Popular Now

يوميات الحرب على السودان (62) السودان بين تصعيد الميدان واختبار الحوار الداخلي.. دارفور في قلب المعادلة ومناوي بين الموقف السياسي وضغوط الحرب .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. السودان.. المعركة القادمة .. د. محمد أحمد أبوبكر- باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

وجه الحقيقة | مرتضى الغالي… نقد أم محاكمة؟ .. إبراهيم شقلاوي

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. السودان.. المعركة القادمة .. د. محمد أحمد أبوبكر- باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

> قد تنتهي الحرب عندما تصمت البنادق، لكن أخطر المعارك تبدأ عندما يكتشف الناس أنهم لم يعودوا يثقون في بعضهم.

المعركة القادمة في السودان قد لا تبدأ برصاصة قد تبدأ بفكرة، بخبر كاذب، بخطاب كراهية، أو بتحويل مواطن إلى متهم، ومختلف إلى عدو، وناجٍ إلى خائن لذلك فالسؤال الذي ينبغي أن يشغلنا اليوم ليس فقط: كيف ننهي الحرب؟ ، بل: ماذا سيحدث للسودان بعد أن تنتهي؟ ، فالتاريخ السياسي لا يعيد الأحداث دائمًا؛ أحيانًا يعيد الآليات.
قبل ديسمبر ٢٠١٨م تراكمت أزمات اقتصادية وسياسية واجتماعية، وتآكلت الثقة وانسدّت الآفاق، ثم انفجر الشارع.
وقبل أبريل ٢٠٢٣م كان هناك انتقال سياسي هش، ومؤسسات متنازعة، وأزمة في العلاقة بين المدني والعسكري، واختلال في إدارة القوة، فانفجر الصراع المسلح.
اختلفت اللحظتان، لكنهما تلتقيان عند حقيقة واحدة..

> حين يُستنزف الإنسان طويلًا، يصبح المجتمع أكثر قابلية للانفجار.

لكن الفوضى القادمة قد لا تعود بالصورة نفسها.

● قد لا تحتاج إلى دبابات في الشوارع.

● قد تأتي في صورة مجتمع لا يثق في نفسه.

● وهنا تدخل القوة الناعمة إلى قلب المعركة.

فالقوة اليوم ليست فقط سلاحًا أو مالًا أو سيطرة على الأرض هناك قوة تعمل بين المعلومة والعاطفة، وبين القناعة والسلوك القدرة على التأثير في ما يراه الإنسان صحيحًا، ومن يثق به، ومن يخاف منه، وما يعتبره ممكنًا أو مستحيلًا.

لذلك لم يعد السؤال فقط من يملك القوة على الأرض؟ بل من يملك القدرة على تشكيل الإنسان الذي سيعيش على هذه الأرض؟

> فالسيطرة على الأرض تمنح نفوذًا على اللحظة، أما التأثير في الإنسان فيمنح نفوذًا على ما بعدها.

يخرج السودان من هذه الحرب بجروح عميقة. لكن الخطر الأكبر أن تتحول الجروح إلى هوية، وأن يتحول الألم إلى انتقام، وأن يصبح سؤال «أين كنت؟» أقوى من سؤال «ماذا نستطيع أن نبني معًا؟».

هنا تبدأ عملية إفراغ الإنسان قبل الناس. فالإنسان لا يُفرَّغ عندما يفقد المال فقط؛ قد يفقد الأمل، ثم الثقة، ثم القدرة على التفكير النقدي، ثم الإحساس بالمصلحة المشتركة، ثم الإيمان بأن المختلف يمكن أن يكون شريكًا في الوطن وعندما يحدث ذلك يصبح أكثر قابلية للتعبئة: بالخوف، والكراهية، والانتقام، والروايات الجاهزة. عندها لا تحتاج الفوضى إلى من يصنعها كل صباح؛ يكفي أن يصبح المجتمع قادرًا على إنتاجها بنفسه.
> ولهذا ستكون المعركة القادمة، في جانب كبير منها، معركة على السردية.

من يملك تفسير الماضي؟
من يحدد الوطني والخائن؟
من يروي الحرب؟
ومن يقرر من يستحق العودة أو العزل أو العقاب؟
هذه ليست أسئلة هامشية؛ إنها أسئلة تأسيسية للدولة القادمة. إذا تُركت الإجابة عنها للغضب، ستصبح الذاكرة وقودًا لصراع جديد.
أما إذا أُديرت بالحقيقة والعدالة والمصالحة، فقد تتحول الذاكرة إلى درس وطني.

في رؤية الجسر والمورد، لا تُقاس الأزمة فقط بما تهدمه، وإنما بما تتيحه من فرصة لإعادة بناء ما كان مستحيلًا قبلها ، فالجسر ليس منشأة تصل بين ضفتين فقط إنه الثقة، أي رأس المال الاجتماعي الذي يسمح للمختلفين بالعيش والعمل تحت سقف وطن واحد.
والمورد ليس الذهب والنفط والماء والأرض وحدها.

المورد الأول هو الإنسان.
العقل، والمعرفة، والمهارة، والخبرة، والقدرة على الإنتاج والتعاون.

ولهذا فإن إعادة إعمار السودان لا ينبغي أن تكون إعادة بناء الحجر وحده. فالطرق والكهرباء والمدارس والمستشفيات ضرورية، لكن كل ذلك يمكن أن يُهدم إذا لم نُعد بناء الإنسان الذي يحميه ويحافظ عليه.

> الدولة يمكن أن تُبنى بالحجر، لكن الوطن لا يُبنى إلا بالإنسان.

ومن هنا يحتاج السودان إلى قوة ناعمة وطنية تعيد بناء الداخل من خلاا إعلام يبني الثقة، وتعليم ينتج عقلًا نقديًا، وثقافة تجعل التنوع مصدر قوة، ومؤسسات تستمد شرعيتها من الأداء، ومجال رقمي يواجه التضليل والكراهية بدل أن يصبح وقودًا لهما.

> المعركة القادمة إذن ليست فقط معركة من يملك السلاح. إنها معركة بين إعادة إنتاج السودان القديم، وبناء السودان الذي لم نعرفه بعد. بين تعبئة الناس وتمكين الإنسان. بين تدوير الخصومات وإعادة تعريف المصالح ،بين البحث عن المنتصر والبحث عن الوطن.

فالمواطن ليس جمهورًا نعبئه عند الحاجة؛ إنه أصل الشرعية، وأصل الاستقرار، وأصل التنمية.
ولهذا فإن حماية السودان من تكرار ديسمبر ٢٠١٨م أو أبريل ٢٠٢٣م لا تبدأ بمنع تكرار الأحداث فقط، بل بمنع إعادة إنتاج الإنسان الذي جعلها ممكنة.
فإذا أعدنا بناء المؤسسات فوق إنسان محطم الثقة، مشبع بالخوف والانتقام، فقد نبني مباني جديدة فوق الشقوق القديمة.
أما إذا بدأنا بالإنسان، فسنكون قد بدأنا من المكان الصحيح.

> فالفوضى تبدأ حين يفقد الإنسان القدرة على رؤية وطنه مشتركًا… والنهضة تبدأ حين يستعيد هذه القدرة.
#أصل_القضية..
ماذا لو كانت المعركة الحقيقية التي لم نبدأها بعد هي من سيعيد تشكيل الإنسان السوداني بعد الحرب؟

المقالة السابقة

وجه الحقيقة | مرتضى الغالي… نقد أم محاكمة؟ .. إبراهيم شقلاوي

المقالة التالية

يوميات الحرب على السودان (62) السودان بين تصعيد الميدان واختبار الحوار الداخلي.. دارفور في قلب المعادلة ومناوي بين الموقف السياسي وضغوط الحرب .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *