Popular Now

مسارات | القضارف بين ظلام الكهرباء ومرارة العطش…د.نجلاء حسين المكابرابي

وجه الحقيقة | السودان… جدل الجغرافيا والضمير السياسي .. إبراهيم شقلاوي

القعقاع وإيفرست أو كيف نحول الجبال إلى أوهام .. مستشار: هشام محمود سليمان

مخرجات الصراع النفسي ودورها في فض النزاع بين المتعاونين في النشاط الاجتماعي .. السودان نموذجًا .. د. حنان درار سيد إدريس

يعد الصراع النفسي من الظواهر الإنسانية الطبيعية التي تنشأ نتيجة اختلاف الرغبات أو القيم أو المصالح أو وجهات النظر بين الأفراد والجماعات. وتبرز هذه الظاهرة بصورة أوضح في البيئات الاجتماعية والتطوعية التي تعتمد على العمل الجماعي والتعاون بين أفراد ينتمون إلى خلفيات فكرية وثقافية واجتماعية متنوعة. ورغم أن الصراع غالبًا ما ينظر إليه باعتباره عاملًا مهددًا للتماسك الاجتماعي، إلا أن الدراسات النفسية والاجتماعية الحديثة تؤكد أن حسن إدارة الصراع يمكن أن يحوله إلى قوة إيجابية تسهم في بناء التوافق وتعزيز التعاون.
وتبرز أهمية هذا الطرح عند النظر إلى السودان بوصفه نموذجا غنيًا بالتجارب الاجتماعية والمجتمعية، حيث شهدت البلاد خلال العقود الماضية، ولا سيما في ظل الظروف التي فرضتها الحرب والنزوح والتحديات الاقتصادية، أشكالًا متعددة من العمل الأهلي والتطوعي والمبادرات المجتمعية التي جمعت أفرادًا وجماعات من خلفيات واتجاهات مختلفة. وقد أفرز هذا التنوع بطبيعة الحال حالات من التباين والاختلاف، إلا أن كثيرًا من هذه الخلافات تحول إلى فرص للتفاهم وإعادة بناء العلاقات عندما جرى التعامل معها بروح إيجابية.
ومن أهم مخرجات الصراع النفسي زيادة الوعي بالذات وبالآخرين، إذ يدفع الأفراد إلى مراجعة مواقفهم وفهم دوافعهم بصورة أكثر عمقًا. وفي التجربة السودانية أسهمت العديد من المبادرات المجتمعية، ولجان الإسناد، والتكايا ومشروعات العمل الطوعي في تعزيز هذا الوعي، حيث اضطر المتعاونون إلى تجاوز الخلافات الشخصية والتركيز على الاحتياجات المشتركة للمجتمع.
كما يسهم الصراع النفسي في تنمية مهارات الحوار والتواصل الفعال، وهي مهارات أصبحت أكثر أهمية في السودان خلال فترات الأزمات، عندما برزت الحاجة إلى تقريب وجهات النظر بين المجموعات المختلفة وتنسيق الجهود الإنسانية والاجتماعية. وقد أثبتت التجارب أن الحوار الصادق والاستماع المتبادل يمكن أن يخففا من حدة التوتر ويقودا إلى حلول أكثر قبولا واستدامة.
ومن المخرجات الإيجابية للصراع النفسي أيضا كشف المشكلات الحقيقية الكامنة خلف الخلافات الظاهرة. فكثير من النزاعات الاجتماعية لا يكون سببها المباشر هو الخلاف نفسه، وإنما سوء الفهم أو ضعف التواصل أو الشعور بعدم العدالة في توزيع الأدوار والمسؤوليات. وعندما تتم إدارة الصراع بصورة صحيحة يصبح وسيلة لتشخيص هذه المشكلات ومعالجتها بصورة أكثر واقعية وإنصافًا.
وفي السياق السوداني، ساعدت العديد من التجارب المجتمعية على ترسيخ ثقافة التفاوض والتنازل المتبادل من أجل المصلحة العامة، وهو ما انعكس في نجاح عدد من المبادرات المحلية التي تمكنت من تجاوز الخلافات وتحقيق أهدافها المشتركة رغم الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد.
إن استثمار مخرجات الصراع النفسي بصورة إيجابية يسهم في بناء الثقة بين المتعاونين، وتقوية الروابط الاجتماعية وتحويل الخلاف من مصدر للتفكك إلى فرصة للتعلم والتطوير. وكلما ساد الاحترام المتبادل والالتزام بالقيم المشتركة، أصبح الصراع عاملًا مساعدًا على النضج المؤسسي والاجتماعي بدلًا من أن يكون سببًا للانقسام.
وتؤكد التجربة السودانية أن المجتمعات التي تمتلك رصيدًا من قيم التكافل والتسامح والحوار قادرة على تحويل التحديات والخلافات إلى فرص لبناء التوافق وتعزيز التماسك الاجتماعي. ومن ثم فإن الصراع النفسي لا ينبغي النظر إليه دائمًا بوصفه عائقًا أمام العمل الاجتماعي، بل باعتباره أداة بناءة يمكن توظيفها في فض النزاعات، وتحقيق التفاهم، وترسيخ قيم التعاون والعمل الجماعي في خدمة المجتمع.

المقالة السابقة

الجنيه مقابل الدولار على حافة الهاوية .. قراءة في جذور الانهيار وسبل الإنقاذ الممكنة .. بقلم مستشار: أحمد حسن الفادني- باحث بمركز الخبراء العرب

المقالة التالية

القعقاع وإيفرست أو كيف نحول الجبال إلى أوهام .. مستشار: هشام محمود سليمان

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *