قرأت مقال د. مرتضى الغالي “مأزق صمود.. أم مأزق الوطن مع الكيزان؟” باعتباره رداً على مقالي “الحوار السوداني… ومأزق صمود”. واختلافي معه ليس موضع إشكال، فالنقد حق، والاختلاف في قراءة المواقف السياسية أمر طبيعي. لكن الإشكال يبدأ حين لا يعود الرد إلى النص الذي كتب، وإنما إلى نص آخر يُبنى افتراضات ثم توجه إليه أحكام. هنا يصبح السؤال مشروعاً: هل نحن أمام نقد للفكرة، أم محاكمة للكاتب؟
أشار الدكتور للكاتب بعبارة “أحد الكتاب الراتبين”، مع أن المقال منشور باسمي وعنواني. وتلك ليست القضية المركزية، وإن كانت نسبة الرأي إلى صاحبه من مقتضيات الأمانة المهنية حين يكون النص محل تفنيد. الأهم أن الاسم غاب عن صدر الرد، بينما حضرت، تصنيفات سياسية نسبت إلى الكاتب مواقف لم يكتبها. وهذه ليست مسألة شكلية، لأنها تنقل النقاش من اختبار الحجة إلى اختبار هوية صاحبها.
ولنكن دقيقين: لم أقل إن “صمود” عميلة للإمارات، ولم أقل إنها تدعم الدعم السريع، ولم أقل إنها تطالب بحصانة سياسية، ولم أجزم بأنها ستعمل على إفشال الحوار عبر قوى أجنبية. ما طرحته كان قراءة لمواقف معلنة، وأسئلة حول أثر المرجعيات الخارجية في استقلال القرار السوداني، واحتمالات لمسار الحوار. وكنت واضحاً في أن الاتهامات لا تتحول إلى إدانات إلا عبر التحقيق والقضاء. وهذا مبدأ لا يتغير بتغير الأشخاص أو التنظيمات.
أما عنوان “مأزق صمود” ، فلم يكن حكماً بالإدانة ، وإنما سؤالاً سياسياً، هل اعتراضها ينصب على شروط الحوار وضماناته وآلياته، أم يمتد إلى رفض الحوار من حيث المبدأ؟ السؤال مشروع، كما أن حق “صمود” في رفض الحوار مشروع. ولا أرى تعارضاً بين الأمرين ، فالتحليل السياسي لا يلغي موقفها، كما أن حقها في الرفض لا يعافيها من النقد.
ومن اللافت أن التطورات بدأت تعزز صدقية السيناريو الرابع الذي طرحته في “الحوار السوداني… ومأزق صمود” ، والقائم على احتمال حدوث مراجعات داخل “صمود” مع تطور مسار الحوار. فموقف د. مريم الصادق المهدي، بتأكيدها أن رفض الحوار وحده لا يصنع بديلاً، وأن الشروط تحتاج إلى التزام متبادل، يمثل شاهداً عملياً يعضد هذا الاحتمال. ولا يعني ذلك أن السيناريو تحقق أو أن موقف “صمود” قد حُسم، وإنما أن أحد مؤشراته بدأ يظهر في الواقع، بما يؤكد وجاهة قراءة الاحتمالات.
كذلك لم أقل إن الحوار ينبغي أن يبدأ بإقصاء “صمود” . بل إن البدء بمن حضر، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام من اختار عدم المشاركة، قد يكون خياراً عملياً، بشرط أن تثبت الآلية استقلالها ونزاهتها. فالحوار لا يحتاج إلى إجماع يسبقه حتى يبدأ، لكنه يحتاج إلى قواعد تضمن ألا يتحول إلى غطاء لإرادة طرف، أو إلى منصة لإقصاء طرف آخر.
وهنا تتضح المسافة المهنية التي أنطلق منها. أنا لا أكتب دفاعاً عن “صمود” ولا خصومة معها، ولا أكتب دفاعاً عن السلطة أو ضدها. أتعامل مع مواقف القوى السياسية باعتبارها مادة للتحليل، وأضعها جميعا أمام الأسئلة ذاتها، ما مصدر الموقف؟ مامرجعيته ، ما أثره على الدولة؟ وما الذي يمكن أن يترتب عليه في مسار الحرب والسلام والانتقال ؟ وهذه الأسئلة لا تتبدل بتبدل أسماء القوى أو مواقعها.
ومن المنطلق نفسه تحدثت عن المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية والحزب الشيوعي وغيرها. المبدأ عندي واحد: لا إقصاء بالانتماء السياسي، ولا حصانة من القانون بالانتماء السياسي. من تثبت عليه جريمة يُحاسب أمام القضاء، ومن لم تثبت عليه جريمة لا ينبغي أن يُعاقب لمجرد انتمائه. فالدولة التي تجعل الهوية السياسية بديلاً عن العدالة لا تؤسس ديمقراطية، وإنما تعيد إنتاج الإقصاء بأسماء جديدة.
وقد نختلف حول الجيش، والثورة، وفض الاعتصام ، والحرب، والرباعية، والحوار، وكلها قضايا مشروعة للنقاش. لكن لا يصح أن تُستخدم هذه القضايا لإضافة مواقف إلى نص لم يقلها صاحبها، ثم محاسبته عليها. فالفارق بين الاحتمال والاتهام، وبين السؤال والحكم، وبينه التحليل والإدانة، هو جوهر المسؤولية في الكتابة السياسية.
ومن حق القارئ، قبل أن يسأل: من هو الكاتب؟ وإلى أي جهة ينتمي؟ أن يسأل سؤالاً أبسط وأهم: ماذا كتب؟ وهل حجته صحيحة أم خاطئة؟ فالأفكار كما تعلم يا دكتور، لا تكتسب صحتها بانتماء أصحابها، ولا تفقدها لمجرد اختلافنا معهم.
لذلك لا أرى أن القضية بين مرتضى الغالي وإبراهيم شقلاوي. القضية أوسع من ذلك: كيف ندير اختلافنا في بلد أنهكته الحرب والاستقطابات؟ إذا كنا نريد حواراً سودانياً حقيقياً، فعلينا أن نمارس قواعد الحوار في كتاباتنا أولاً ، أن نختلف دون تخوين، وننتقد دون تصنيف، ونقرأ النص كما هو، لا كما نريد له أن يكون.
أنا لا أدعي امتلاك الحقيقة، ولا أطلب من أحد شهادة سياسية. أكتب، أحلل، أطرح الأسئلة، وأترك للقارئ حق الحكم. وإذا كان ما كتبته موضع نقد، فأهلاً بالنقد، بل إن قوة الفكرة تُقاس بقدرتها على الصمود أمام النقد. أما أن يُعاد تشكيل النص، ثم يُحاكم صاحبه على ما لم يقله، فهنا يصبح من حق القارئ أن يسأل: مرتضى الغالي استاذ الإعلام هذا نقد أم محاكمة؟
ويظل #وجه_الحقيقة كما ينبغي أن يكون، مساحة للحقيقة والحوار، لا ساحة لمحاكم الخصومة السياسية والإعلامية. فالسودان يحتاج إلى خطاب يزن كلماته بقدر ما يزن مواقفه، ويحتكم إلى القانون والعقل لا إلى التخوين والإقصاء. لذلك نؤكد، السلاح للدولة، والسياسة للانتخابات، والجرائم للعدالة، والقرار للشعب.
دمتم بخير وعافية.
الخميس 3 سبتمبر 2026م Shglawi55@gmail.com
#الحوار_السوداني #مرتضى_الغالي #النقد_السياسي #حرية_الرأي #أخلاقيات_الكتابة #المهنية_الإعلامية #لا_للتخوين #الحوار_لا_الإقصاء #السلاح_للدولة #القرار_للشعب #إبراهيم_شقلاوي


