Popular Now

الساحل الإفريقي: صراع السيادة وإعادة التشكيل الجيوبوليتيكي (1) دولة مالي بين اختبار السيادة الهشة وأزمة الدولة .. د. اسماعيل الناير .. مدير مركز انماء للدراسات الاستراتجية

سلسلة الحرب على السودان (52) السودان بين المبادرة الأمريكية، وحوار الداخل، وإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

وجه الحقيقة | الصندوق العربي… واقتصاد الدولة .. إبراهيم شقلاوي

سلسلة الحرب على السودان (52) السودان بين المبادرة الأمريكية، وحوار الداخل، وإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

تشهد الساحة السودانية في هذه المرحلة تزامناً بين ثلاثة مسارات متداخلة: التطورات العسكرية والميدانية، والتحرك السياسي الداخلي، والتدخلات والمبادرات الدولية والإقليمية. ويبدو أن الصراع لم يعد يدور فقط حول السيطرة على الأرض، وإنما حول سؤال أكبر: من يملك حق تحديد شكل الدولة السودانية ونهاية الحرب وشروط السلام؟
وفي هذا السياق، تبرز المبادرة الأمريكية الجديدة، والتحركات السياسية في أديس أبابا، وتصاعد الدعوة إلى الحوار السوداني–السوداني من الداخل، بالتزامن مع تحولات واضحة في علاقات السودان الإقليمية، ولا سيما مع السعودية وتركيا ومصر وباكستان.
أولاً: المبادرة الأمريكية واختبار النوايا
يمثل طرح واشنطن لمشروع يتضمن إجراءات مثل حظر الأسلحة أو فرض قيود على الطيران في مناطق النزاع تطوراً بالغ الحساسية.
فمن حيث المبدأ، يمكن فهم الدعوة إلى حماية المدنيين ومنع التصعيد الجوي باعتبارها جزءاً من الجهود الرامية إلى وقف الحرب. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الإجراءات الإنسانية إلى قيود غير متوازنة على قدرة الدولة في حماية أراضيها ومواطنيها.
وهنا يبرز السؤال الاستراتيجي:
هل تريد واشنطن وقف الحرب، أم إعادة تشكيل ميزان القوى بين أطرافها قبل الوصول إلى التسوية؟
فالجيش السوداني يمتلك سلاحاً جوياً يمثل إحدى أهم أدواته في مواجهة قوات الدعم السريع، بينما تعتمد الأخيرة بصورة كبيرة على الانتشار البري وشبكات الإمداد والعمليات غير النظامية.
ومن ثم، فإن فرض قيود جوية غير مدروسة قد يؤدي، بدلاً من وقف الحرب، إلى إعادة إنتاج التوازن العسكري وإطالة أمد الصراع.
لكن من الضروري في الوقت ذاته عدم القفز إلى استنتاج أن السياسة الأمريكية تعكس بالضرورة أجندة إسرائيلية أو أجندة جماعة ضغط بعينها؛ فهذا يحتاج إلى أدلة موثقة. والأدق استراتيجياً هو تحليل المصالح الأمريكية الفعلية في السودان والبحر الأحمر والقرن الأفريقي.
ثانياً: مالك عقار والاعتراض على المسار الأمريكي
تصريحات نائب رئيس مجلس السيادة مالك عقار الرافضة لبعض مضامين المبادرة الأمريكية تعكس إدراكاً رسمياً بأن المرحلة المقبلة قد تكون معركة تفاوضية بقدر ما هي معركة عسكرية.
فالحكومة السودانية تريد أن تدخل أي مفاوضات من موقع الدولة، بينما تسعى بعض المبادرات الخارجية إلى التعامل مع الحرب باعتبارها نزاعاً بين طرفين متساويين.
وهنا تكمن إحدى أهم القضايا السياسية:
هل السلام في السودان سيكون اتفاقاً بين دولتين داخل الدولة، أم تسوية تنهي تمرداً مسلحاً وتعيد احتكار الدولة للسلاح؟
الإجابة عن هذا السؤال ستحدد شكل السودان بعد الحرب.
ثالثاً: حوار الداخل أمام اختبار حقيقي
في مقابل المبادرات الخارجية، يتقدم مشروع الحوار السوداني–السوداني من الداخل باعتباره محاولة لإعادة القرار السياسي إلى السودانيين أنفسهم.
وقد أصبح هذا المسار أكثر أهمية مع تزايد الأصوات التي ترى أن الحروب السودانية السابقة فشلت في تحقيق الاستقرار لأنها اعتمدت بدرجات كبيرة على ترتيبات خارجية لم تكن دائماً نابعة من توافق اجتماعي وسياسي سوداني.
وتأتي أهمية حوار الداخل من قدرته المحتملة على مخاطبة:
النازحين واللاجئين.
القوى الاجتماعية والقبلية.
القيادات الدينية والصوفية.
القوى السياسية.
الشباب.
لجان المقاومة والمجتمع المدني.
القوى التي ظلت خارج الاستقطاب السياسي.
والتحدي الحقيقي أمام الحوار ليس عقد الاجتماعات، وإنما إنتاج شرعية اجتماعية وسياسية واسعة.
رابعاً: أديس أبابا ومسار موازٍ للحوار
تكتسب اجتماعات القوى المدنية السودانية في أديس أبابا أهمية خاصة لأنها تأتي في توقيت يتصاعد فيه الجدل حول حوار الداخل.
ولا ينبغي النظر إلى اجتماع أديس أبابا باعتباره مجرد نشاط سياسي عادي، بل باعتباره جزءاً من الصراع على تعريف الطرف الذي يملك تمثيل السودان السياسي في مرحلة ما بعد الحرب.
المشكلة أن التعويل المفرط على الخارج قد يؤدي إلى إضعاف أي عملية سياسية سودانية داخلية، خصوصاً إذا تحولت العواصم الإقليمية والدولية إلى ساحات لصناعة التحالفات السودانية.
ومن هنا فإن معيار النجاح يجب ألا يكون: من حصل على دعم خارجي أكبر؟
بل: من يستطيع الحصول على قبول سوداني أوسع؟
خامساً: حمدوك وواشنطن
تأتي زيارة عبد الله حمدوك إلى واشنطن في توقيت بالغ الحساسية، خصوصاً مع ارتباطها بالتحركات السياسية في أديس أبابا وبالمبادرة الأمريكية.
وتطرح الزيارة سؤالاً حول طبيعة الدور الذي يمكن أن تلعبه القوى المدنية السودانية الموجودة في الخارج.
فالمعادلة أصبحت واضحة:
قوى سياسية في الخارج تسعى إلى التأثير الدولي، وقوى أخرى تدفع باتجاه الحوار من الداخل، بينما يحاول الجيش وحلفاؤه إعادة بناء مؤسسات الدولة على الأرض.
وهنا تظهر مشكلة أساسية أمام القوى السياسية الخارجية: كلما طال غيابها عن الداخل، أصبح من الصعب قياس حجم التأييد الشعبي الحقيقي لها.
سادساً: الميدان العسكري لا يزال يفرض نفسه
رغم كثافة التحركات السياسية، فإن التطورات العسكرية ما زالت العامل الأكثر تأثيراً في تحديد شروط التفاوض.
وتشير التقارير الواردة من كردفان ودارفور إلى استمرار العمليات العسكرية والغارات واستهداف تحركات قوات الدعم السريع، إلى جانب عمليات للقوات المشتركة.
وإذا تمكن الجيش وحلفاؤه من مواصلة استعادة المبادرة الميدانية، فإن ميزان التفاوض سيتغير تدريجياً.
وهنا يمكن فهم أهمية كل معركة جديدة باعتبارها جزءاً من عملية تفاوض غير معلنة على الأرض.
فالسيطرة على الطرق والمطارات ومراكز الإمداد والمناطق الاستراتيجية لا تمنح الطرف المتقدم مكاسب عسكرية فقط، بل تمنحه أيضاً أوراقاً سياسية على طاولة التفاوض.
سابعاً: التحالف السعودي–التركي–الباكستاني وإعادة تشكيل البيئة الإقليمية
من أبرز التحولات الاستراتيجية التي ينبغي مراقبتها تطور العلاقات السودانية مع السعودية وتركيا وباكستان.
فالسعودية تمتلك موقعاً محورياً في أمن البحر الأحمر، بينما تمتلك تركيا خبرات دفاعية وتقنية وعلاقات متنامية مع السودان، وتتمتع باكستان بخبرة عسكرية واستراتيجية واسعة.
ولا يعني ذلك بالضرورة قيام تحالف عسكري ثلاثي موجه ضد طرف محدد، لكن التقارب بين هذه الدول والسودان يمكن أن يساهم في توسيع هامش الحركة الاستراتيجية للخرطوم وتقليل اعتمادها على محور واحد.
كما أن هذا التقارب يكتسب أهمية أكبر في ظل الصراع على النفوذ في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
ثامناً: إثيوبيا والاتفاق الدفاعي مع الولايات المتحدة
في الجانب الآخر، تبرز التطورات المتعلقة بالعلاقات الدفاعية الأمريكية–الإثيوبية باعتبارها قضية تستحق المراقبة الدقيقة.
فإثيوبيا دولة محورية في القرن الأفريقي، لكنها دولة حبيسة، وبالتالي فإن أمنها الاستراتيجي يرتبط بصورة مباشرة بالبحر الأحمر وموانئ الدول المجاورة.
وتزداد أهمية الأمر بالنسبة للسودان بسبب:
الحدود السودانية–الإثيوبية.
النيل الأزرق.
سد النهضة.
الفشقة.
الحرب السودانية.
حركة اللاجئين.
أمن البحر الأحمر.
ومن هنا فإن أي توسع في التعاون الدفاعي الأمريكي–الإثيوبي يجب أن يُقرأ ضمن إعادة ترتيب أمريكي أوسع للقرن الأفريقي والبحر الأحمر، وليس بمعزل عن بقية الملفات.
أما الحديث عن إمكانية ارتباط هذا المسار بإسرائيل أو الهند أو الإمارات، فيبقى في إطار الفرضيات ما لم تظهر أدلة رسمية واضحة تثبت ذلك.
تاسعاً: سد النهضة يعود إلى واجهة الحسابات
تزامن هذه التطورات مع استمرار الخلافات حول سد النهضة يجعل النيل الأزرق أحد أكثر الملفات حساسية في الإقليم.
فالسودان لا ينظر إلى السد باعتباره قضية مائية فقط، وإنما باعتباره جزءاً من أمنه القومي، خصوصاً في ظل الحرب الدائرة بالقرب من الحدود الإثيوبية.
كما أن مصر تنظر إلى أي تطور في التعاون الأمريكي–الإثيوبي من زاوية أمنها المائي.
وبالتالي فإن:
السودان + إثيوبيا + مصر + البحر الأحمر
تمثل منظومة أمنية واحدة يصعب فصل عناصرها عن بعضها.
عاشراً: الاقتصاد وإعادة بناء الدولة
في الوقت الذي تستمر فيه الحرب، بدأت الحكومة في طرح إجراءات مرتبطة بإعادة تشغيل مؤسسات الدولة وتخفيف الأعباء الاقتصادية عن المواطنين.
ومن إعادة تشغيل وتطوير مطار الخرطوم إلى إجراءات تتعلق بالطاقة والمياه وتخفيف الرسوم، تظهر محاولة للانتقال تدريجياً من إدارة الحرب إلى إعادة بناء الدولة.
وتبرز أهمية الطاقة الشمسية بصورة خاصة في السودان، نظراً لاتساع مساحة البلاد وارتفاع معدلات الإشعاع الشمسي.
إن إعفاء أو تخفيض الرسوم على مدخلات الطاقة الشمسية يمكن أن يتحول إلى سياسة استراتيجية إذا ارتبط بإعادة بناء شبكات الكهرباء والزراعة والمياه والخدمات.
فالانتصار العسكري لا يكتمل إذا لم يتحول إلى قدرة الدولة على تقديم الخدمات وإعادة الاقتصاد إلى العمل.
الخلاصة الاستراتيجية
يدخل السودان مرحلة شديدة الحساسية تتزامن فيها المعركة العسكرية مع معركة سياسية وإقليمية ودولية.
فالولايات المتحدة تتحرك بمبادرة للضغط نحو وقف الحرب، والقوى السودانية في الخارج تتحرك في أديس أبابا وواشنطن، بينما يحاول السودان الدفع باتجاه حوار داخلي، وفي الوقت ذاته يواصل الجيش عملياته العسكرية لاستعادة المزيد من المناطق.
أما إقليمياً، فإن التقارب السوداني مع السعودية وتركيا وباكستان، والتطورات الأمريكية–الإثيوبية، وملف البحر الأحمر وسد النهضة، كلها تشير إلى أن الحرب السودانية أصبحت جزءاً من إعادة تشكيل جيوسياسية أوسع في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
والخطر الأكبر ليس في تعدد المبادرات، وإنما في أن تتحول المبادرات المتنافسة إلى مسارات متوازية تنتج تسويات مختلفة للسودان.
لذلك فإن المصلحة الاستراتيجية للسودان تقتضي أن يكون الحوار سودانياً في جوهره، إقليمياً في ضماناته، ودولياً في دعمه، دون أن يتحول الدعم الدولي إلى وصاية على القرار الوطني.
أما الميدان، فسيظل حتى الوصول إلى تسوية سياسية شاملة أحد أهم محددات شكل السلام وشروطه.
د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب
الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات
البريد الإلكتروني: bshair057@gmail.com

المقالة السابقة

وجه الحقيقة | الصندوق العربي… واقتصاد الدولة .. إبراهيم شقلاوي

المقالة التالية

الساحل الإفريقي: صراع السيادة وإعادة التشكيل الجيوبوليتيكي (1) دولة مالي بين اختبار السيادة الهشة وأزمة الدولة .. د. اسماعيل الناير .. مدير مركز انماء للدراسات الاستراتجية

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *