ليست كل الانتصارات تصنع في ساحات القتال، ولا كل الثورات تكتب بياناتها في مقار الأحزاب، ثمة ثورات صامتة تبدأ من ضمير إنسان وتنتهي بإعادة الاعتبار لقيمة العدالة. وما جرى في ولاية الجزيرة حين رفض الطلاب قرار إيقاف معلمهم بدعوى إعاقته واحتشدوا دفاعاً عنه حتى اضطرت وزارة التربية والتعليم إلى التراجع عن قرارها لم يكن مجرد احتجاج طلابي عادي، بل كان درساً بليغاً في معنى الكرامة الإنسانية وفي قدرة المجتمع على تصحيح أخطاء السلطة عندما تغيب عنها البصيرة.
لقد أعاد هذا المشهد إلى ذاكرتي رأياً أعلنته منذ عام 1994 ب(حلة خوجلي) عندما كنا نتسامر ونتجاذب أطراف الأفكار مع مجموعة من الأصدقاء، ومفاده أن المجتمع السوداني في كثير من الأحيان يسبق حكوماته في وعيه الأخلاقي والحقوقي، فالدولة قد تتأخر في استيعاب التحولات الإنسانية، أما المجتمع حين تتحرك فطرته السليمة فإنه يصبح أكثر عدلاً من النصوص وأكثر إنصافاً من القرارات الإدارية إن الإعاقة ليست عجزاً عن أداء الرسالة، وإنما العجز الحقيقي هو أن تتحول الإعاقة إلى سبب للتمييز والإقصاء، فالإنسان لا يقاس بما فقد من قدراته الجسدية، وإنما بما يملك من علم، وخبرة، وكفاءة وإرادة.
ومن المؤسف أن تظل بعض المؤسسات أسيرة نظرة تقليدية ترى في الإعاقة سبباً لإهدار الحقوق، بينما تجاوز العالم هذا الفهم منذ عقود لقد شكّل القانون الدولي لحقوق الإنسان تحولا جذريا في النظر إلى الأشخاص ذوي الإعاقة فلم يعد يُنظر إليهم باعتبارهم موضوعا للرعاية والشفقة وإنما باعتبارهم أصحاب حقوق كاملة غير منقوصة وجاءت اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة لتؤكد هذا التحول فنصت على المساواة وعدم التمييز وكفلت الحق في العمل، والتعليم والمشاركة الكاملة في الحياة العامة، وألزمت الدول بإزالة العوائق التي تحول دون اندماجهم في المجتمع لا بإقصائهم منه. كما أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان قرر منذ مادته الأولى أن جميع البشر يولدون أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق، بينما كرس العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية، والاجتماعية والثقافية حق كل إنسان في العمل والتعليم دون أي تمييز وهو ما يجعل أي قرار إداري يقوم على الإعاقة وحدها قرثارا يصطدم مع المبادئ المستقرة في القانون الدولي لحقوق الإنسان.
لقد انتقلت فلسفة القانون الدولي من مفهوم الرعاية إلى مفهوم التمكين، وهذا ما يؤكد عليه كبار فقهاء القانون الدولي وحقوق الإنسان، إذ يرون أن الدولة لا تفي بالتزاماتها بمجرد الامتناع عن التمييز، وإنما تصبح ملزمة باتخاذ تدابير إيجابية تكفل المساواة الفعلية وتزيل الحواجز التي تمنع الأشخاص ذوي الإعاقة من ممارسة حقوقهم على قدم المساواة مع الآخرين، فالمساواة ليست أن يعامل الجميع بالطريقة نفسها، وإنما أن تهيأ لكل إنسان الظروف التي تمكنه من ممارسة حقه كاملاً.
ولذلك فإن القضية التي شهدتها الجزيرة ليست قضية معلم بعينه، وإنما قضية فلسفة كاملة في إدارة المرفق العام، فالمعلم الذي يقف أمام طلابه ويزرع فيهم المعرفة لا يفقد أهليته لأن جسده يحمل إعاقة، بل قد يكون أكثر قدرة على صناعة الأمل لأنه يقدم لطلابه درساً يومياً في الصبر، والإرادة والانتصار على القيود.
أما الصورة الأكثر إشراقا في هذه الواقعة فهي صورة الطلاب لقد أدرك هؤلاء الشباب بعفويتهم ما غاب عن بعض صناع القرار وهو أن الكرامة الإنسانية ليست منحة تمنحها الإدارة وإنما حق أصيل لا يجوز مصادرته وقفوا إلى جانب معلمهم لا بدافع العاطفة وحدها، وإنما بدافع الإيمان بأن العدالة لا تتجزأ وأن من يفرط اليوم في حق معلمه قد يجد غداً من يفرط في حقه. ولعل أجمل ما في هذه الحادثة أنها تؤكد أن المجتمع لا يزال يمتلك مناعته الأخلاقية، ففي زمن كثرت فيه صور اللا مبالاة خرج هؤلاء الطلاب ليقولوا إن الوفاء قيمة، وإن الإنسانية أقوى من البيروقراطية وإن احترام الإنسان لا يقاس بسلامة الجسد، بل بعظمة الرسالة التي يؤديها.
لقد أحسنت الوزارة حين تراجعت عن قرارها لأن الرجوع إلى الحق فضيلة وتصحيح الخطأ يعزز الثقة في المؤسسات أكثر مما يضعفها، غير أن الواقعة ينبغي ألا تنتهي عند حدود التراجع، بل يجب أن تكون منطلقا لمراجعة السياسات الإدارية، وتدريب القيادات التعليمية على مبادئ حقوق الإنسان وترسيخ ثقافة عدم التمييز في جميع مؤسسات الدولة.
إن الدول تقاس اليوم بمدى احترامها للفئات الأكثر احتياجاً للحماية، لا بقدرتها على إصدار القرارات. والمجتمعات المتحضرة ليست تلك التي تشفق على الأشخاص ذوي الإعاقة، وإنما تلك التي تزيل كل حاجز يحول بينهم وبين ممارسة حقوقهم كاملة.
سيذكر التاريخ هذا المشهد بوصفه انتصاراً للوعي قبل أن يكون انتصاراً لمعلم. وسيبقى أولئك الطلاب شهوداً على أن الضمير الجمعي قد يهزم القرار الإداري وأن العدالة مهما تأخرت تجد دائماً من يدافع عنها.
لقد انتصر المعلم، لكن الانتصار الأكبر كان للكرامة الإنسانية، تلك الكرامة التي لا تعرف إعاقة، ولا تعترف بتمييز ولا تخضع إلا لميزان الحق والعدالة.


