Popular Now

ما بعد الفرحة الكبرى… ننتظر خيرًا أكبر للمغترب السوداني .. د. حنان درار سيد إدريس

معركة مجلس الأمن: كيف أفشل السودان «الفخ الأمريكي» قبل سقوطه؟ .. جلسة 10211.. حكاية فيتو مُعلَن، وقرار انتُزعت أنيابه قبل ولادته .. د. خالد حسين محمد

الساحل الإفريقي: صراع السيادة وإعادة التشكيل الجيوبوليتيكي (5) القاعدة وداعش يتنافسان على خلافة الساحل الافريقي .. د. اسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز انماء للدراسات الاستراتجية

معركة مجلس الأمن: كيف أفشل السودان «الفخ الأمريكي» قبل سقوطه؟ .. جلسة 10211.. حكاية فيتو مُعلَن، وقرار انتُزعت أنيابه قبل ولادته .. د. خالد حسين محمد

مقدمة
بينما كانت طائرات الجيش السوداني تحسم معاركها على الأرض، كانت معركة أخرى لا تقلّ شراسة تُدار في نيويورك، سلاحها الكلمات لا الرصاص، وميدانها قاعة مجلس الأمن في جلسته رقم (10211) المنعقدة يوم 24/8/2026م. جلسة بدا واضحًا منذ الإعلان عنها أنها ليست لمناقشة الوضع في السودان، بل لتمرير أجندة محدّدة: قرار بحظر الطيران وتوسيع حظر السلاح، يُنزع سلاح الدولة ويُترك المليشيا.

فما الذي جرى داخل القاعة؟ وكيف تحوّلت الجلسة من «مِشرحة» أُعدّت للسودان إلى منصّة كشفت الانقسام الدولي وأعلنت فيها موسكو فيتوها المبكر؟ ولماذا خرج الفريق البرهان بخطاب ناري قبل انعقادها بساعات؟

في هذه القراءة التحليلية نفكّك الجلسة كلمةً كلمة: إحاطتا وكيلَي الأمين العام، وشهادة «المجتمع المدني» المُنتقاة بعناية، ومشروع القرار الأمريكي ببنوده الأربعة، والاصطفاف الروسي الكامل، وخارطة الكتل الثلاث داخل المجلس، وصولًا إلى الردّ السوداني المزدوج.

كانت جلسة مجلس الأمن رقم (10211)، المنعقدة يوم 24/8/2026م، واحدةً من أدوات الضغط التي تمارسها الولايات المتحدة على السودان كلّما تقدّم الجيش على مسرح العمليات، وذلك لإجبار الحكومة على الجلوس إلى طاولة المفاوضات. وقد ظهر ذلك جليًّا في التسريبات والترويج الإعلامي الكثيف الذي سبق انعقاد الجلسة، والذي روّج لإصدار قرار بحظر الطيران على السودان.

وقد جرى الترتيب لهذه الجلسة بدقّة لتتسق مع ما هو مطلوب تمريره؛ فكان الانتقاء للمشاركين من المبعوثين الخاصين للأمين العام، واختيار قحّاتية سودانية – بريطانية للقيام بهذا الدور، ولم تخيّب ظنّهم وتحدّثت بما هو أكثر من المطلوب منها، كما بدا في إفادتها التي سوف نستعرضها لاحقًا. وسنتناول في هذا التحليل كلمتَي ممثّلي الأمين العام، وكلمة السودانية البريطانية إيفا خير بصفتها ممثلةً للمجتمع المدني، ثم كلمتَي أمريكا وروسيا، فتلخيصًا مجملًا للموقف الدولي، ونختم بردّ الفريق البرهان.

أولًا: إحاطتا وكيلَي الأمين العام

بدأت الجلسة بإحاطة من روزماري ديكارلو، وكيلة الأمين العام للشؤون السياسية وبناء السلام، وتوم فليتشر، وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية، وهو تعبير عن رأي الأمم المتحدة. وعلى الرغم من أن الأمم المتحدة، وخاصةً أمينها العام، يحاول كثيرًا إبداء مواقف معتدلة، إلّا أنه لن يستطيع أن يخرج كثيرًا عن العباءة الأمريكية.

لذلك حمّلت روزماري وكيلةُ الأمين العام الطرفين مسؤوليةً متساوية في استخدام المسيّرات ضد المدنيين والأعيان المدنية، على الرغم من علمها بأن الجيش، بحكم مسؤوليته، يستهدف المواقع العسكرية للدعم السريع، بخلاف الدعم السريع الذي يستهدف الأعيان المدنية قصدًا ومنهجًا. كما أدانت الدعم الخارجي لكلا الطرفين، وهذا واضح من تبنّيها سردية «الحرب بين طرفين» التي تتبنّاها أمريكا، ولم ولن تجرؤ على تسمية الإمارات. كما أعلنت تأييدها صراحةً للرباعية التي تدعو إلى هدنة إنسانية، وتدعم جهود الخماسية المكوّنة من الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي وإيقاد وجامعة الدول العربية والأمم المتحدة للمساعدة على الدفع بمسار سياسي، وهي بذلك داعمةٌ للموقف الأمريكي الداعم للحوار السوداني، الذي يأتي في ظل صمود الرافضين للحوار الذي دعا إليه البرهان.وجاءت كلمة توم فلتشر وكيل الشئون الإنسانية متطابقة تماما مع كلمة روزماري

وبذلك يتضح الموقف المنحاز ممّا يُسمّى بالأمم المتحدة، والذي تستخدمه الولايات المتحدة لتمرير مشروعها.

ثانيًا: إحاطة إيفا خير ممثلة المجتمع المدني

جاءت بعد ذلك إحاطة إيفا خير، مستشارة الصحة والحماية وبناء السلام، بصفتها ممثلةً للمجتمع المدني. وهي طبيبة بريطانية – سودانية مقيمة في لندن، ودبلوماسية سابقة في مجال الصحة وحقوق الإنسان لدى الأمم المتحدة، وهي المديرة والمؤسِّسة للاتحاد السوداني عبر الحدود، وهو شبكة دولية تجمع مهنيين سودانيين من داخل السودان وخارجه، كما أنها مؤسِّسة لحملة «نساء من أجل السودان»، وهي حملة عالمية تسلّط الضوء على تأثير الحرب على النساء والفتيات في السودان.

وهذه المقدّمة مهمّة، لأنها قحّاتية من الدرجة الأولى؛ فقد طالبت بتوسيع حظر الأسلحة المفروض على دارفور ليشمل كل السودان، بمعنى أنها تريد حظر السلاح على الجيش، ووصفت المدنيين بأنهم محاصَرون بين سلطتين بحكم الأمر الواقع غير شرعيّتين.

وكانت عبارتها: «سلطتان فعليّتان غير شرعيّتين»؛ وهي أخطر عبارة سياسية في الجلسة كلّها، إذ تتجاوز ولاية المجلس الذي يتعامل مع الحكومة بوصفها طرفًا شرعيًّا. كما طالبت بتكوين آليّة حماية مستقلّة، وهو ما يعني مطلب تفويض بموجب الفصل السابع.

ثالثًا: كلمة الولايات المتحدة

جاءت كلمة بولس مبنيّةً على سردية «الصراع بين طرفين»، ولذلك حاول إيراد اتهامات للطرفين، مُحدِّدًا أم عردة للجيش وجبرة الشيخ للدعم السريع. وعندما شعر بالحرج الذي أدخله فيه الحارث لمساواته بين الجيش والمليشيا المتمردة، قال: «لا تسعى هذه التدابير إلى خلق مساواة بين طرفين».

وقد طرحت الولايات المتحدة، من خلال كلمة بولس، مشروع قرار انتقل فعليًّا من مرحلة الفكرة إلى مرحلة التداول داخل المجلس، ويشمل أربع نقاط: توسيع حظر السلاح جغرافيًّا ليشمل كل السودان، وشمول ذلك للمسيّرات صراحةً، وزيادة خبراء لجنة 1591، والتنسيق بين لجان العقوبات الإقليمية.

وبذلك يرمي المشروع الأمريكي إلى تغيير الإطار القانوني القائم الذي أوجده القرار 1591 لسنة 2005م، والذي يشمل:

◦ حظر توريد السلاح إلى إقليم دارفور.
◦ تجميد أصول وحظر سفر على أشخاص وكيانات محدّدين بقرار من لجنة العقوبات.
◦ فريق خبراء مكوّن من أربعة خبراء، مقرّهم أديس أبابا، يرصدون الانتهاكات ويرفعون تقاريرهم إلى لجنة 1591.
◦ انتهاء أجل القرار في 12/9/2026م ما لم يُجدَّد، وهو ما تحاول الولايات المتحدة القيام به عبر هذا الطرح، لكي يُجدَّد القرار معدَّلًا كما تريد أمريكا.

البند الأول: حظر السلاح ليشمل كامل أراضي السودان، والمقصود واضح: أن يشمل الحظر توريد السلاح للقوات المسلحة.

البند الثاني: إدخال المسيّرات ومنظوماتها والتكنولوجيا المرتبطة بها ضمن نطاق حظر الأسلحة. وعلى الرغم من أن ظاهر حظر المسيّرات يشمل الطرفين، فإن المقصود هو إيقاف تفوّق الجيش في هذا الجانب، من حيث نوعية المسيّرات والخبرة الفنية في استخدامها.

البند الثالث: طلب زيادة عدد الخبراء.

البند الرابع: التعاون بين فرق الخبراء في المنطقة.

وقد طُرح هذا المشروع للتداول، وسيتم نقاشه والموافقة عليه أو رفضه أو تعديله في 12/9/2026م، وهو تاريخ انتهاء القرار السابق. وإذا أُجيز بشكله المقدَّم من أمريكا — وهو ما تهدف إليه — فسوف تُوضع الدولة السودانية بجيشها الوطني المعترف به دوليًّا تحت حظر سلاح أممي. وهنا تكمن قوة حجّة مندوب السودان القانونية: «لا يمكن معالجة انتهاك نظام قائم بتوسيع النظام»؛ أي إن مشكلة الإنفاذ الحالية لا تُحلّ بالتوسيع، بل بملاحقة المنتهكين. وعمليًّا، سيعني النص الجديد أن أي توريد سلاح للحكومة الشرعية يصبح انتهاكًا دوليًّا، وهذه ستكون سابقةً ثقيلة الوزن في تاريخ مجلس الأمن، إذ تُستخدم هذه الصيغة عادةً ضد الدول المنهارة أو الأنظمة غير المعترف بها، لا ضد حكومة عضو في الأمم المتحدة تحتل مقعدًا وتخاطب المجلس منه.

رابعًا: كلمة روسيا

في المقابل، جاءت كلمة روسيا وثيقةَ اصطفاف كاملةً مع الحكومة السودانية، وأبرز ما فيها:

1. الاصطفاف السردي الصريح مع الجيش؛ فهي الدولة الوحيدة دائمة العضوية التي وصفت الدعم السريع بالمتمردين، ونزعت التساوي في المسؤولية، وهو ما يتجاوز حتى موقف الخرطوم الرسمي أحيانًا.
2. إعلان الفيتو المبكر: عبارة «بهذا المنظور ذاته ننظر إلى أي محاولات لتوسيع نظام العقوبات»، وهي إشعار دبلوماسي رسمي بأن مشروع القرار الأمريكي سيواجه فيتو روسيًّا إن طُرح للتصويت بصيغته الحالية.
3. اشتراط التنسيق مع الحكومة في المساعدات، بمنح الحكومة حقّ نقض فعليًّا على العمليات الإنسانية.
4. تدمير الرباعية التي تقودها واشنطون ووصفها بالابتزاز، في مقابل احتكار الأمم المتحدة للوساطة، وبذلك تحاول تفكيك أداة الضغط الأمريكية قبل سبتمبر.

ونورد هنا نصًّا بعضَ العبارات القوية التي وردت في كلمة المندوب الروسي:

•«يجب أن تُقدَّم هذه المساعدات بالتنسيق الدقيق مع حكومة السودان، فالحكومة هي التي تتحمّل مسؤولية حماية سكان البلاد، وهي أعلم باحتياجاتهم ولديها قدرة واسعة على توزيع الإمدادات الإنسانية.»

•«المحاولات الرامية إلى التحرّك بالتحايل على الخرطوم أو دون موافقتها أمر غير مقبول.»

•«لم يُحرَز أي تقدّم ملموس في عمل الخماسية، كما ركدت أنشطة «رباعية السودان» هي الأخرى، وتُعتبر مثل هذه النتيجة حتمية؛ إذ إن أفعال الرباعية، في سعيها لإيجاد أرضية مشتركة بين المتخاصمين، قد انحصرت في جوهرها في الضغط والابتزاز ولوْي الأذرع بهدف إرغام حكومة السودان على تقديم تنازلات غير مقبولة.»

•«إننا نؤكد أن قوات الدعم السريع تستخدم المسيّرات ليس فقط بشكل عشوائي وفوضوي، بل كثيرًا ما يكون الهدف إيقاع أقصى ضرر بالبنية التحتية المدنية والسكان المدنيين، وفي المقابل تسعى القوات المسلحة إلى الدقّة في الاستهداف.»

•«نريد أن نلفت الانتباه إلى تصاعد الضغط العقابي على السودان، ونعتبر مثل هذه الخطوات غير مقبولة وعدائية تجاه حكومة البلاد، وبهذا المنظور ذاته ننظر إلى محاولات توسيع نظام عقوبات مجلس الأمن ضد السودان.»

وتتلخّص الكلمة الروسية في الآتي:

1. سردية منحازة صراحةً للجيش السوداني.
2. إشعار فيتو مبكر: «بهذا المنظور ذاته ننظر إلى محاولات توسيع نظام العقوبات».
3. هجوم بنيوي على أدوات الضغط الأمريكية.

خامسًا: خارطة المواقف داخل المجلس

من غير الدخول في تفاصيل مواقف الدول، فإن الجلسة رسمت ثلاث كتل واضحة المعالم:

◦ كتلة غربية موسّعة (واشنطن – لندن – باريس – كوبنهاجن، ومن خلفهم وأمامهم الإمارات بمالها السائب) تدفع نحو قرار عقابي شامل.
◦ كتلة سيادية (موسكو – القاهرة – الخرطوم – الصين وباكستان) تدافع عن مؤسسات الدولة وترفض المساواة بين الجيش والمليشيا.
◦ كتلة وسط (أفريقية – عربية – دولية) تكتفي بالإدانات الإنسانية.

وقد كانت الجلسة بمثابة تمرين إحمائي استباقي لجلسة 12/9/2026م، واضحةِ المحصلة النهائية من القراءة الدقيقة لما تم من نقاش: فإمّا قرار معدَّل تُنتزع منه أسنانه عنوةً دون بنج، وإمّا فيتو روسي، وإمّا تمديده بصيغته القديمة — وهو الراجح.

سادسًا: الردّ السوداني

جاء الردّ على هذا التآمر من السودان على مرحلتين: الأولى من الفريق البرهان عبر خطابه لخريجي الدفعة 22 فنيين شرطة، وواضح أن الحارث قد أبلغ الفريق البرهان بالمشروع الأمريكي المتداوَل، والمرحلة الثانية كانت بواسطة قائد متحرّك واشنطن الجنرال الحارث.

وعلى الرغم من أن الفريق البرهان كان يتعرّض باستمرار للضغوط الخارجية، فإنها المرة الأولى التي يعلن فيها ذلك صراحةً، مما يعني أنه أعلن خروجه إلى المبارزة في العلن، وأنه لن يُكسَر.

وكان توقيت الخطاب مهمًّا قبل جلسة مجلس الأمن، ليبطل التهديد بالعقوبات ويطمئن الشعب السوداني بصمود القيادة وعدم انكسارها. لذلك جاء الخطاب هجومًا استباقيًّا قبل تحرّكات مجلس الأمن حول توسيع الحظر والحظر الجوي، وكان جمهوره المستهدف: واشنطن والمجتمع الدولي والقوى المدنية بالخارج والرأي العام الداخلي والقوات النظامية وحلفاءها.

وقد احتوى الخطاب مجموعةً من الرسائل المباشرة وغير المباشرة، منها:

1. عبارة «العقوبات لن تؤثّر على مسار المعركة ولن يُنكَسَر الشعب»: رسالة موجَّهة مباشرةً إلى واشنطن ومجلس الأمن، مفادها أن الخرطوم ماضية في خيارها العسكري مهما كانت كلفة العزلة أو العقوبات أو الحظر الجوي المطروح.
2. عبارة «الموجودون في فنادق الخارج لن يستطيعوا حكم الشعب من جديد»: توصيف ازدرائي لصمود، وقفل الباب نهائيًّا أمامهم، والخروج النهائي من حالة التردد التي كانت تَسِم موقفه من صمود. وجاء ذلك ردًّا على رفض صمود المشاركة في الحوار السوداني استجابةً لتعليمات أمريكا والإمارات، ومُعلِنًا أن الشرعية تأتي من الداخل ومن البندقية، لا من التحالفات والعمالة للخارج.
3. رفع سقف الهدف العسكري إلى التحرير الكامل، ورفض ضمني لأي وقف لإطلاق النار أو قبول بهدنة، وربط الحسم العسكري بعودة النازحين بوصفه شرعيةً أخلاقية للحرب.
4. الإشارة إلى قوة الترابط والتوافق مع الشركاء من الحركات المسلحة، وتحذير من الانجراف نحو مسارات تسوية لا تتحكّم فيها القيادة العامة.
5. التخفيف من وطأة التهديد بالحظر الجوي قبل وقوعه؛ فإن حدث تحوّل إلى رمز صمود.
6. رسالة إلى المحاور الإقليمية والرباعية: لا حكم من الخارج؛ رفض مسبق لأي حكومة انتقالية تُفرَض أو تُهنْدَس من الخارج.

نخلص من ذلك إلى أن الخطاب له وظيفة ثلاثية: تحصين الجبهة الداخلية، ورفع سقف التفاوض أمام المجتمع الدولي، وتطويق المبادرات السياسية المنفردة. والرسالة المركزية المعلَنة — «لا حكم من الخارج ولا انكسار بالعقوبات» — تخفي تحتها رسالةً أدقّ: القيادة العامة تراهن على الحسم العسكري أصلًا للشرعية السياسية، ولن تقبل تسويةً قبل تحرير كل شبر.

خلاصة

كانت جلسة مجلس الأمن يوم 24/8/2026م إعدادًا لجلسة مجلس الأمن يوم 12/9/2026م. وقد بدأ الأمر واضحًا بأن أمر التصويت في مجلس الأمن في شهر سبتمبر قد حُسم لصالح السودان: فإمّا تعديل يُجرِّد القرار من أنيابه، وإمّا تجديد القرار بصيغته القديمة، وإمّا فيتو روسي.

وقد نتج هذا الأمر من مجموعة من العوامل، أهمّها السياسة الخرقاء لترامب، والتي نجح فيها بامتياز في أنه لم يترك لأمريكا صديقًا، ابتداءً من بوتين مرورًا بكندا وملف الناتو وصولًا إلى السعودية وباكستان.

أما العامل الآخر فهو انكشاف محدودية القدرات الأمريكية، مهما عظُمت، نتيجة حربها مع إيران؛ فأصبحت عاجزةً حتى عن حماية قواعدها في منطقة الخليج، فخرج الجميع من عباءتها بمقادير مختلفة.

وهذان العاملان وغيرهما هما اللذان شكّلا الانقسام في مجلس الأمن، الذي أصبح يمثّل الحماية للسودان.

إن الموقف الأمريكي الأخير من دعوة البرهان للحوار السوداني، مقرونًا بالسلوك الأهوج برفض قوى صمود لدعوة البرهان، جعلا البرهان يخرج تمامًا من دائرة العَشَم والوهم في الرضا الأمريكي؛ خروجًا غير قابل للعودة، منحازًا لخيار الشعب السوداني الذي يتمثّل في الحسم العسكري وطرد المليشيا من السودان تمامًا.

والالتفاف الشعبي حول الجيش والبرهان يحتاج إلى التعضيد الخارجي، وذلك في اتفاقية دفاع مشترك مع تركيا التي أصبحت جاهزة بعد زيارة العطا الأخيرة، وكذلك اتفاقية دفاع مشترك مع روسيا، والانضمام إلى اتفاقية مكة للدفاع المشترك مع تركيا والسعودية وباكستان.

خاتمة

وهكذا، انتهت الجلسة التي أرادها البعض مشهدَ إعدامٍ علنيًّا للدولة السودانية، فإذا بها شهادةُ ميلادٍ لموقف دولي جديد: مجلس أمن منقسم، وهيبة أمريكية مترنّحة، وفيتو روسي يقف بالمرصاد، ودولة عضو تخاطب العالم من موقع المنتصر لا المتهم.

الدرس الأكبر من جلسة 24 أغسطس أن السودان لم يعد وحده في المواجهة؛ فالتحوّلات الكبرى في النظام الدولي فتحت نافذةً لم تكن لتتاح قبل سنوات، والقيادة التي قرأت اللحظة جيدًا التقطتها. والمعركة القادمة في 12 سبتمبر 2026م لن تكون على قرار بقدر ما ستكون على صورة العالم الجديد الذي يتشكّل: عالم لم تعد فيه واشنطن قادرةً على فرض إرادتها بقلمٍ وتوقيع.

لقد قالها البرهان بوضوح لا يقبل التأويل: لا حكم من فنادق الخارج، ولا انكسار بالعقوبات، ولا تسوية قبل تحرير كل شبر.. وبين خطاب القيادة وموقف الحلفاء، يبدو أن السودان كتب فصلًا جديدًا في تاريخه — فصلًا عنوانه: الشرعية تُصنع في الميدان، لا في أروقة نيويورك.

المقالة السابقة

الساحل الإفريقي: صراع السيادة وإعادة التشكيل الجيوبوليتيكي (5) القاعدة وداعش يتنافسان على خلافة الساحل الافريقي .. د. اسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز انماء للدراسات الاستراتجية

المقالة التالية

ما بعد الفرحة الكبرى… ننتظر خيرًا أكبر للمغترب السوداني .. د. حنان درار سيد إدريس

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *