حين تختار عاصمةُ العرب توقيتَ انحسار الهيمنة الأمريكية لتستقبل على أرضها زعيمَ القوة الصاعدة الأولى في العالم، فإن الأمر لا يكون مجرد بروتوكول دبلوماسي، بل إعلانَ موقف يقرأه العالم بأسره. زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة في مطلع سبتمبر 2026م جاءت لتطرح سؤالًا استراتيجيًّا كبيرًا: هل بدأت مصر رحلةَ استعادة قرارها المستقل، ومعها مكانتُها الطبيعية في قيادة الأمة العربية والإسلامية، بعد عقود من التقهقر تحت العباءة الأمريكية؟ هذه القراءة التحليلية تحاول الإجابة عن هذا السؤال، عبر تفكيك دلالات الدعوة، وأبعاد المشروع الأمني الصيني البديل، وحدود الرد الأمريكي الممكن.
تقهقر الدور المصري في قيادة الأمة الإسلامية في عهد الرئيس حسني مبارك؛ حيث أصبحت مصر تابعةً بالكامل لواشنطن، ولم يكن ذلك العاملَ الوحيد في تقهقر الدور المصري، بل تفاعل مع عدة عوامل داخلية، منها الأزمات الاقتصادية المتكررة والانشغال بالملفات الداخلية، بالتوازي مع محاولة قوى بديلة في المنطقة خلافةَ مصر بعد عام 2011م، مثل السعودية وقطر والإمارات، التي انتفخ رئيسُها طارحًا نفسه قائدًا للأمة العربية.
فهل تمثل زيارة الرئيس الصيني للقاهرة في مطلع سبتمبر الجاري مؤشرًا للعودة المصرية إلى مكانتها في قيادة الأمة العربية الإسلامية، وبدايةَ الخروج والانفلات من العباءة الأمريكية؟
دلالات الدعوة المصرية
على الرغم من أن صيغة الدعوة في العلاقات الدولية هي ترتيبٌ توافقي متبادل؛ فبكين لا تقبل دعوةً لا تخدم مصالحها، والقاهرة لا توجِّه دعوةً لا تخدم مصالحها، فإن الزيارة تُعد إذن رغبةً مشتركة، لكن المبادرة المصرية تحمل دلالةً مهمة؛ فمصر هي من أرادت تسجيل هذه اللحظة على أرضها وبتوقيتها.
فتوجيه الدعوة من مصر هو أول مؤشرات الخروج من العباءة الأمريكية؛ إذ من الواضح أن مصر لم تُشاور واشنطن في توجيه هذه الدعوة، لأنها لو شاورتها لما وافقت واشنطن على هذه الزيارة.
وتريد القاهرة من خلال هذه الدعوة لبكين أن تبعث برسالة إلى واشنطن مفادها أن لديها خيارات بديلة، وأن هامش حركتها الاستراتيجي غير قابل للتقييد، وأن مصر لا تريد أن تكون ساحةً للتنافس بين القوى الكبرى، بل شريكًا قادرًا على التواصل مع الجميع. وهذا يمثل أبلغ مؤشر على الانتباهة المصرية للخروج — ولو بدرجة ما — من العباءة الأمريكية، وهي تمامًا مثل الانتباهة السعودية التي أخرجتها من العباءة الإماراتية بسبب التهور الإماراتي في اليمن.
أسباب الانتباهة المصرية
فعلى الرغم من أن التوجه المصري نحو بكين مسارٌ تراكمي بدأ منذ عام 2014م، عُقدت خلاله عشر قمم بين الرئيسين، إلا أن الحرب الإيرانية الأمريكية خلقت بيئةً مواتية جعلت توقيت الزيارة أكثر دلالة؛ فالحرب كشفت حدود القدرة الأمريكية على ردع التصعيد الإقليمي أو حماية طرق الملاحة، واهتزت صورة واشنطن بوصفها الضامن الوحيد للأمن الإقليمي، وفي مثل هذه اللحظات تتسارع عادةً عملية إعادة الرهانات لدى دول المنطقة. وما كشفته الحرب الإيرانية الأمريكية من محدودية القدرات الأمريكية كان سببًا في الانتباهة المصرية؛ إذ استغلت مصر لحظة الارتباك الأمريكي لتعميق شراكة قائمة أصلًا بكلفة سياسية أقل، وبهامش مناورة أوسع مما كان متاحًا قبل الحرب.
وقد وظَّفت بكين هذه الانتباهة المصرية، مقرونةً بالضعف الأمريكي، بطرح مقترح لبناء هيكل أمني إقليمي جديد يقوم على الحوار بين دول المنطقة، ورفض التدخل الخارجي وإعطاء دول الشرق الأوسط دورًا أكبر في إدارة أمنها. واختارت بكين مصر للقيام بهذا الدور لأن مصر تجمع خمس صفات لا تجتمع في أي دولة أخرى بالمنطقة: فهي دولة عربية، وأفريقية، ومتوسطية، وعضو في مجموعة بريكس، وتتحكم في قناة السويس. وترى بكين في مصر الغطاء العربي الأعرض والأقل إثارةً للحساسيات لمشروعها الأمني البديل.
المشروع الأمني الصيني البديل
قدَّم الرئيس الصيني مقترحًا من أربع نقاط لبناء هيكل أمني جديد في الشرق الأوسط، يتمثل في الآتي:
1. الاعتماد الإقليمي الذاتي: أن تمتلك دول المنطقة زمام أمنها بنفسها، مع دور أكبر لها في صياغة الترتيبات الأمنية بدلًا من فرضها من الخارج.
2. رفض التدخل الخارجي: إدانة واضحة لمنطق القواعد العسكرية والتحالفات المفروضة، وهي إشارة إلى الوجود الأمريكي.
3. الأمن عبر التنمية: الربط بين الاستقرار الأمني والتنمية الاقتصادية، وهو جوهر العقيدة الصينية (التنمية هي مفتاح الأمن) في مقابل العقيدة الأمريكية القائمة على الردع العسكري.
4. التنسيق الدولي متعدد الأطراف: إشراك المؤسسات الدولية والقوى الكبرى بوصفها ضامنةً لا مهيمنة.
ومن الواضح أن المقترح هو إعلان ترشيح صيني لخلافة الدور الأمريكي بوصفه مرجعيةً أمنية للمنطقة، ولكن بأسلوب صيني مميز: لا قواعد عسكرية ولا التزامات دفاعية، بل رعاية اقتصادية دبلوماسية. ومن خلال ذلك أبدى الرئيس الصيني استعداد بلاده للعمل مع دول الشرق الأوسط لحماية الملاحة البحرية، وهذه أول مرة تقترب فيها بكين علنًا من ملف كان حِكرًا على الأسطول الأمريكي الخامس.
ويُعتبر المقترح شرعنةً لدور صيني متنامٍ بدأ فعليًا.
البعد الاقتصادي للشراكة
ولم تكتفِ الدولتان بالمشروع الأمني، بل عزَّزتا ذلك بنموذج أكثر توازنًا يقوم على الاستثمار والإنتاج المشترك والتصدير والتبادل التجاري؛ وقد تُرجم الاستثمار الصيني في تدشين المرحلة الثالثة من توسعات المنطقة الصناعية الصينية المصرية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، التي تشمل الطاقة المتجددة والسيارات والنسيج والألياف الكيميائية، والتوسع في صناعات السيارات الكهربائية وبناء السفن وتحلية المياه وأشباه الموصلات والأمن السيبراني وتطبيقات الفضاء وسلاسل المعادن الحرجة، هذا إضافةً إلى توسيع ترتيبات العملات المحلية وإصدار سندات الباندا الصينية، وتُعتبر هذه خطواتٌ ملموسة نحو فك الارتباط التدريجي بالدولار في التعاملات الثنائية.
دلالات الزيارة على المستويين الإقليمي والدولي
وبالتأكيد كان لهذه الزيارة تأثيرٌ ودلالات على المستويين الإقليمي والدولي:
على المستوى الإقليمي:
1. دخول الصين طرفًا معنيًا بأمن البحر الأحمر ومضيق هرمز — ولو اقتصاديًا — يُدخل لاعبًا جديدًا في معادلة كانت أمريكيةً خالصة منذ عقود.
2. الزيارة تعيد تثبيت القاهرة بوصفها عاصمةً عربية لا يمكن تجاوزها في أي ترتيب إقليمي جديد.
3. نجاح النموذج المصري في الجمع بين الشراكة الصينية والعلاقات الغربية سيغري دولًا عربية أخرى باعتماد الاتزان الاستراتيجي بديلًا عن الانحياز.
على المستوى الدولي:
1. توقيع بكين على مبدأ تنويع الشراكات في وثيقة رسمية مع دولة حليفة تاريخيًا لواشنطن هو اعتراف متبادل بأن النظام أحادي القطبية قد انتهى فعليًا.
2. توسيع تبادل العملات المحلية وسندات الباندا بين مصر والصين يضيف حلقةً جديدة إلى شبكة التسويات غير الدولارية داخل بريكس.
3. واشنطن ستراقب ما إذا كان هذا التعاون سينتقل من الاقتصاد إلى المجالات الأمنية والتكنولوجية الحساسة التي تعتبرها خطًّا أحمر.
ردود الفعل الأمريكية وخياراتها
وهذا يقودنا إلى ردود الفعل الأمريكية وخياراتها في التعامل مع هذا التقارب الصيني مع دولة تُعتبر حليفًا لواشنطن ممنوعًا الاقترابُ منه والتصوير.
القراءات الأمريكية للزيارة تتراوح بين القلق والتحذير، وقد بدأ رد الفعل الأمريكي باكرًا بعد الإعلان الرسمي عن موعد الزيارة وقبل أيام من وصول الرئيس الصيني إلى القاهرة؛ حيث أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية قيودًا على فرع مصر في الإمارات. وعلى الرغم من أن واشنطن كانت تملك ملف البنك منذ أشهر، إلا أنها لم تُعلن العقوبات إلا قبل أربعة أيام من وصول الرئيس الصيني إلى القاهرة.
وكان الهدف من هذه العقوبات رسالةً ضاغطة إلى مصر لتشكيل أجندة الزيارة نفسها؛ فلما كان من الصعوبة بمكان الضغط على القاهرة لإلغاء الزيارة، كان الضغط منصبًّا على تحديد أجندتها وعدم تجاوز الخطوط الحمراء الأمريكية.
لكن الخيارات الأمريكية العملية أمام واشنطن ضيقة؛ فبالإضافة إلى انكسار الهيبة الأمريكية بسبب الحرب مع إيران، هناك سببان يعملان على تضييق تلك الخيارات:
1. مصر شريك محوري في ملفات غزة وأمن إسرائيل وقناة السويس ومكافحة الإرهاب في سيناء، وأي ضغط مفرط قد يدفع القاهرة أسرع نحو بكين؛ فعندما علَّقت إدارة أوباما عام 2013م جزءًا من المساعدات التي تقدمها إلى مصر، سارعت مصر نحو تنويع مصادر التسليح فوضعت صفقات تسليح مع فرنسا وروسيا، وقبلها حينما وضعت أمريكا شروطًا على عبد الناصر مقابل تمويل السد العالي توجه إلى روسيا. ومن ذلك استوعبت واشنطن الدرسَ ومفاده أن الضغط على مصر يُنتج تحولًا استراتيجيًا لا انصياعًا.
2. لم توقِّع مصر اتفاقية عسكرية مع الصين، ولم تُعلن خروجًا من المدار الأمريكي، بل قدَّمت الزيارة في إطار الاتزان الاستراتيجي، مما يجعل الاعتراض الأمريكي مُحرجًا.
الحسابات المصرية الدقيقة
ويبدو أن القاهرة قد حسبت حسابًا دقيقًا لردة الفعل الأمريكي رجَّحت فيه المضيَّ قدمًا في التوجه نحو الصين، ومن ذلك:
– أولًا: المعونات الأمريكية ليست هديةً قابلة للسحب؛ فهي مرتبطة دستوريًا وسياسيًا بمعاهدة كامب ديفيد، وقطعها يعني عمليًا إعلانًا أمريكيًا بإعادة النظر في ركيزة السلام المصري الإسرائيلي، وهو ما لا تريده واشنطن ولا تل أبيب.
– ثانيًا: تتضاءل القيمة الرمزية للمعونة الأمريكية لمصر، التي لا تتجاوز 2,1 مليار دولار سنويًا، مقابل عشرة مليارات دولار استثماراتٍ صينية، وتبادل تجاري تجاوز 11 مليار دولار في النصف الأول من عام 2026م؛ فمصر لا تستبدل أمريكا بالصين، لكنها تخفض كلفة الابتزاز الأمريكي المحتمل.
– ثالثًا: أصبحت سياسة تنويع مصادر التسليح سياسةً مترسخة في مصر؛ فقد بَنى الجيش المصري عقيدةَ عدم الاعتماد على مورِّد واحد.
من ذلك نرى أن القاهرة تلعب بورقة بكين لتوسيع هامشها تجاه واشنطن، وواشنطن مكبَّلة؛ لأن معاقبة مصر تعني الإضرار بإسرائيل وغزة وقناة السويس.
لذلك سيكون الرد الأمريكي احتوائيًّا لا عقابيًّا في المدى القريب. والنتيجة المتوقعة مساومة مزمنة لا انفجار؛ شدٌّ وجذب يستمر سنوات، تخسر فيه مصر بعض الراحة المالية، وتخسر فيه واشنطن تدريجيًا احتكارَها للقرار المصري.
خاتمة: عودة الروح إلى القرار المصري
زيارة شي جين بينغ للقاهرة مطلع سبتمبر 2026م ليست حدثًا دبلوماسيًّا عابرًا، بل نقطة تحول في إعادة ترتيب النظام الإقليمي بعد الحرب الأمريكية الإيرانية؛ فمصر اختارت زمن الدعوة لبكين بذكاء، لتثبيت استقلالية قرارها وتحقيق مكاسب اقتصادية ومواقف سياسية، وبكين لبَّت الدعوة لأن مصر تمنحها قناة السويس وغطاءً عربيًّا أفريقيًّا محايدًا ومنصةً لإطلاق مشروعها الأمني البديل، مُعلنةً انتهاء حقبة القطب الدولي الواحد. وتمثل الزيارة مؤشرًا قويًّا لعودة مصر إلى موقعها الطبيعي في قيادة العالم العربي والإسلامي، بعد أن عزلها السادات باتفاقية كامب ديفيد، وحسني مبارك بارتمائه في أحضان أمريكا.
إن الدرس الذي تقدمه التجربة المصرية اليوم هو أن الدول لا تُحترم بقدر ما تنصاع، بل بقدر ما تملك من خيارات؛ فحين تتنوع الشراكات يتسع هامش المناورة، وحين يتسع الهامش يستعيد القرارُ الوطني سيادتَه. فمصر لم تنقلب على واشنطن، لكنها أعلنت ببساطة أنها لم تعد ولايةً أمريكية، وأن القاهرة — كما كانت دائمًا عبر التاريخ — بوابةُ المنطقة وميزانُها، ومن يُرد ترتيبَ بيت الشرق الأوسط فليبدأ من عاصمته.
ونضع هذه التجربة وهذا التحليل بين يدي الفريق البرهان ليعيد قراءة حساباته في التعامل مع أمريكا، وفي التوجه شرقًا نحو روسيا وبكين، وفي الحد الأدنى توقيعَ اتفاقية دفاع مشترك مع تركيا، التي ستكون أقل كلفةً، والتي ستمهد له الطريق للانضمام إلى حلف مكة؛ فالتاريخ لا يمهل المترددين، والفرص لا تطرق الأبواب مرتين.


