Popular Now

السودان في سبتمبر 2026: بين تسارع الحسم العسكري، وتحدي الحوار الداخلي، وتصاعد التدخلات الإقليمية (61 .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. السودان.. هل تغيّرت الطاولة أم تغيّر اللاعبون؟ (٣-٣) .. د. محمد أحمد أبوبكر- باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

الساحل الإفريقي: صراع السيادة وإعادة التشكيل الجيوبوليتيكي (7) نحو أي مستقبل تتجه دول الساحل الافريقي؟ .. د. اسماعيل الناير .. مدير مركز انماء للدراسات الاستراتجية

السودان في سبتمبر 2026: بين تسارع الحسم العسكري، وتحدي الحوار الداخلي، وتصاعد التدخلات الإقليمية (61 .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

دخلت الحرب السودانية مع مطلع سبتمبر 2026 مرحلة جديدة تتداخل فيها ثلاثة مسارات بصورة غير مسبوقة: تطور ميداني يميل لمصلحة الجيش في عدد من الجبهات، حراك سياسي واسع لإطلاق حوار سوداني–سوداني، وتصاعد التنافس الإقليمي والدولي حول مستقبل الدولة السودانية.
واللافت أن المسارين العسكري والسياسي لم يعودا متناقضين بالضرورة؛ فالجيش يحاول تحسين موقعه الميداني، بينما تسعى القيادة السياسية إلى فتح مسار داخلي للحوار، في وقت تتزايد فيه الضغوط الخارجية لإعادة تشكيل مسار الحرب والتفاوض.
أولاً: الجيش يعلن أن مرحلة جديدة من العمليات قد بدأت
التصريحات الأخيرة للفريق أول ركن ياسر العطا تمثل مؤشراً مهماً على طبيعة المرحلة المقبلة. فقد أعلن أن التحرك العسكري القادم سيكون واسعاً ومتواصلاً، مؤكداً أن مجلس الأمن أو الإمارات لن يتمكنا من إيقاف تقدم القوات المسلحة. وتأتي هذه التصريحات في سياق تحركات عسكرية متزامنة في أكثر من محور. �
Sudan Tribune
المهم في هذه التصريحات ليس الجانب التعبوي فقط، وإنما أنها تكشف عن ثقة القيادة العسكرية بامتلاك المبادرة العملياتية، خصوصاً بعد استعادة الجيش مواقع مهمة في كردفان، وفتح طرق باتجاه دارفور، مع استمرار الضربات الجوية والطائرات المسيّرة ضد مواقع الدعم السريع. �
Sudan Tribune
وهنا يمكن قراءة التطور العسكري في إطار ثلاثة أهداف:
تأمين المناطق التي استعادها الجيش.
قطع طرق الإمداد القادمة من الغرب والجنوب والشرق.
تهيئة الظروف لعمليات برية أوسع في دارفور وكردفان والنيل الأزرق.
لكن ينبغي الحذر من اعتبار هذه التطورات نهاية قريبة للحرب؛ فالدعم السريع لا يزال يمتلك قدرات عسكرية وشبكات إمداد وتحالفات محلية وإقليمية، ولذلك فإن المرحلة المقبلة قد تكون مرحلة استنزاف عالية الكلفة إذا لم يترافق التقدم العسكري مع مسار سياسي وطني.
ثانياً: الحوار السوداني–السوداني يدخل مرحلة الاختبار الحقيقي
ربما يكون التطور السياسي الأهم في هذه المرحلة هو انتقال فكرة الحوار السوداني–السوداني من مجرد دعوة سياسية إلى عملية لها هياكل وأسماء وشخصيات ومسار تحضيري.
وقد أبدت القيادة السودانية استعداداً لتوفير ضمانات للمشاركين، بما في ذلك تعليق بعض الإجراءات القانونية بحق المشاركين في الحوار، وهو ما اعتُبر محاولة لإزالة أحد أكبر الحواجز أمام مشاركة القوى السياسية. �
مدى مصر
والأهم أن الاتحاد الأفريقي عاد للتحرك ميدانياً داخل السودان، حيث زار وفد مجلس السلم والأمن الأفريقي الخرطوم والتقى القيادة السودانية ورئيس الوزراء والقوى السياسية، وبحث الأوضاع السياسية والأمنية والإنسانية والاقتصادية. لكن الاتحاد الأفريقي لم يمنح المبادرة الداخلية «شيكاً على بياض»، وإنما يبحث مدى شموليتها واستقلاليتها وقدرتها على إنتاج تسوية سياسية حقيقية. �
مدى مصر
وهنا تكمن أهمية المبادرة السودانية:
هل يكون الحوار حواراً لإنهاء الحرب وبناء الدولة، أم يتحول إلى إعادة ترتيب للنخبة السياسية؟
هذا هو السؤال المركزي.
فالنجاح يتطلب أن يتجاوز الحوار الاستقطاب القديم بين:
القوى المؤيدة للجيش.
القوى المدنية المعارضة للحرب.
القوى السياسية المرتبطة بالدعم السريع.
الحركات المسلحة.
القوى الاجتماعية والأهلية.
الشباب والمرأة.
السودانيين في الداخل والخارج.
ومن هنا فإن شرعية الحوار لن تأتي من الجهة التي أطلقته فقط، وإنما من درجة اتساع المشاركة وحرية النقاش وقدرة المشاركين على الوصول إلى عقد سياسي جديد.
ثالثاً: لماذا يرفض بعض قادة «صمود» الحوار الداخلي؟
رفض بعض قيادات تحالف «صمود» للمسار الذي تقوده الخرطوم يعكس أزمة أعمق من مجرد خلاف على مكان الحوار.
هناك سؤال مشروع ينبغي طرحه:
لماذا تصر بعض القوى على أن يبدأ الحل من الخارج، بينما تصر قوى أخرى على أن يبدأ من الداخل؟
المشكلة أن الاعتماد المفرط على الخارج يجعل القرار السوداني عرضة لتوازنات الدول الراعية، بينما يؤدي الحوار الداخلي المنغلق إلى خطر أن يتحول إلى حوار للنخب المتحالفة مع السلطة.
والحل ليس في إلغاء أحد المسارين.
الأفضل هو حوار سوداني داخلي واسع، يحظى بغطاء إقليمي وأفريقي ودولي، وليس حواراً سودانياً يُدار من الخارج.
وهذه نقطة جوهرية.
فالآلية الخماسية التي تضم الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والجامعة العربية والإيقاد ظلت تسعى إلى جمع الأطراف السودانية، لكنها تواجه انقسامات عميقة بين القوى السياسية نفسها. �
Sudan Tribune
رابعاً: الاتحاد الأفريقي أمام فرصة تاريخية
عودة الاتحاد الأفريقي إلى الخرطوم يمكن أن تكون بداية تحول في العلاقة بين السودان والمنظمة القارية.
فالاتحاد الأفريقي كان قد علّق عضوية السودان بعد أزمة 2021، وظل يشترط مساراً سياسياً موثوقاً ووقفاً للحرب قبل العودة الكاملة. �
مدى مصر
لكن السودان اليوم يحتاج إلى دور أفريقي أكثر توازناً:
لا دور يفرض حكومة أو قيادة سياسية، ولا دور يساوي بالضرورة بين المؤسسات الوطنية والجماعات المسلحة، وإنما دور يساعد السودانيين على بناء تسوية داخلية.
وهذا يتطلب من الاتحاد الأفريقي:
دعم وحدة السودان.
رفض إنشاء حكومات موازية.
دعم الحوار الداخلي.
الضغط لوقف التدخلات الخارجية.
حماية المدنيين.
دعم إعادة بناء مؤسسات الدولة.
خامساً: الحرب تتحول بصورة متزايدة إلى حرب إقليمية
أخطر تطورات الحرب السودانية أنها لم تعد محصورة داخل الحدود.
فالتوتر مع تشاد، والتحركات عبر الحدود الإثيوبية، وتدفق الأسلحة والمقاتلين، كلها تجعل السودان جزءاً من صراع جيوسياسي واسع في منطقة الساحل والقرن الأفريقي والبحر الأحمر.
وهذا ما يجعل قضية الحدود أكثر حساسية من أي وقت مضى.
فأي ضربة داخل أراضي دولة مجاورة، أو عبور لقوافل عسكرية، أو استخدام قواعد خارجية لإمداد أحد طرفي الحرب، يمكن أن يحول الحرب السودانية من نزاع داخلي إلى أزمة أمن إقليمي مفتوحة.
ومن هنا فإن المجتمع الدولي مطالب بمعالجة أصل المشكلة: وقف تدفق السلاح والمرتزقة عبر الحدود، وليس التركيز فقط على منع القوات السودانية من استخدام قدراتها الجوية.
سادساً: الولايات المتحدة ومشكلة الثقة
التصريحات الأخيرة لياسر العطا جاءت في سياق توتر واضح مع واشنطن، خصوصاً بعد التحركات الأميركية داخل مجلس الأمن بشأن توسيع القيود على السلاح والطائرات المسيّرة في السودان. �
Sudan Tribune
وهنا تظهر معضلة سياسية خطيرة:
إذا فرضت القيود بصورة متساوية على الجيش والدعم السريع، فقد ينشأ انطباع لدى قطاعات واسعة من السودانيين بأن المجتمع الدولي يساوي بين مؤسسة الدولة والجماعة المسلحة.
لكن في المقابل، فإن استمرار الحرب دون قيود على الأطراف يزيد الكلفة الإنسانية.
الحل الواقعي ليس حظر السلاح بصورة عامة، وإنما:
حظر موجه على الجهات التي تثبت مسؤوليتها عن استهداف المدنيين، مع ضمان حق الدولة في الدفاع عن أراضيها ومؤسساتها، وتجفيف مصادر تمويل وتسليح الجماعات المسلحة.
سابعاً: الاقتصاد والجنيه السوداني.. الجبهة التي لا تقل أهمية عن الجبهة العسكرية
التطورات العسكرية والسياسية تنعكس مباشرة على الاقتصاد.
وتراجع قيمة الجنيه يمثل أحد أخطر مؤشرات الحرب، لأن انهيار العملة يعني ارتفاع أسعار الغذاء والدواء والطاقة، وبالتالي اتساع دائرة المعاناة الاجتماعية.
وفي المقابل، فإن الحكومة تحاول الانتقال من إدارة الأزمة إلى إعادة بناء الدولة والاقتصاد.
وهذا يتطلب:
إعادة تشغيل المؤسسات الحكومية.
إعادة بناء البنية التحتية.
إصلاح النظام المصرفي.
ضبط سوق الصرف.
زيادة الإنتاج الزراعي.
إعادة تشغيل الموانئ والمطارات.
تطوير التعدين.
إعادة بناء قطاع الطاقة.
ومن المؤشرات المهمة في هذا الاتجاه توجه الحكومة لتخفيف الرسوم الجمركية على الطاقة الشمسية، وهو قرار له بعد استراتيجي، لا اقتصادي فقط.
فالحرب أظهرت هشاشة شبكة الكهرباء السودانية، كما أدت الضربات والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية إلى تفاقم أزمة الطاقة. �
Reuters
وبالتالي فإن الطاقة الشمسية يمكن أن تتحول من حل إسعافي إلى جزء من استراتيجية الأمن الطاقي السوداني بعد الحرب.
ثامناً: إثيوبيا والسدود.. الأمن المائي يعود إلى واجهة الصراع
التطورات الأخيرة في ملف السدود الإثيوبية تضيف بعداً استراتيجياً جديداً.
فالسودان ليس مجرد دولة تقع في منتصف حوض النيل، وإنما هو الدولة التي تقع جغرافياً بين إثيوبيا ومصر، ويتأثر بصورة مباشرة بأي تغيرات في إدارة مياه النيل الأزرق.
وقد تصاعدت خلال الأسابيع الماضية المخاوف المصرية والسودانية من الإجراءات الإثيوبية الأحادية في إدارة مياه النيل، بينما تؤكد أديس أبابا حقها في التنمية وتوليد الطاقة. �
Al Jazeera +١
وهنا يجب أن تنظر الخرطوم إلى القضية من زاوية الأمن القومي السوداني، بعيداً عن الاصطفاف الكامل مع أي طرف.
السودان يحتاج إلى:
اتفاق ملزم بشأن تشغيل السدود وتبادل البيانات والإخطار المسبق وإدارة سنوات الجفاف والفيضانات.
فالأمن المائي السوداني يجب ألا يتحول إلى ورقة في الصراع المصري–الإثيوبي.
تاسعاً: هل تقترب الحرب من نقطة التحول؟
يمكن القول إن الحرب دخلت مرحلة انتقالية، لكن ليس من الممكن الجزم بأنها وصلت إلى نهايتها.
هناك مؤشرات لصالح الجيش:
استعادة مناطق مهمة.
تحسن القدرة الجوية.
تزايد الانشقاقات داخل الدعم السريع.
عودة مؤسسات الدولة إلى الخرطوم.
تحسن العلاقات مع عدد من الدول.
تنامي الحضور التركي والسعودي والمصري والروسي.
وفي المقابل، ما زالت هناك عوامل تجعل الحرب مستمرة:
اتساع الجغرافيا.
استمرار الدعم الخارجي.
الحدود المفتوحة.
الاقتصاد الحربي.
الانقسامات السياسية.
وجود قوى مسلحة خارج إطار الدولة.
لذلك فإن السيناريو الأقرب ليس بالضرورة انتصاراً عسكرياً سريعاً، وإنما صراع يجمع بين الضغط العسكري والتفاوض السياسي.
عاشراً: المعادلة الجديدة للسودان
يمكن اختصار المشهد السوداني في بداية سبتمبر 2026 في معادلة واحدة:
تقدم عسكري + حوار داخلي + ضغط دولي + تدخلات إقليمية + أزمة اقتصادية = لحظة إعادة تشكيل الدولة السودانية.
وهذه اللحظة يمكن أن تقود إلى أحد طريقين:
السيناريو الأول: التسوية الوطنية
يتقدم الجيش ميدانياً، لكن يتم فتح حوار سوداني واسع، وتنتهي الحرب باتفاق يضمن وحدة الدولة ونزع سلاح الجماعات وإعادة بناء المؤسسات.
السيناريو الثاني: حرب استنزاف طويلة
تستمر التدخلات الخارجية، وتتوسع الحرب عبر الحدود، ويستمر الدعم العسكري للطرفين، فتتحول الأزمة إلى صراع طويل شبيه بنزاعات إقليمية أخرى.
السيناريو الثالث: التحول الحاسم
يحدث انهيار عسكري أو سياسي كبير في أحد طرفي الحرب، فتنتقل البلاد بسرعة إلى مرحلة إعادة ترتيب سياسي وأمني.
الخلاصة
السودان يقف اليوم أمام فرصة تاريخية ومخاطر تاريخية في الوقت نفسه.
الفرصة تتمثل في أن التطورات العسكرية، وعودة الدولة إلى الخرطوم، والحراك الأفريقي، وفتح باب الحوار، كلها تتيح إمكانية بناء مسار سوداني جديد.
أما الخطر فهو أن تتحول الحرب إلى صراع إقليمي مفتوح، وأن تصبح المبادرات الخارجية بديلاً عن الإرادة السودانية.
والقاعدة التي ينبغي أن تحكم المرحلة المقبلة هي:
الحوار سوداني، والقرار سوداني، والسلام سوداني، مع الاستفادة من الدعم الأفريقي والعربي والدولي دون السماح بتحويل السودان إلى ساحة لتصفية صراعات الآخرين.
إن المعركة القادمة لن تكون فقط معركة السيطرة على مدينة أو إقليم؛ بل ستكون معركة من يملك حق صياغة مستقبل السودان: السودانيون أم القوى الخارجية؟
ومن هنا، فإن نجاح الحوار السوداني–السوداني سيكون في جوهره معركة لاستعادة القرار الوطني، بينما يمثل بناء الدولة وإعادة مؤسساتها الطريق الحقيقي لإنهاء آثار الحرب، وليس مجرد وقف إطلاق النار.
د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب
الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات
الخرطوم – السودان

المقالة السابقة

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. السودان.. هل تغيّرت الطاولة أم تغيّر اللاعبون؟ (٣-٣) .. د. محمد أحمد أبوبكر- باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *