرة أن الحرب السودانية تدخل مرحلة جديدة تتداخل فيها الجبهة العسكرية مع الجبهة السياسية والاقتصادية.
وتبقى نيالا إحدى أهم نقاط الاختبار القادمة، بينما تمثل الانشقاقات داخل الدعم السريع مؤشراً ينبغي مراقبته بدقة، دون الوقوع في التقديرات المتسرعة بشأن انهيار التنظيم.
وفي المقابل، فإن الحوار السوداني–السوداني يمثل فرصة لإعادة بناء الجبهة الداخلية، خصوصاً إذا تجاوز الاستقطاب الحزبي والنخبوي ووصل إلى المجتمع السوداني الذي تحمل العبء الأكبر من الحرب.
أما الخماسية الدولية، فعليها أن تدرك أن أي حل مستدام يجب أن يكون سوداني الملكية والقرار، وأن دورها ينبغي أن يتركز في تسهيل التوافق وليس فرض صيغة سياسية جاهزة.
والأهم أن الدولة السودانية بدأت تخوض معركة موازية للحرب: معركة إعادة البناء، من استعادة مؤسسات الدولة إلى إعادة تشغيل الخدمات والطاقة والمطارات وتخفيف الأعباء عن المواطنين.
إن السودان يقترب من لحظة يمكن أن يتحدد فيها مسار الحرب: إما مزيد من الاستنزاف والانقسام، أو الانتقال التدريجي من حرب تفكيك الدولة إلى مشروع استعادة الدولة وإعادة بنائها.
د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب
الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات
البريد الإلكتروني: bshair057@gmail.com


