Popular Now

وجه الحقيقة | الصحافة لا تعود بالكلام .. إبراهيم شقلاوي

هل نحن في دولة أم في شركة خاصة للإمتيازات؟ .. د. عبدالمولى موسى محمد

حكومة ابي احمد والقفز في الظلام .. د. اسماعيل الناير .. مدير مركز انماء للدراسات

حكومة ابي احمد والقفز في الظلام .. د. اسماعيل الناير .. مدير مركز انماء للدراسات

إن النزاع بين السودان وإثيوبيا لم يصبح مجرد خلاف حدودي أساسه أراضي الفشقة أو مناوشة دبلوماسية حول سد النهضة وقسمة حصة مياه النيل ، بل أن أديس أبابا انحدرت ، خلال الأشهر الأخيرة، من مربع الجار المتآمر الذي يداري سوءته إلى مربع اللاعب المتورط، ومن دعم مستتر من خلف الحدود إلى الشروع فى نفخ النار حتى تشتعل في قلب السودان. وهكذا تحوّل إقليم النيل الأزرق إلى واحدة من أخطر ساحات الصراع في القرن الأفريقي، بتتداخل الحسابات التاريخية مع الأطماع الاستراتيجية، وتقاطع المصالح الإقليمية مع الأزمات ، وفي نفس الوقت تحاول حكومة ابي احمد أن ترتدي ثوب الوسيط وهي تمسك بيدها الأخرى عود الثقاب لاشعال الفتنه .
لقد كشفت التطورات المتسارعة منذ نهاية عام 2025، ولا سيما مع اشتداد المعارك في ولاية النيل الأزرق، عن انتقال إثيوبيا من مرحلة الدعم اللوجستي الخفي إلى مستوى من التورط العسكري يكاد يخلع عنه قناع الإنكار. ولم تعد المسألة مجرد اتهامات سودانية عابرة يمكن لأديس أبابا أن ترد عليها ببيانات دبلوماسية باردة، فقد ظهرت تقارير وتحليلات مستقلة ترصد نشاطاً عسكرياً ولوجستياً في قاعدة أصوصا الإثيوبية يتسق مع تقديم الدعم لقوات مليشيا الدعم السريع. وفى هذا فقد خلص مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل في تقرير سابق إلى وجود نشاط يتسق بدرجة عالية مع تقديم مساعدة عسكرية للمليشيل داخل قاعدة للقوات الإثيوبية في أصوصا ، بينما كشفت وكالة رويترز للانباء فى تقاريرها عن معسكر في بني شنقول -قمز لتدريب آلاف المقاتلين المرتبطين بالدعم السريع.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً: ماذا تريد أديس أبابا تحديداً من السودان؟ أم أن الإجابة أصبحت أكثر وضوحاً من أن تحتاج إلى كثير من التحليل؟
إن جذور هذا السلوك الإثيوبي المتامر علي السودان ليس وليد اليوم . فمنذ عهد منغستو هيلا ماريام ، تعاملت الحكومات الإثيوبية المتعاقبة مع الخاصرة الشرقية للسودان باعتبارها مساحة مفتوحة للمناورة، واستُخدمت الجغرافيا الحدودية لتوفير الملاذات وقواعد التدريب والإمداد للحركات المتمرده السودانية. كانت تلك السياسة في الماضي تنفذ تحت غطاء التوازن الإقليمي والعدو المشترك، أما اليوم فقد سقطت ورقة التوت تماماً، وأصبحت أديس أبابا تبدو وكأنها تعيد تدوير الوصفة القديمة نفسها، ولكن مع خليط أكثر غرابة: مليشيا الدعم السريع، والحركة الشعبيه جناح الحلو وجوزيف توكا، وحسابات إقليمية لا علاقة لها بمصالح الشعب السوداني.
والمثير للسخرية أن إثيوبيا، التي تتحدث كثيراً عن احترام سيادة الدول وحسن الجوار، يبدو أنها اكتشفت تعريفاً جديداً للسيادة أن تحترم سيادتك داخل حدودك، ثم تترك حدود الآخرين مفتوحة لمن تريد من المليشيات. وكأن القانون الدولي، في قاموس ابي احمد في ، يصبح صالحاً للاستهلاك في المؤتمرات الصحفية، لكنه قابل للتعليق مؤقتاً عندما تبدأ الحسابات الجيوسياسية.
وتتعدد دوافع التدخل الإثيوبي فى الشان السوداني ، وفي مقدمتها مسالة سد النهضه الذي يمثل أحد أهم أعمدة السياسة الإثيوبية. فالنيل الأزرق ليس بالنسبة إلى أديس أبابا مجرد إقليم سوداني مجاور؛ إنه بوابة جغرافية حساسة إلى واحد من أهم مشروعاتها الاستراتيجية، سد النهضة. ومن ثم فإن خلق نفوذ مسلح داخل الأراضي السودانية المتاخمة للحدود يمكن أن يوفر لإثيوبيا عمقاً استراتيجياً يحمي مشروعها من أي ضغط سوداني أو مصري مستقبلي، ويجعل الخرطوم منشغلة بإطفاء الحرائق بدلاً من التفرغ للمطالبة بحقوقها في المياه والحدود.
وهنا تبدو اللعبة أكثر وضوحاً: كلما كان السودان قوياً ومستقراً وقادراً على حماية حدوده، كان أكثر قدرة على التفاوض والدفاع عن مصالحه. وكلما غرق في الفوضى والحرب، أصبح أكثر انشغالاً بجراحه الداخلية. ولذلك فإن إضعاف الدولة السودانية ليس بالضرورة هدفاً ثانوياً في الحساب الإثيوبي؛ بل قد يكون جزءاً من هندسة بيئة استراتيجية مريحة لأديس أبابا.
وليس غريباً، في هذا السياق، أن تتقاطع الحسابات الإثيوبية مع أجندات إقليمية أخرى، وعلى رأسها الحسابات الإماراتية والإسرائيلية في القرن الأفريقي والبحر الأحمر. فالإمارات وسعت خلال السنوات الماضية حضورها في المنطقة عبر الاستثمارات والعلاقات السياسية والأمنية، بينما ظلت إسرائيل تراقب البحر الأحمر والقرن الأفريقي باعتبارهما مجالين بالغَي الحساسية لأمنها ومصالحهابالاضافة الي سياستها نسف الاقليم عبر استمرار الازمات والحروب ، وفي السودان تتقاطع بعض هذه المصالح مع الرغبة في إضعاف الدولة المركزية وإعادة تشكيل موازين القوى الداخلية والإقليمية.
لكن أخطر ما في هذه المعادلة أن السودان لم يعد يتعامل مع تمرد داخلي وحسب؛ بل يجد نفسه أمام شبكة من المصالح العابرة للحدود، حيث يأتي السلاح من الخارج، والمرتزقة من الخارج، والتدريب من الخارج، ثم يُطلب من السودانيين أن يخوضوا حرباً داخلية وأن يتظاهروا بأن كل شيء شأن سوداني داخلي.
وهذه هي المفارقة الكبرى في قصة مليشبا الدعم السريع وحلفائه ‘ مليشيا تتحدث عن الديمقراطية وهي تستعين بالمرتزقة، وتحدث العالم عن المشروع السياسي بينما تتلقى الإمداد من الخارج، وتبحث عن شرعية لا تستطيع إنتاجها إلا فوق أنقاض الدولة. أما الحركة الشعبية–الحلو و جوزيف توكا، فقد وجدت نفسها في هذه المعادلة وكأن التاريخ منحها فرصة جديدة لتعيد إنتاج خطاب قديم بأدوات أكثر سوءاً ، فبدلاً من أن تكون قضية سياسية تبحث عن حل سوداني، تتحول الحركة إلى ورقة في لعبة إقليمية أكبر منها.
وكأن جوزيف توكا والدعم السريع قد اكتشفا معاً أن أفضل طريقة لحل أزمة السودان هي استيراد مزيد من البنادق إلى السودان!
أما الأدلة على الدعم الإثيوبي فلم تعد خافية أو مجرد حديث سياسي. فقد كشفت رويترز في فبراير 2026 عن معسكر سري في إقليم بني شنقول-غوموز الإثيوبي، يضم آلاف المقاتلين المرتبطين بمليشيا الدعم السريع، مع تقديرات بوجود نحو 4,300 مقاتل يخضعون للتدريب، فيما أشار التحقيق إلى أن المنشأة يمكن أن تستوعب أعداداً أكبر بكثير. كما رصدت صور الأقمار الصناعية توسعاً في منشآت عسكرية ومطار اصوصا .
ولم تقف الأدلة عند رويترز. فقد خلص مختبر الأبحاث الإنسانية في جامعة ييل إلى وجود مؤشرات متعددة داخل قاعدة أصوصا التابعة لقوات الدفاع الإثيوبية، منها وصول ناقلات تجارية تحمل مركبات لا تتطابق مع أنماط النقل العسكري الإثيوبي المعتادة، واستمرار وجود مركبات خفيفة وحاويات ونشاط لوجستي متصل بالدعم السريع. وفي تقرير لاحق، قال المختبر إن النشاط في القاعدة استمر خلال الفترة اللاحقة، بما في ذلك تعديل مركبات وطلاؤها بألوان متسقة مع مركبات الدعم السريع وتجهيزها بما يتسق مع التسليح.
وهكذا يصبح المشهد شديد الوضوح: معسكر هنا، ومركبات هناك، وحاويات تصل، وشاحنات تتحرك، ومليشيا تتقدم داخل السودان، ثم تخرج أديس أبابا لتقول إن كل هذا لا علاقة لها به. إنها واحدة من تلك المعجزات السياسية التي لا تحدث إلا في القرن الأفريقي: الأسلحة تصل وحدها، والمركبات تتحرك وحدها، والمقاتلون يتدربون وحدهم، والمطارات تتوسع وحدها، ثم تتبخر المسؤولية وحدها!
وفي تطور يكشف سرعة التحولات الميدانية، أشار تقرير ييل إلى استمرار النشاط العسكري واللوجستي في أصوصا ، بما يعزز المخاوف من استخدام المنطقة كمنصة دعم للعمليات المرتبطة بالنيل الأزرق.
وفي قراءة لأهداف حكومة آبي أحمد من هذا التصعيد، يبدو أن الحساب يتجاوز المكاسب التكتيكية المباشرة. فإشعال جبهة النيل الأزرق يضغط على الجيش السوداني، ويفتح عليه محوراً جديداً، ويمنح حلفاء إثيوبيا من المليشيا والحركة الشعبية فرصة للتموضع قرب الحدود، كما يوفر لأديس أبابا ورقة إضافية في حساباتها مع مصر حول مياه النيل وسد النهضة.
لكن المشكلة أن آبي أحمد قد يكون بالغ في تقدير قدرته على اللعب بالنار.
فإثيوبيا نفسها ليست دولة بلا جروح. شعب اقليم التيغراي لم
يتحول إلى صفحة مطوية بمجرد توقيع اتفاق سلام، وأمهرة تعاني من صراع مسلح مع الحكومة الفيدرالية، فيما يستمر التحدي الأورومي، ولا تزال مناطق أخرى تعاني اضطرابات أمنية متكررة. وحتى بني شنقول-غوموز، التي يُفترض أن تكون قاعدة خلفية هادئة للعب خارج الحدود، ليست بمنأى عن الاضطرابات المسلحة.
إن فتح جبهة سودانية جديدة بينما تعاني إثيوبيا من أزمات داخلية متعددة لهو انتحار استراتجي لابي احمد
أما مليشيا الدعم السريع، التي وجدت في الحدود الإثيوبية منفذاً جديداً للحركة والإمداد، فيبدو وكأنها تعيش على وهم أن الجغرافيا يمكن أن تمنحها دولة. لكن الجغرافيا لا تصنع الدول، والمليشيات لا تتحول إلى دول بمجرد احتلال المدن، والمرتزقة لا يصنعون شرعية، وان سلاح دولة الامارات لا يستطيع أن يمنح مشروعاً سياسياً حياة دائمة.
والأمر نفسه ينطبق على جناح جوزيف توكا في الحركة الشعبية–شمال. فالتاريخ لا يرحم الحركات التي تسمح بتحويل قضاياها السياسية إلى أدوات في مشاريع الآخرين. وعندما تصبح الحركة المسلحة جزءاً من منظومة إقليمية تستهدف الدولة السودانية، فإنها تفقد تدريجياً أي ادعاء بأنها تتحرك فقط من أجل قضايا محلية.
أما السيطرة على الكرمك وقيسان وسركم والمناطق الحدودية، إن استمرت وتوسعت، فإنها لا تمثل مجرد مكاسب عسكرية للدعم السريع والحركة الشعبية، وإنما محاولة لتغيير طبيعة الحدود نفسها وتحويلها إلى منطقة نفوذ مسلح محمية بالعمق الإثيوبي. وهذا هو الخطر الحقيقي.
لكن هنا ينبغي ألا تخطئ أديس أبابا الحساب.
فالسودان دولة تمتلك ذاكرة ووعي وجساره ، والحدود مع اثيوببا ليست خطوطاً مرسومة على الخرائط فقط، والنيل الأزرق ليس مجرد مجرى مائي يمر في السودان؛ إنه جزء من الأمن القومي السوداني، وأي محاولة لفرض أمر واقع عسكري على أراضي السودان ستجد أمامها حقاً أصيلاً للدولة السودانية في الدفاع عن سيادتها ووحدة أراضيها.
ومن حق السودان، حكومة وشعباً وقوات مسلحة، أن يدافع عن أرضه وسيادته بكل الوسائل المشروعة التي يتيحها القانون الدولي. بل إن انتظار السودان حتى تدخل القوات الأجنبية علناً إلى أراضيه ثم مطالبته بضبط النفس سيكون وصفة سياسية لإلغاء مفهوم السيادة نفسه.
إن السودان لا يبحث عن حرب مع إثيوبيا، ولا يحتاج إليها، ولا ينبغي أن تكون الحرب خياره الأول. لكنه في الوقت ذاته لا يستطيع أن يقبل أن تتحول حدوده إلى ممر آمن للسلاح والمرتزقة ، أو أن تصبح مدنه وقراه حقلاً لتجارب المليشيات المدعومة من الخارج.
ومن هنا فإن الرد السوداني لا ينبغي أن يكون انفعالياً، بل يجب أن يكون استراتيجياً عسكريا دبلوماسياً، قانونياً، استخبارياً، وإعلامياً، وأن يوضع المجتمع الدولي أمام حقيقة واضحة مفادها أن دعم اثيوبيا لمليشيات مسلحة تعمل على تفكيك دولة عضو في الأمم المتحدة ليس سياسة حسن جوار ، وأن استخدام أراضي اثيوببا لتدريب وتسليح قوة تقاتل داخل السودان لا يمكن تغطيته إلى الأبد ببيانات النفي.
أما السيناريوهات المستقبلية في النيل الأزرق فتظل مفتوحة. السيناريو الأول هو استمرار المواجهات في نطاق محدود نسبياً، مع احتفاظ القوات المسلحة السودانيه بالدمازين وتواصل الاشتباكات في المناطق الحدودية. وهذا السيناريو قد يبقى قابلاً للاحتواء إذا تراجعت الإمدادات الخارجية ونجحت الضغوط الدبلوماسية.
أما السيناريو الثاني فيتمثل في استمرار التقدم التدريجي للدعم السريع والحركة الشعبية نحو الداخل، ومحاولة قطع خطوط الإمداد وتطويق الدمازين وتحويلها إلى ساحة استنزاف. وهذا هو السيناريو الذي يجب على السودان التعامل معه بجدية، خصوصاً في ضوء التقارير التي وثقت النشاط العسكري واللوجستي في أصوصا .
وفي هذا ستكتشف أديس أبابا أن اللعبة التي بدأت بها ليست لعبة بلا ثمن. فالتوسع في استخدام الأراضي الإثيوبية منصة للحرب داخل السودان يمكن أن يحول النزاع من حرب فى السودان إلى أزمة إقليمية مباشرة، وقد يدفع السودان إلى إعادة تعريف قواعد الاشتباك مع كل طرف يشارك في الحرب ضده.
وستكتشف إثيوبيا، بعد فوات الأوان، أن محاولة تحويل اقليم النيل الأزرق إلى خاصرة رخوة للسودان ستنتج العكس تماماً توحيد الإرادة السودانية حول القوات
المسلحة ، والنجده لحماية الحدود، وتعزيز الحكومة السودانية للتعاون الإقليمي الرافض للتمدد الإثيوبي، وتحويل الملف من ورقة ضغط على الخرطوم إلى عبء استراتيجي على أديس أبابا نفسها.
وهنا تكمن المفارقة التي ربما لم ينتبه إليها مهندسو هذه اللعبة ، ان السودان الذي يريدون إضعافه سيخرج من الأزمة أكثر وعيا تجاه أمن حدوده، وأكثر قوة في الدفاع عن سيادته، وأكثر استعداداً لبناء شبكة تحالفات إقليمية تحول دون تكرار التجربة.
إن أخطر خطأ يمكن أن تقع فيه ابي احمد هو الاعتقاد أن انشغال السودان بحرب مليشيا الدعم السريع واعوانها من الخارج يعني أنه فقد القدرة على الدفاع عن حدوده. السودان قد يكون مثقلاً بالجراح، لكنه ليس بلا أنياب. وقد تكون الدولة السودانية منشغلة بإعادة بناء مؤسساتها، لكنها لن تقبل أن تتحول أراضيها إلى حديقة خلفية للمليشيات الإقليمية.
والرسالة هنا يجب أن تكون واضحة: السودان لا يريد الحرب مع إثيوبيا، لكنه لن يقبل العدوان الإثيوبي. لا يبحث عن احتلال أراضٍ إثيوبية، لكنه لن يسمح باحتلال أراضيه عبر وكلاء. لا يريد تدمير استقرار المنطقة، لكنه لن يشتري الاستقرار بثمن سيادته.
لقد أخطأ الدعم السريع حين ظن أن المرتزقة والسلاح الخارجي يستطيعان اختصار الطريق إلى السلطة، وأخطأت الحركة الشعبية–شمال حين سمحت بأن تتحول قضيتها إلى بند في أجندات الآخرين، وقد تخطئ أديس أبابا إذا تصورت أن السودان مجرد مساحة جغرافية يمكن العبث بها من وراء الحدود.
أما السودان، فإن أمامه خياراً واحداً لا ثاني له: أن يدافع عن أرضه، وأن يحمي حدوده، وأن يستخدم كل أدوات الدولة في مواجهة أي عدوان، مع إبقاء الباب مفتوحاً للدبلوماسية متى احترمت الأطراف الأخرى سيادته.
فالدولة التي لا تدافع عن حدودها تشجع الآخرين على اختراقها، والدولة التي تسمح بتحويل حدودها إلى ممر للعدوان تفقد بالتدريج قدرتها على حماية شعبها.
وفي النهاية، فإن النيل الأزرق ليس ملكاً لأديس أبابا، والدمازين ليست ورقة تفاوض إثيوبية، والسودان ليس ساحة تدريب للدعم السريع، ولن يكون جوزيف توكا بوابة عبور لمشروع إقليمي يريد أن يعيد رسم السودان بالدم.
وقد يكون من المفيد جداً لأصحاب نظرية “السودان السهل” أن يتذكروا درساً بسيطاً من التاريخ: الجغرافيا قد تسمح لك ببدء الحرب، لكنها لا تضمن لك نهايتها.
ومن يفتح باب النار على جاره، لا يملك ضمانة أن الريح ستظل طوال الوقت تهب في الاتجاه الذي يريده.
وربما تكون المفارقة الأكبر أن سد النهضة الذي أرادته إثيوبيا رمزاً للقوة والنفوذ قد يتحول، إذا أسيء استخدام الجغرافيا السياسية المحيطة به، إلى رمز لشيء آخر تماماً: أن الدول لا تعيش بالسدود وحدها، وأن الأمن الحقيقي لا يصنعه الابتزاز، وأن الجار الذي تحاول إنهاكه قد يجد نفسه، بعد أن يلتقط أنفاسه، واقفاً على قدميه وهو يسأل ببساطة:
من قال إن السودان سيبقى جالساً يتلقى الضربات إلى الأبد؟

المقالة السابقة

ما بعد الفرحة الكبرى… ننتظر خيرًا أكبر للمغترب السوداني .. د. حنان درار سيد إدريس

المقالة التالية

هل نحن في دولة أم في شركة خاصة للإمتيازات؟ .. د. عبدالمولى موسى محمد

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *