Popular Now

السودان بين تقرير الأمم المتحدة وتصاعد الضغوط الدولية وإعادة تشكيل موازين الحرب (64) .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. باحث في الشؤون الإفريقية والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. السودان.. صناعة الكراهية .. د. محمد أحمد أبوبكر- باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

وجه الحقيقة | زووم الحوار السوداني.. إبراهيم شقلاوي

وجه الحقيقة | زووم الحوار السوداني.. إبراهيم شقلاوي

طرحت الكاتبة لبنى أحمد حسين فكرة مميزة، لماذا لا يبدأ الحوار السوداني عبر تقنية “زووم”، ثم ينتقل إلى الحوار المباشر؟ والفكرة، بعيدًا عن أي جدل، تستحق أن تُطوّر، لأنها تضعنا أمام سؤال أكثر أهمية من وسيلة الحوار، كيف نختصر الطريق إلى التوافق، ونمنع الحوار من أن يتحول إلى مؤتمر آخر يستهلك الوقت والمال ثم ينتهي إلى بيان وصور؟

بلادنا اليوم لا تحتاج إلى المزيد من المناسبات السياسية، وإنما إلى عملية حوار لها بداية واضحة ومراحل محددة ونتيجة يمكن قياسها. ولذلك فإن “زووم” لا ينبغي أن يُفهم باعتباره بديلًا عن اللقاء المباشر، وإنما باعتباره مدخلًا عمليًا لمرحلة أولى تقلص المسافات السياسية قبل أن تُقطع المسافات الجغرافية. فليس من الضروري أن تبدأ السياسة بالطائرات والفنادق وقاعات المؤتمرات، يمكن أن تبدأ من شاشة، إذا كانت وراء الشاشة إرادة سياسية حقيقية وآلية مهنية تضمن أن يقود الحوار إلى نتيجة واعدة .

والأهم أن الظروف المهيئة لمثل هذا المسار أصبحت موجودة. فهناك بالفعل لجنة بادرت إلى تيسير الحوار، وتكوّنت وبدأت عملها، وطرحت نفسها باعتبارها لجنة تيسير مستقلة، وعقدت مؤتمرًا صحفيًا برئاسة البروفيسور قاسم بدري. وبالتالي فإن المطلوب ليس إنشاء جسم جديد يضاف إلى الأجسام القائمة، وإنما الاستفادة من هذا الجهد وتطوير دوره ليكون جزءًا من مسار تحضيري منظم وفاعل، يجمع السودانيين ولا يصادر قرارهم، ويمهد للحوار ولا يتحدث نيابة عن أطرافه.

ويضاف إلى ذلك ما طرحه وزير العدل الاسبوع الماضي من ضمانات قانونية للمشاركين، استنادًا إلى قرار الرئيس عبد الفتاح البرهان. وهذه نقطة مهمة، لأن أحد أكبر عوائق الحوار هو الشعور بعدم الأمان السياسي والقانوني. فإذا اجتمعت الضمانات القانونية مع وسيلة مشاركة عن بُعد، فإن مساحة المشاركة يمكن أن تتسع، ويصبح بالإمكان الوصول إلى قوى وشخصيات سودانية قد تحول ظروف الحرب أو تعقيدات السفر او المخاوف، دون حضورها المباشر في المرحلة الأولى.

لكن الفرصة لا تصبح مسارًا سياسيًا إلا إذا أحسنّا تنظيمها. وهنا يمكن أن تبدأ المرحلة الأولى بتقديم القوى السياسية والمجتمعية والشخصيات الوطنية أوراقًا مكتوبة تحدد رؤاها ومواقفها من القضايا الأساسية، ثم تُنظم جلسات افتراضية محددة الموضوع والزمن، تديرها لجنة التيسير بمهنية وحياد، ويجري توثيقها بصورة دقيقة. ويجب أن يكون لكل جلسة مخرج واضح: ما اتفق عليه، وما اقتربت فيه المواقف، وما ظل محل خلاف.

هذه النقطة هي أصل الفكرة. فالحوار الافتراضي لا ينبغي أن يكون مجرد حديث متبادل، وإنما ورشة سياسية لصناعة الحد الأدنى من التوافق. تُجمع المخرجات في وثيقة أولية، تُعاد إلى المشاركين لإبداء الملاحظات، ثم تُحصر القضايا التي تحتاج إلى نقاش مباشر. وبذلك عندما يجلس السودانيون حول الطاولة، لن يبدأوا من الصفر، ولن يستهلكوا وقتهم في القضايا التي أمكن الاتفاق حولها مسبقًا، وإنما يذهبون مباشرة إلى نقاط الخلاف الحقيقية.

ومن هنا تصبح الخارطة الزمنية جزءًا من جوهر العملية. يمكن أن يكون سبتمبر للتأسيس وتوسيع المشاركة وجمع الأوراق، وأكتوبر للحوار الافتراضي حول المحاور الرئيسية، والنصف الأول من نوفمبر لصياغة وثيقة التوافق الأولية، والنصف الثاني لمراجعتها وتثبيت المتفق عليه وحصر نقاط الخلاف، ثم يكون ديسمبر شهر الحوار المباشر وحسم القضايا العالقة. والهدف أن ينتهي مطلع العام 2027 متزامنا مع أعياد الاستقلال ،وقد أصبح أمام السودانيين توافق مكتوب، يحدد المستقبل.

ولا يعني التوافق أن يتفق السودانيون في كل شيء، فذلك غير واقعي في مجتمع متعدد المصالح والرؤى و التوازنات. التوافق المطلوب هو الاتفاق على القواعد التي تحمي الدولة وتدير الاختلاف. لا إقصاء سياسيًا بلا معيار وطني وقانوني، ولا شرعية سياسية يمنحها السلاح. السلاح للدولة، والسياسة للحوار والانتخابات، والجرائم للعدالة، والقرار للشعب.

كما أن نجاح الحوار لا ينبغي أن يقاس بعدد القوى التي حضرت، ولا بعدد الساعات التي قضتها أمام الشاشات، وإنما بما يتركه في حياة السودانيين. فالحوار الذي لا يقود إلى وقف الحرب، وعودة النازحين، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتحقيق العدالة، واستعادة الاقتصاد، سيظل حوارًا للنخب مهما كانت شعاراته. أما إذا نجح في إنتاج توافق يفتح الطريق إلى هذه الغايات، فإنه يتحول من نشاط سياسي إلى مشروع لإنقاذ الدولة.

لذلك بحسب #وجه_الحقيقة، فإن انعقاد المرحلة الأولى عبر تقنية “زووم” ليس بديلًا للطاولة، بل طريقًا أقصر إليها، يوفر الوقت والجهد والمال، تنظمه لجنة التيسير وتحميه الضمانات القانونية، ليتعرف السودانيون مسبقًا على مساحات الاتفاق وقضايا الخلاف. وعند الانتقال إلى الاجتماعات المباشرة داخل البلاد، يصبح حسم العوالق والتوافق ممكنًا، وصولًا إلى التوقيع في الفاتح من يناير 2027، لتكون وثيقة التوافق مرجعيةً لبرنامج وطني ملزم، لا محطةً جديدة في مسار التسويات المؤجلة.
دمتم بخير وعافية
السبت 5 سبتمبر 2026م Shglawi55@gmail.com

#الحوار_السوداني #زووم_الحوار #السودان_أولاً #التوافق_الوطني #الحوار_السوداني_السوداني #السلام_والاستقرار #السلاح_للدولة #السياسة_للحوار #العدالة_والسلام #وثيقة_التوافق

المقالة السابقة

الدعم السريع على حافة الهاوية.. هل تقفز إثيوبيا وتشاد إلى أتون حرب السودان؟ بين الاحتضان السري والتدخل المكشوف.. قراءة في حدود المغامرة الإثيوبية التشادية وكلفة إنقاذ مليشيا تنهار .. د. خالد حسين محمد

المقالة التالية

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. السودان.. صناعة الكراهية .. د. محمد أحمد أبوبكر- باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *