Popular Now

السودان بعد الخرطوم… معركة دارفور وإعادة تشكيل الدولة (20)السودان بين الحراك الدبلوماسي والتطورات الميدانية: هل تتجه الحرب نحو مرحلة جديدة؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

وجه الحقيقة | أمننا المائي… على حافة العطش .. إبراهيم شقلاوي

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد السودان… من يصنع الأبطال؟ .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

السودان بعد الخرطوم… معركة دارفور وإعادة تشكيل الدولة (20)السودان بين الحراك الدبلوماسي والتطورات الميدانية: هل تتجه الحرب نحو مرحلة جديدة؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

تشهد الأزمة السودانية في الأيام الأخيرة حراكاً سياسياً ودبلوماسياً متسارعاً، بالتوازي مع استمرار التطورات العسكرية في عدد من الجبهات، الأمر الذي يعكس دخول الحرب مرحلة أكثر تعقيداً، حيث تتداخل فيها التحركات الإقليمية والدولية مع الصراعات الداخلية، في ظل محاولات متزايدة لإعادة تشكيل المشهد السياسي والأمني في السودان.
فقد برزت العاصمة الإثيوبية أديس أبابا مرة أخرى مركزاً للحراك الدبلوماسي، عقب مشاركة السفير السوداني لدى إثيوبيا في اجتماع ضم رؤساء أجهزة الاستخبارات ومديري المخابرات في دول شرق ووسط إفريقيا، حيث دعا إلى موقف إفريقي أكثر حزماً تجاه قوات الدعم السريع، مطالباً بتفعيل الآليات الإفريقية لمواجهة ما وصفه بتهديدات تمس أمن واستقرار السودان والإقليم.
وتعكس هذه الخطوة إدراك الخرطوم لأهمية البعد الإفريقي في إدارة الأزمة، خاصة بعد أن أصبحت الحرب ذات انعكاسات مباشرة على أمن الحدود، وحركة اللاجئين، والجريمة المنظمة، وانتشار السلاح في الإقليم.
وفي السياق ذاته، برزت مؤشرات على تنسيق عربي أمريكي بشأن السودان، بعد مباحثات جمعت الأمين العام لجامعة الدول العربية مع مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون الإفريقية والشرق الأوسط، حيث تناولت المشاورات تطورات الأوضاع في السودان وليبيا، في إشارة إلى تزايد الاهتمام الدولي بملفي البلدين باعتبارهما من أكثر بؤر عدم الاستقرار في المنطقة.
ويبدو أن واشنطن وبعض العواصم العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بشأن مستقبل التسوية السياسية، ومنع اتساع دائرة الصراع بما يهدد أمن البحر الأحمر ومنطقة الساحل والقرن الإفريقي.
وعلى الصعيد العسكري، تجددت الاشتباكات في منطقة كاودا، المعقل الرئيسي للحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، وسط تقارير عن صراعات بين أجنحة داخل الحركة. وإذا صحت هذه التقارير، فإنها قد تشير إلى وجود تباينات سياسية وتنظيمية قد تؤثر في تماسك الحركة خلال المرحلة المقبلة، إلا أن طبيعة هذه التطورات ودوافعها ما تزال بحاجة إلى تأكيد من مصادر مستقلة.
وفي تطور آخر أثار اهتماماً واسعاً، أدلى اللواء حاتم باشات، وكيل جهاز المخابرات العامة المصرية الأسبق والخبير الأمني والاستراتيجي، بتصريحات تناولت طبيعة الحراك الإسلامي في السودان، معتبراً أنه ليس تنظيماً سياسياً يمكن تفكيكه ولا ظاهرة عابرة يمكن القضاء عليها، بل يمثل – وفق رؤيته – جزءاً من التكوين التاريخي والاجتماعي للدولة السودانية.
وأشار باشات إلى أن الدولة السودانية الحديثة امتداد لتراكمات تاريخية تعود إلى السلطنة الزرقاء وسلطنة دارفور، وأن الهوية الإسلامية تشكل أحد أهم مكونات البناء الاجتماعي والثقافي والسياسي في السودان. وتمثل هذه التصريحات قراءة تاريخية وسياسية تعبر عن وجهة نظر صاحبها، وقد جاءت في سياق الجدل الذي أعقب العقوبات الأمريكية الأخيرة على شخصيات وكيانات سودانية مرتبطة بالحركة الإسلامية.
وفي المقابل، يرى باحثون آخرون أن مستقبل السودان يتطلب صياغة عقد سياسي جديد يقوم على المشاركة الواسعة، وسيادة القانون، وبناء مؤسسات الدولة على أساس المواطنة، بما يستوعب مختلف التيارات السياسية والفكرية دون إقصاء.
وفي الداخل السوداني، استمرت النقاشات حول عدد من القضايا المثيرة للجدل، من بينها مزاعم تنازل عن أراضٍ سودانية مقابل ترتيبات عسكرية، وهي مزاعم لم تقدم بشأنها حتى الآن أدلة موثقة أو مواقف رسمية تؤكد صحتها، الأمر الذي يستدعي التعامل معها بحذر إلى حين اتضاح الحقائق.
كما برزت تصريحات لرئيس حركة تحرير السودان موسى هلال حول مبادرة تفويض رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، إلى جانب تقارير عن تغييرات ميدانية داخل قوات الدعم السريع، اعتبرها مراقبون مؤشراً على استمرار إعادة ترتيب القيادة والانتشار العسكري داخل هذه القوات.
اقتصادياً، تناولت تصريحات وزير المالية الدكتور جبريل إبراهيم تأثير العقوبات المرتبطة بقطاع الذهب على التعدين السوداني، في ظل اعتماد الاقتصاد السوداني بصورة كبيرة على صادرات الذهب كمصدر رئيسي للعملات الأجنبية، وهو ما يطرح تحديات إضافية أمام الحكومة في إدارة الاقتصاد خلال فترة الحرب.
قراءة استراتيجية
تشير هذه التطورات مجتمعة إلى أن الحرب السودانية لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، وإنما أصبحت ساحة تتقاطع فيها الحسابات الإقليمية والدولية، بينما تستمر الأطراف الداخلية في إعادة ترتيب مواقعها سياسياً وعسكرياً.
كما تكشف التحركات الإفريقية والعربية والأمريكية عن تزايد الإدراك بأن استمرار الصراع دون تسوية سياسية سيؤدي إلى تداعيات تتجاوز حدود السودان، لتشمل أمن القرن الإفريقي، والبحر الأحمر، وليبيا، ومنطقة الساحل.
ويبقى نجاح أي مسار سياسي مرهوناً بقدرته على معالجة جذور الأزمة السودانية، وبناء توافق وطني واسع يحقق الأمن والاستقرار ويحافظ على وحدة الدولة ومؤسساتها، بعيداً عن منطق الإقصاء أو الحسم العسكري المنفرد.

المقالة السابقة

وجه الحقيقة | أمننا المائي… على حافة العطش .. إبراهيم شقلاوي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *