قبل أن يفتح الستار، يكون شيء ما قد جرى خلفه. خطوات تهيأت، و مواقف تحركت، و تفاصيل صغيرة أخذت مواقعها، حتى تأتي اللحظة التي يظهر فيها الحدث وكأنه بدأ فجأة.
هكذا هي الأحداث الكبيرة. ظاهرها لحظة، لكن وراء اللحظة قصة بدأت قبلها.
قد يكون الإعداد معلناً، كما في الانتخابات و المشروعات و الانتقالات السياسية. وقد يجري بعيداً عن الضوء؛ ببناء الولاءات، و تغيير المواقف، و تحييد من يقف في الطريق، و صناعة رواية تمهّد للصورة التي يراد لها أن تظهر.
لكن ما يتركه الإنسان وراءه من حركة و مواقف و اتصالات يمكن أن يكشف أحياناً ما جرى خلف الستار، إذا وجدت عيناً ترى، و أذناً تسمع، و عقلاً يجمع الخيوط.
درس من التاريخ
ولعل قصة عثمان بن عفان رضي الله عنه تقدم واحداً من أبلغ الأمثلة.
كان عثمان ذي النورين، أحد العشرة المبشرين بالجنة، و زوج ابنتي رسول الله ﷺ، و الرجل الذي قال فيه النبي ﷺ: (ألا أستحيي من رجل تستحيي منه الملائكة).
ومع ذلك، حين بدأت الفتنة، احتاج من أراد تغيير الواقع إلى رواية تبرر ما يريد. فبدأت تُثار حول عثمان رضي الله عنه دعاوى من بينها أن دينه ناقص لأنه لم يشهد بدراً، و لم يشهد بيعة الرضوان.
كانت الوقائع موجودة، لكن قراءتها جاءت بصورة أخرى.
ففي بدر، مرضت رقية رضي الله عنها، زوجة عثمان و ابنة رسول الله ﷺ، و كانت في حاجة إلى من يرعاها. و كان عثمان رضي الله عنه قد تهيأ للخروج مع رسول الله ﷺ و المسلمين، فأمره النبي ﷺ أن يبقى إلى جوار زوجته، يقوم على رعايتها و خدمتها. فبقي حيث أمره رسول الله ﷺ، يؤدي واجباً اختاره له النبي ﷺ.
و في بيعة الرضوان، كان عثمان رضي الله عنه في مكة في مهمة أرسله إليها النبي ﷺ إلى قريش. ثم شاع خبر مقتله، فدعا النبي ﷺ أصحابه إلى البيعة، و جعل يده عن عثمان، و قال: (هذه يد عثمان).
هكذا، حين نضع الوقائع في مكانها، تتغير الصورة تماماً.
قد تكون الواقعة صحيحة، لكن الصورة التي تُبنى منها تكون باطلة.
وهنا تكمن خطورة المشهد المصنوع: واقعة منفردة، ثم رواية حولها، ثم وقائع أخرى تُضم إليها، حتى تصبح الصورة الجديدة أقوى حضوراً من أصل الحكاية.
و السؤال السوداني
و من هنا، سؤال أجيال السودان القادمة هو:
كيف استطاع تمرد بهذا الحجم من الرجال و العتاد و الخزان البشري أن يتشكل و يتنامى عبر مراحله المختلفة، حتى انفجر بهذا الاتساع، دون أن تُقرأ مقدماته في وقت مبكر؟
فالأحداث بهذا الحجم تترك وراءها آثاراً؛ حركة، و اتصالات، و انتقالات، و تغيراً في المواقف، و إشارات تتوزع في أكثر من اتجاه. والسؤال هنا ليس عن معرفة كل تفصيل قبل وقوعه، بل عن القدرة على رؤية الاتجاه الذي تتجمع فيه التفاصيل.
و لهذا تحتاج الدولة إلى عين استراتيجية ترى، و أذن استراتيجية تسمع، و عقل استراتيجي يربط و يستشرف.
فالحدث لا يبدأ يوم وقوعه.
و حين نقرأ مقدماته مبكراً، نملك فرصة أكبر لصناعة ما يأتي، بدلاً من انتظار ما يأتي ليصنعنا.
و إذا كانت قراءة المشهد تحمي الاستقرار، فإن إعمار الأرض يصنع أساسه؛ فكلما اتسعت صناعة المستقبل، ضاقت مساحة صناعة الصراع.
و تلك هي البديهية التي تستحق أن نقرأها قبل أن يصبح الحدث تاريخاً.


