Popular Now

أصل القضية | السودان.. الإدارة بالخيال .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

وجه الحقيقة | المؤتمر الوطني.. من العزلة إلى العودة .. إبراهيم شقلاوي

القاهرة تفتح بوابة الشرق.. زيارة شي جين بينغ وإعادة رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط .. د. خالد حسين محمد

أصل القضية | السودان.. الإدارة بالخيال .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

ماذا لو؟ …
ماذا لو جلس مسؤول سوداني في مكتبه صباح الغد، وأغلق أمامه كل التقارير، وأبعد هاتفه قليلًا ثم سأل نفسه سؤالًا بسيطًا: كيف أريد أن أرى مؤسستي بعد خمس سنوات؟
ثم لم يكتفِ بالإجابة، بل بدأ يعمل اليوم على الصورة التي تخيلها؟
هنا يصبح الخيال شيئًا آخر. لا يعود ترفًا أدبيًا، ولا هروبًا من الواقع، وإنما يصبح أداة للإدارة.
المشكلة أننا كثيرًا ما ندير السودان من الخلف ننظر إلى ما حدث، ثم نقرر ماذا نفعل بينما الإدارة الحقيقية تبدأ من الأمام. تخيل النتيجة أولًا، ثم ارجع إلى اليوم وابنِ الطريق إليها.

لو فعلنا ذلك، لتغيرت أسئلة كثيرة؛ بدل أن يسأل مدير المؤسسة كيف نعالج العجز هذا العام؟
قد يسأل: كيف أجعل مؤسستي بعد خمس سنوات لا تعرف هذا العجز؟
وبدل أن يسأل المسؤول: كيف نخفض سعر السلعة الآن؟
قد يسأل: لماذا لا نبني نظامًا يجعل السوق أقل قابلية للانفلات أصلًا؟
وبدل أن ننتظر الأزمة حتى تقع، نسأل: كيف ستبدو الأزمة إذا جاءت؟ وماذا يجب أن نكون قد فعلناه قبل وصولها؟
هذه ليست فلسفة بعيدة عن السياسة.
انظروا إلى إسرائيل مثلًا.
نعم إسرائيل
أنا هنا لا أدافع عن إسرائيل، ولا أبرر عدوانها، ولا أتجاهل القضية الفلسطينية. لكنني أحاول أن أضع القارئ أمام سؤال مختلف، وربما مزعج: لماذا نرى إسرائيل غالبًا من خلال الدبابة والطائرة والصاروخ، ولا نراها بالقدر نفسه من خلال الجامعة، والشركة، والمختبر، والإدارة، والتخطيط، والاقتصاد والتكنولوجيا؟

حتى الخطاب العربي اليوم، في كثير من الأحيان، يختزل التفوق الإسرائيلي في السلاح والعدوان.

لكن ماذا لو قلبنا زاوية النظر؟

ماذا لو تعاملنا مع إسرائيل –في التحليل الاستراتيجي– بوصفها نموذجًا يجب أن نفهم كيف استطاع أن يبني تفوقًا في المعرفة، والإدارة، والتخطيط، والاقتصاد والتكنولوجيا، ثم نأخذ ما يمكن أخذه، ونرفض ما نرفضه سياسيًا وأخلاقيًا؟
فالخصم لا يُهزم دائمًا بأن تكرهه أكثر.أحيانًا تهزمه حين تفهم لماذا تفوق.

والقرآن نفسه يلفت النظر إلى نمط من سلوك الخصم حين يقول: ﴿لا يُقاتلونكم جميعًا إلا من وراء جُدُر﴾.
الآية في سياقها القرآني ليست وصفًا مطلقًا لكل مواجهة، لكنها تفتح بابًا مهمًا في فهم سلوك الخصم ، أن تعرف كيف يفكر، وكيف يتحرك، وأين تكمن قوته وحدوده وهذه هي الفكرة التي نحتاجها في السودان.

أن نتوقف عن إدارة أزماتنا وفق حجم الضجيج حولها، ونبدأ بإدارتها وفق الصورة التي نريد الوصول إليها. ذلك هو معنى «الإدارة بالخيال»:
– أن يتخيل وزير مؤسسته بعد خمس سنوات، ثم يبني سياساته اليوم على ذلك التخيل.
– أن يتخيل الاقتصادي سوقًا سودانيًا أقل هشاشة، ثم يبحث عن الأدوات التي تصنعه.
– أن يتخيل المخطط مدينة تستوعب ملايين النازحين والعائدين، ثم يبدأ التخطيط قبل أن يعودوا.
– أن يتخيل المربي جيلًا لا يحمل الحرب إلى المدرسة، ثم يعيد بناء التعليم على هذه الصورة.
– وأن يتخيل السوداني وطنًا لا يكون فيه السؤال: من انتصر؟ بل: ماذا سنبني بعد أن انتهى كل هذا؟
هذه بالضبط جوهر رؤية الجسر والمورد.
نحن لا ننظر إلى الأزمة باعتبارها حفرة نقف أمامها، ننظر إليها باعتبارها نقطة يمكن أن يبدأ منها طريق جديد؛
– ارتفاع الأسعار يمكن أن يقود إلى إصلاح منظومة الإنتاج والتوزيع.
– انهيار المؤسسات يمكن أن يصبح فرصة لإعادة تصميمها.
– تشتت الموارد يمكن أن يصبح مدخلًا لبناء نموذج جديد لإدارتها.
– والحرب نفسها ،رغم فداحتها، يمكن أن تجبرنا على إعادة التفكير في دولة ظللنا نديرها لعقود بالطريقة نفسها.
السؤال إذن ليس: ماذا فعلت بنا الأزمة؟ السؤال الأكثر أهمية: ماذا يمكن أن نصنع نحن من الأزمة؟
فالمستقبل لا يبدأ يوم يصل، المستقبل يبدأ يوم يتخيله أحد بوضوح، ثم يقرر أن يعمل من اليوم حتى يصبح التخيل واقعًا.

وربما لهذا تحتاج بلادنا اليوم إلى شيء أكثر ندرة من الموارد: أن تتعلم كيف تتخيل ثم كيف تدير ما تخيلته.
وهنا بالضبط أصل القضية.

المقالة السابقة

وجه الحقيقة | المؤتمر الوطني.. من العزلة إلى العودة .. إبراهيم شقلاوي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *