> قد تنجح في جمع المختلفين حول طاولة… لكن ذلك لا يعني أنك نجحت في جمعهم حول وطن.
في المقال السابق، لم نبحث عن حوار سوداني فاشل لنضعه في قفص الاتهام، ولم نقل إن تاريخنا السياسي كان مجرد سلسلة من الموائد التي لم تُطعم البلاد سلامًا على العكس، بعض الحوارات نجح في إيقاف الحرب، وبعضها فتح أبوابًا دستورية وسياسية كان يمكن أن تقود إلى مسارات مختلفة.
لكن ثمة سؤالًا أكثر عمقًا ، لماذا كانت بعض التسويات تنجح في إيقاف الأزمة، ثم تعجز الدولة لاحقًا عن منع عودتها؟
وهنا تبدأ #أصل_القضية.
المشكلة ليست في الطاولة… بل في هندسة الطاولة ، في التجربة السودانية، كثيرًا ما بدأ الحوار من سؤال: من يجلس؟
بينما كان السؤال الأهم:
ما القواعد التي تحكم الجلوس، وما الذي سيحدث بعد أن يغادر الجميع الطاولة؟
فالتمثيل ليس مجرد عدد مقاعد.
هناك فرق بين أن تكون حاضرًا في الحوار، وأن تشعر أن وجودك مؤثر في نتيجته، وأن تثق بأن ما ستوافق عليه لن يُعاد تفسيره لاحقًا خارج الطاولة.
ولهذا تصبح شرعية الحوار جزءًا من نجاحه، لا مجرد مقدمة بروتوكولية له.
ثم تأتي معضلة القوة
الحوار السياسي لا يحدث في فراغ.
خلف كل طرف قوة سياسية، أو عسكرية، أو اجتماعية، أو اقتصادية، أو جماهيرية.
وحين لا تُدار هذه القوى أو تُضبط بقواعد واضحة، قد يتحول الحوار من مساحة للبحث عن مصلحة وطنية مشتركة إلى ساحة جديدة لإعادة اختبار النفوذ.
عندها لا يعود السؤال:
ماذا يحتاج السودان؟
بل:
ماذا يستطيع كل طرف أن ينتزع؟
وهنا تتحول العملية السياسية من صناعة تسوية إلى إدارة مساومة.
لكن إدارة تفاوت القوة لا تعني تجاهله ، بل تعني تحويله من أداة ضغط إلى قوة تفاوض منضبطة بقواعد وطنية.
أما العقدة الأكبر فهي: الثقة
لا يمكن بناء تسوية مستدامة بأدوات سياسية بينما يعيش المجتمع والدولة والقوى السياسية في حالة شك متبادل.
فالطرف الذي يدخل التفاوض وهو يعتقد أن الآخر يستخدم الاتفاق لكسب الوقت، سيوقع بحسابات مؤقتة.
والطرف الذي يعتقد أن الاتفاق مجرد محطة للوصول إلى السلطة، لن يراه عقدًا وطنيًا.
ولهذا فإن الثقة ليست قيمة أخلاقية تكميلية؛ إنها مورد استراتيجي.
ومن منظور رؤية الجسر والمورد، يمكن أن نقول:
الثقة رأس مال لا يظهر في الموازنة العامة، لكنه قد يكون أهم من كثير من الموارد التي تظهر فيها.
وحين يتآكل هذا الرأس المال، تصبح الطاولة مزدحمة بالمتحدثين… وفارغة من القدرة على تصديق بعضهم بعضًا.
ثم يأتي السؤال الذي قتل اتفاقات كثيرة بصمت:
من ينفذ؟
قد تنتج الطاولة وثيقة ممتازة، لكن الوثيقة وحدها لا تبني دولة.
من يملك القرار التنفيذي؟
من يملك الموارد؟
من يراقب التنفيذ؟
ماذا يحدث إذا تراجع أحد الأطراف؟
ومن يضمن ألا تتحول التوصيات إلى أرشيف سياسي جميل؟
ولعل التاريخ السوداني قدم أكثر من مثال على هذه الفجوة؛ اتفاقات استطاعت أن توقف القتال أو تفتح باب التسوية، لكنها لم تجد دائمًا مؤسسات قادرة على حماية ما اتُّفق عليه وتحويله إلى واقع مستدام.
هنا تظهر فجوة الحوار والتنفيذ وهي المسافة بين ما تتفق عليه النخب وما تستطيع مؤسسات الدولة تطبيقه على الأرض.
وقد تكون هذه الفجوة أخطر من الخلاف نفسه.
وهناك خطأ آخر: استعجال النتائج
في الأزمات العميقة، تميل الأطراف إلى تحميل العملية السياسية أكثر مما تحتمل.
يُطلب منها أن توقف الحرب، وتعيد بناء الدولة، وتحقق العدالة، وتكتب الدستور، وتقسم السلطة والثروة، وتعيد النازحين، وتحل مشكلة الجيوش، وتصالح المجتمع… دفعة واحدة.
لكن التسوية الناجحة تحتاج إلى هندسة زمنية.
ما الذي يجب أن يحدث أولًا؟
ما الذي يمكن الاتفاق عليه الآن؟
وما الذي يحتاج إلى مؤتمر دستوري لاحق؟
وما الذي يجب أن تسبقه ترتيبات أمنية؟
> إن وضع كل القضايا في سلة واحدة قد يبدو شاملًا، لكنه قد يجعل السلة نفسها أثقل من أن تُحمل.
ثم نصل إلى أخطر ما يمكن أن يحدث:
أن يتحول الحوار إلى غاية بدل أن يكون وسيلة.
أن يصبح نجاحه هو انعقاد المؤتمر، وصورة القاعة، وعدد المشاركين، والبيان الختامي.
بينما النجاح الحقيقي يبدأ بعد إطفاء الأضواء.
هناك فقط نعرف:
هل تغيرت قواعد اللعبة؟
هل أصبحت الدولة أكثر قدرة؟
هل شعر المواطن أن الاتفاق يخص حياته لا النخب وحدها؟
هل عاد الأمن إلى حياته اليومية؟
هل تحسنت فرصه وحقوقه؟
وهل أصبح الاختلاف السياسي ممكنًا دون العودة إلى السلاح؟
فالسلام الذي يراه المتفاوضون في الوثيقة، ولا يراه المواطن في أمنه ومعيشته وحقوقه، يظل سلامًا ناقصًا مهما كانت أناقة صياغته.
وهنا نصل إلى خلاصة التاريخ:
الحوار السوداني لم يكن دائمًا عاجزًا عن إنتاج الاتفاق؛ كان أكثر عجزًا عن إنتاج البيئة التي تجعل الاتفاق مستدامًا.
ومن منظور رؤية الجسر والمورد، فإن إدارة الحوار ليست إدارة للكلمات، بل إدارة لموارد الصراع نفسه:
السلطة، والثروة، والأمن، والهوية، والثقة، والعدالة، والفرص.
فإذا أعدنا توزيع الكلمات دون إعادة تنظيم هذه الموارد، فقد ننجح في إنتاج وثيقة جديدة… ونترك أسباب الأزمة القديمة في أماكنها.
ولهذا لا ينبغي أن ندخل أي حوار قادم بعقلية:
«هذا الحوار سيفشل.»
ولا بعقلية:
«هذا الحوار سينجح.»
بل بعقلية أكثر نضجًا:
> لنحكم على الحوار من تصميمه، وعلى التسوية من قابليتها للتنفيذ، وعلى النجاح من قدرتها على منع عودة الأزمة.
فالسودان لا يحتاج إلى طاولة أجمل من سابقاتها.
إنه يحتاج إلى طاولة تعرف أين كانت الطاولات السابقة تنكسر.
في المقال القادم، نضع الحوار المرتقب أمام هذا الاختبار:
السودان.. هل تغيّرت الطاولة أم تغيّر اللاعبون؟
يتبع…


