لا يمكن فهم تعقيد المشهد الأمني في دول الساحل الثلاث، مالي وبوركينا فاسو والنيجر، دون الغوص في أعماق التنظيمات الجهادية التي جعلت من هذه البقعة الشاسعة ساحة حرب مفتوحة بين تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة( داعش ) ، في صراع لا يقل ضراوة عن صراعهما مع الحكومات المحلية، بل إنه في كثير من الأحيان يكون أكثر دموية وتنافسية. فما يجري في المثلث الحدودي بين الدول الثلاث مالي والنيجر وبوركينا فاسو ، لم يكن يوما ما مجرد نشاط مسلح تقليدي، بل هو حرب ظل معقدة، تتقاطع فيها الأيديولوجيا مع المصالح الاقتصادية والصراعات العرقية، وتتداخل فيها التحالفات المؤقتة مع الخصومات الدموية، في مشهد يجعل من الصعب على أي مراقب أن يرسم حدوداً واضحة بين الصديق والعدو، أو بين الجهادي المحلي والمقاتل الأجنبي، أو حتى بين الثائر على الظلم والإرهابي العابر للحدود.
على رأس هذه التنظيمات تقف جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، الذراع الرسمية لتنظيم القاعدة في منطقة الساحل، والتي تأسست في مارس من عام 2017 من خلال اندماج أربع تنظيمات جهادية كبرى، هي أنصار الدين والمرابطون وكتيبة ماسينا وفرع الصحراء التابع لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي. وهذه الجماعة، التي يقودها الدبلوماسي المالي السابق من عرقية الطوارق إياد أغ غالي، لم تكتفِ بكونها مجرد كيان مسلح محلي، بل تطورت لتصبح قوة عابرة للحدود، تمتلك قدرات عملياتية واسعة النطاق، واستطاعت أن تستفيد من هشاشة مؤسسات الدولة المركزية، ومن الحدود المليئة بالثغرات، ومن تنامي الاقتصادات غير المشروعة، لترسيخ حضورها وتوسيع نفوذها الإقليمي، ليصبح التحدي الأمني الأبرز الذي يواجه شمال إفريقيا ودول الساحل. وما يميز هذه الجماعة، كما يرى المحللون، هو نهجها العملي الذي يختلف عن الصورة النمطية للتنظيمات الجهادية، فهي امتنعت في السنوات الأخيرة عن الترويج المكثف لخطاب الجهاد العالمي، وركزت بدلاً من ذلك على المظالم المحلية، ودعت عناصر الفيلق الإفريقي الروسي إلى التزام الحياد، بل وأبدت استعداداً للتحالف مع قوات انفصالية من الطوارق، كما حدث في الهجمات المنسقة التي شنتها في أبريل من عام 2026، حينما هاجمت بالتنسيق مع جبهة تحرير أزواد مقرات الجيش المالي، وطالت هذه الهجمات مراكز الثقل في العاصمة باماكو ومدن غاو وكيدال وسيفاري، في ما وصفه المحللون بأنه أكبر هجوم جهادي منسق على مالي منذ سنوات.
وفي مقابل جماعة نصرة الإسلام، يقف تنظيم الدولة الإسلامية، ممثلاً في فرعه المعروف ولاية الساحل، والذي ينشط بشكل رئيسي في المناطق الحدودية نفسها، لكنه يتبع استراتيجية مختلفة تماماً، تقوم على العنف الجماعي والوحشية المفرطة، في محاولة لاستقطاب البيئات الحاضنة عبر إظهار القوة المطلقة. وهذا التنافس بين العملاقين الجهاديين، والذي تحول من مجرد تنافس على النفوذ المحلي إلى صراع استراتيجي يهدف كل طرف من خلاله إلى إثبات أحقيته بقيادة المشروع الجهادي في المنطقة، هو ما يفسر التحول النوعي في طبيعة العمليات التي تشهدها المنطقة، حيث لم تعد هذه العمليات تستهدف سلطة الحكومات وحدها، بل أصبحت تحمل أيضاً رسائل دعائية موجهة إلى المنافس الجهادي وإلى البيئات الحاضنة التي يسعى كل تنظيم إلى استقطابها. ففي النيجر، على سبيل المثال، تحولت مناطق تيلابيري ودوسو جنوب غربي البلاد إلى مسرح لأحدث صراع النفوذ بين الجماعتين، حيث شنَّت كل منهما هجمات متكررة على الأخرى، إذ تسعى كل منهما إلى إحكام قبضتها على المثلث الحدودي الواقع بين النيجر وبنين جنوباً ونيجيريا شرقاً، وأعلن داعش الساحل في مطلع أبريل من عام 2026 أنه قتل خمسة وثلاثين مقاتلاً من نصرة الإسلام واستولى على أسلحتهم، انتقاماً لهجوم شنته الجماعة المنافسة على إحدى قرى تيلابيري.
وهذا التنافس الدامي بين التنظيمين يمكن قراءته، في ضوء النظريات التي استعرناها في مقالاتنا السابقة، عبر مقاربة الواقعية الميرشايمرية التي ترى أن الصراع في غياب سلطة مركزية هو أمر حتمي، حيث يسعى كل فاعل إلى تعظيم قوته النسبية على حساب الآخرين، ولكن أبعاد الأيديولوجيا والعرق تضفي على هذا الصراع طابعاً أكثر تعقيداً، كما يمكن تفسيره من خلال نظرية مجمع الأمن الإقليمي لبوزان وويفر، التي تؤكد أن التهديدات في منطقة الساحل لا يمكن عزلها عن بعضها، بل إنها تشكل نسيجاً واحداً من العنف المتبادل، حيث تتحول حدود الدول الهشة إلى ساحات مفتوحة للتنافس بين الجماعات المسلحة التي تستغل الفراغ الأمني الذي خلفته الانسحابات الغربية وفشل الحكومات المحلية في بسط سيطرتها. بل إن الأكثر إثارة للقلق، كما توثق التقارير الميدانية، هو أن هذا الصراع الجهادي لم تجاوز فعله و اثره حدود دول الساحل الافريقي ، بل بدأ يمتد نحو نيجيريا ودول الخليج، حيث أعلنت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين مسؤوليتها عن أول هجوم لها داخل الأراضي النيجيرية في أكتوبر من عام 2025، في مؤشر خطير على أن هذه التنظيمات تعيد رسم خريطة التهديدات الأمنية في غرب إفريقيا بأكملها.
والسؤال الأكثر إلحاحاً الذي تطرحه هذه المعطيات، والذي سيكون جسر العبور إلى مقالنا القادم، هو: كيف يمكن لهذا الصراع الجهادي المتصاعد في الساحل أن يؤثر على حرب مليشيا الدعم السريع علي السودان، ؟ فما يحدث في الساحل ليس معزولاً عما يحدث في القرن الإفريقي، بل إن هناك أواصر خفية وأخرى معلنة تربط بين بؤر التوتر هذه، من تهريب الأسلحة إلى تنقل المقاتلين، ومن تدفق الذهب إلى تبادل الخبرات القتالية، مما يجعل المنطقة بأكملها تشبه شبكة عنكبوتية؛ إذا اهتز خيط منها، اهتزت لها الخيوط جميعها.


