Popular Now

أصل القضية | السودان.. الإدارة بالخيال .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

وجه الحقيقة | المؤتمر الوطني.. من العزلة إلى العودة .. إبراهيم شقلاوي

القاهرة تفتح بوابة الشرق.. زيارة شي جين بينغ وإعادة رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط .. د. خالد حسين محمد

الخدمه المدنيه بين الأمس واليوم .. الحلقة ( 5 ) الخدمة المدنية السودانية من إرث التمكين إلى مشروع الإصلاح .. مستشار هشام محمود سليمان

إذا كان التمكين قد أفسد ميزان الخدمة المدنية، فإن أخطر ما يمكن أن نفعله اليوم هو أن نعالج التمكين بتمكينٍ جديد.
هذه هي القاعدة التي ينبغي أن تحكم أي مشروع لإصلاح الخدمة المدنية السودانية.
فالمشكلة التي خلفتها سنوات التسييس لا تُعالج بالإقصاء الجماعي، ولا بتبديل الولاءات، ولا بإحلال مجموعة سياسية مكان أخرى، وإنما بإعادة بناء المؤسسة نفسها على قواعد مهنية وقانونية لا تخضع لتقلبات السلطة.
لقد كشفت تجربة الإنقاذ أن إدخال الولاء السياسي في التعيين والترقي والإبعاد يضرب جوهر الخدمة المدنية، لأن الوظيفة العامة تتحول عندها من حق تحكمه الكفاءة إلى امتياز تتحكم فيه القوة السياسية، لكن الخروج من هذا الإرث يحتاج إلى عقل إصلاحي لا إلى عقل انتقامي.

أولًا: مراجعة شاملة لا تصفية حسابات:-
الخطوة الأولى يجب أن تكون مراجعة مؤسسية مستقلة لأوضاع الخدمة المدنية تراجع التعيينات، والترقيات، والفصل والنقل التي تمت خلال الفترات المختلفة، وفق القانون والأدلة المتاحة لا وفق الانتماء السياسي، ومن ثبت أن حقه قد انتهك يعاد إليه حقه بالوسيلة القانونية المناسبة،
ومن ثبتت مخالفته تتم محاسبته وفق القانون أما الموظف الذي أثبت كفاءته ونزاهته وأدى واجبه، فلا يجوز أن يكون ضحية لانتماء سياسي ينسب إليه أو لمرحلة تاريخية عمل خلالها، لا إصلاح بلا عدالة، ولا عدالة بلا معايير.

ثانيًا: إنهاء التمكين بكل أشكاله
لا يكفي أن نعلن انتهاء التمكين القديم ثم نسمح بولادة تمكين جديد، يجب أن ينص القانون بوضوح على تحييد الخدمة المدنية عن الأحزاب السياسية، وأن تكون التعيينات والترقيات قائمة على معايير معلنة وقابلة للطعن والمراجعة، فالوظيفة العامة ليست ملكاً للحكومة إنها ملك للدولة والمواطن.

ثالثًا: إنشاء مفوضية مستقلة للخدمة المدنية
نحتاج إلى جهة مهنية مستقلة تتولى وضع المعايير العامة للتعيين، والترقي والتقييم، وتراقب الالتزام بها وتمنع التدخلات السياسية في شؤون الخدمة المدنية
ولا تكون مهمتها إدارة الموظفين نيابة عن الوزارات، وإنما حماية المعايير المهنية والعدالة الوظيفية.

رابعًا إعادة الاعتبار للكفاءة :-
ينبغي أن يصبح السؤال في الوظيفة العامة ماذا تستطيع أن تقدم؟ لا من تعرف؟ ومن أي جهة أنت؟ ولأي حزب تنتمي؟ ويكون ذلك من خلال مسابقات واضحة، ووصف وظيفي دقيق، ومعايير معلنة واختبارات مهنية حيثما كان ذلك مناسبًا ولجان اختيار ذات كفاءة واستقلال.

خامسًا: إنقاذ الخبرة الوطنية :-
إعادة بناء السودان تحتاج إلى خبرات تراكمية لا يمكن تعويضها بسهولة لذلك يجب إنشاء برنامج وطني لحصر الكفاءات السودانية داخل البلاد وخارجها والاستفادة منها في إعادة بناء مؤسسات الدولة.
ولا ينبغي أن تكون العودة مشروطة بالولاء السياسي، وإنما بالكفاءة، والخبرة، والنزاهة والقدرة على العمل وفق القانون.

سادسًا إعادة بناء ثقافة الخدمة العامة :-
الإصلاح ليس قانونًا فقط، نحتاج إلى إعادة تدريب الموظف السوداني على مفاهيم المواطنة، الحياد، النزاهة، احترام المال العام، خدمة المواطن، حقوق الإنسان، التحول الرقمي والمساءلة. فاللوائح وحدها لا تصنع مؤسسة جيدة إذا كانت الثقافة التي تحكمها فاسدة.

سابعا حماية الموظف ومحاسبته في الوقت نفسه :-
الموظف العام يحتاج إلى حماية من التدخل السياسي والفصل التعسفي، لكنه في المقابل يجب أن يخضع للمساءلة عن الفساد والتقصير واستغلال السلطة. الحماية ليست حصانة والمساءلة ليست انتقامًا وهذه المعادلة هي أساس الخدمة المدنية الحديثة.

ثامنًا: إصلاح الأجور والحوافز :-
لا يمكن أن نطالب الموظف بالنزاهة والإبداع بينما تظل أوضاعه المعيشية عاجزة عن توفير الحد الأدنى من الاستقرار، لذلك يجب أن يرتبط إصلاح الخدمة المدنية بإصلاح هيكل الأجور والحوافز، وربط جزء منها بالأداء مع توفير بيئة عمل تحفظ كرامة الموظف.

تاسعًا: اللامركزية والعدالة في توزيع الكفاءات :-
من أخطاء الماضي أن ظلت الدولة شديدة المركزية في جوانب عديدة إعادة بناء السودان تتطلب توزيعًا أفضل للكفاءات والموارد بين المركز والأقاليم حتى لا تصبح الخدمة المدنية مرة أخرى أداة لإعادة إنتاج المركزية والاختلال التنموي.

عاشرًا ميثاق وطني للخدمة المدنية :-
ولعل السودان يحتاج بعد هذه الحرب إلى وثيقة وطنية واضحة تتوافق عليها القوى السياسية، والمهنية والمجتمعية تحدد المبادئ التي لا يجوز لأي حكومة تجاوزها، ميثاق يقوم على قاعدة واحدة: الخدمة المدنية للدولة وليست للحكومة والحكومة لخدمة المواطن وليست لامتلاك الدولة.

هذه هي الخلاصة التي ينبغي أن نخرج بها من تجربة التمكين، فالمطلوب ليس الانتقام من الماضي ولا تبرئته، المطلوب أن نفهمه،
أن نعرف أين أخطأنا ولماذا أخطأنا، ثم نبني مؤسسات تمنع تكرار الخطأ، فإذا كانت سنوات التمكين قد أضعفت مبدأ الحياد المهني فإن مرحلة إعادة بناء السودان يجب أن تعيد لهذا المبدأ مكانته، وإذا كان التمكين قد جعل الوظيفة العامة في بعض المراحل مرتبطة بالولاء، فإن الإصلاح يجب أن يجعلها مرتبطة بالكفاءة والاستحقاق
وإذا كانت السياسة قد اخترقت الخدمة المدنية، فإن الحل ليس إبعاد السياسة عن الدولة بالكامل فهذا غير ممكن في دولة ديمقراطية، وإنما وضع حدود واضحة تفصل بين حق الحكومة في رسم السياسات وحق الخدمة المدنية في تنفيذها بمهنية وحياد وهنا نصل إلى جوهر الإصلاح. نريد حكومة سياسية تضع السياسات، وخدمة مدنية مهنية تنفذها وقانونًا يراقب الجميع. وعندما نصل إلى هذه المعادلة، نكون قد بدأنا بالفعل في بناء دولة لا تتغير مؤسساتها كلما تغيرت حكوماتها، فالسودان لا يحتاج إلى تمكين جديد، السودان يحتاج إلى تمكين القانون
وهذا هو الطريق الحقيقي لإعادة بناء الخدمة المدنية وبالتالي إعادة بناء الدولة السودانية.

المقالة السابقة

اتجاهات الرأي العام السوداني نحو لجنة تهيئة الحوار السوداني–السوداني .. (الثقة، القبول المجتمعي، التمثيل، والاستقلالية وفرص النجاح)

المقالة التالية

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6236 ( بدعم من الذكاء الاصطناعي وتعليقاته في نهاية هذا المنشور ) .. يقولون أن حوار البرهان سوف يكون مع الموالين له ولذلك لا فائدة منه !! .. ترجمة المنشور 6236 للغة الإنجليزية مرفقة

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *