ربما يكون من أكبر الأخطاء التي ارتكبناها ،وما زلنا نرتكبها، أن نضع أمامنا سؤالاً من نوع: هل الإسلام يصلح للحكم أم لا؟
فهذا السؤال، في ظني، يبدأ من موضعٍ غير صحيح، الأدق أن نسأل: ماذا فعل المسلمون حين حاولوا أن يجعلوا الإسلام مرجعاً لحياتهم السياسية؟ وأين أصابوا وأين أخطأوا؟ وهل كان ما مارسوه تعبيراً عن هداية القرآن، أم عن فهمهم البشري للقرآن، أم عن صراعهم على السلطة؟
وهنا تصبح تجربة السودان مهمة، لا لأنها تمثل الإسلام، وإنما لأنها تجربة بشرية كبيرة في محاولة تحويل المرجعية الإسلامية إلى مشروع سياسي، ودولة ومؤسسات وحكم، ومن ثم فهي جديرة بالدراسة، والنقد والمراجعة، دون تقديس ولا شيطنة.
وقد خرجتُ من الاستماع إلى محاضرة الدكتور نايف بن نهار حول «أقومية القرآن» بسؤال أراه شديد الصلة بهذه القضية.
يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾
فإذا كان القرآن يهدي إلى «التي هي أقوم»، فالمسألة ليست أن نضع كلمة «إسلامي» أمام نظام سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي قائم، ثم نعتبر أننا حققنا مراد القرآن.
السؤال الأصعب هو:
– هل القرآن هو الذي يقود طريقة تفكيرنا أصلاً؟
– هل نرجع إليه قبل أن نبني تصوراتنا السياسية، والاقتصادية والاجتماعية؟ أم أننا نأتي بأفكارنا، ومشاريعنا وحساباتنا الحزبية، ثم نبحث في القرآن عما يؤيدها؟
هنا تكمن المسافة بين أن يكون القرآن في مشروعنا، وأن يكون مشروعنا من القرآن وهذه ،في تقديري، واحدة من أهم القضايا التي ينبغي أن نتعلمها من التجربة السودانية.
فالمشكلة ليست في أن يكون للإسلام حضور في المجال العام؛ فهذا اختزال للإسلام إذا حصرناه في الصلاة، والصيام والشعائر الفردية.
الإسلام يتحدث عن العدل، والأمانة، والشورى، والحرية، وحفظ الحقوق، وكرامة الإنسان، ومحاربة الظلم والفساد، وتنظيم المعاملات ورعاية مصالح الناس.
لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الجماعة التي تحمل شعار الإسلام إلى ممثل حصري للإسلام، وحين يصبح نقد الحزب نقداً للدين، ومعارضة الحكومة معارضةً للإسلام، ويصبح الحفاظ على السلطة دفاعاً عن المشروع الإسلامي.
عندها يحدث أخطر انقلاب في العلاقة بين الدين والسياسة: بدلاً من أن تكون السياسة خادمةً لقيم الدين، يصبح الدين خادماً للسياسة.
وهنا ينبغي أن نتعلم درساً بالغ الأهمية: الإسلام كامل، أما فهمنا للإسلام فبشري.
القرآن معصوم، أما تفسيرنا له واجتهادنا في تنزيله على الواقع فليس معصوماً.
والدين أوسع من الحزب، والحزب أضيق من الأمة، والدولة أضيق من الإسلام.
ولذلك فإن فشل حزب إسلامي في الحكم لا يعني فشل الإسلام، كما أن نجاح حزب إسلامي لا يعني أنه نجح في تمثيل الإسلام.
وهذا التفريق ليس ترفاً فكرياً؛ بل هو ضرورة حتى لا نقع في خطأين متقابلين:
خطأ من يحاكم الإسلام بأفعال المسلمين، وخطأ من يحصّن المسلمين من النقد لأنهم يرفعون شعار الإسلام.
ولعل مفهوم «أقومية القرآن» يفتح لنا باباً آخر أكثر نضجاً، فالقرآن ،وفق هذا التصور، ليس مجرد كتاب نتلوه ونحفظه ونختمه، وإنما مرجعية تقوّم عقولنا وأفكارنا وممارساتنا؛
– فإذا كنا في الاقتصاد، سألنا: ما الذي يقود إلى العدل وحفظ المال ورفع الظلم؟
– وإذا كنا في السياسة، سألنا: أين الأمانة والشورى والعدل وكرامة الإنسان؟
– وإذا كنا في التعليم، سألنا: أي إنسان يريد القرآن أن نصنع؟
– وإذا كنا في الإدارة والمؤسسات، سألنا: هل تقوم على الكفاءة والأمانة أم على الولاء والمحسوبية؟
– وإذا كنا في المعارضة، سألنا أيضاً: هل نطلب الحق والعدل، أم نريد فقط أن نصل إلى السلطة؟
فـ «الأقومية» لا ينبغي أن تتحول إلى شعار سياسي جديد، بل إلى عملية مستمرة لتقويم ما عندنا بالقرآن.
وهنا أجد نفسي أمام سؤال مؤلم بعد تجربة الإسلاميين في السودان: هل كانت مشكلتنا أننا لم نطبق الإسلام بما يكفي، أم أن بعض ما ظنناه «إسلاماً سياسياً» كان في الحقيقة اجتهاداً بشرياً اختلط فيه الدين بالحزب، والدعوة بالسلطة، والمبدأ بالمصلحة والغاية بالوسيلة؟
هذا السؤال لا تجيب عنه الشعارات، يحتاج إلى علم، ونقد ذاتي، وشجاعة فكرية وصدق مع الله ومع التاريخ.
فقد يكون من أعظم دروس التجربة أن إقامة العدل ليست نتيجة تلقائية لرفع شعار الإسلام، كما أن الوصول إلى السلطة ليس دليلاً على نجاح المشروع الإسلامي، فالقرآن لم يقل إن الذين يرفعون اسمه سيكونون دائماً على صواب، وإنما قال: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾.
والتحدي الحقيقي إذن ليس أن نقول: نحن إسلاميون، بل أن نسأل:
– هل أصبحنا أقوم بالقرآن؟
– هل أصبحنا أعدل؟
– هل أصبحنا أصدق؟
– هل حفظنا كرامة الإنسان؟
– هل اختلفنا دون ظلم؟
– هل امتلكنا السلطة دون أن تستعبدنا؟
– هل استطعنا أن نقول: أخطأنا؟
– وهل كنا مستعدين للتراجع حين يتبين لنا أن اجتهادنا البشري لم يكن هو «التي هي أقوم»؟
ربما يكون هذا هو الدرس الذي ينبغي أن ينتقل من السودان إلى بقية العالم العربي والإسلامي: لا تحاكموا الإسلام بما فعله الإسلاميون، ولا تعفوا الإسلاميين من النقد لأنهم تحدثوا باسم الإسلام.
حاكموا التجربة السياسية بمعايير السياسة والعدل والأخلاق وحقوق الإنسان، وحاكموا فهمنا للدين بالقرآن ومقاصده وأصوله واتركوا للقرآن مكانته التي لا ينبغي أن يستولي عليها حزب، ولا جماعة ولا حاكم.
فالإسلام أكبر من تجربة، وأبقى من حزب وأوسع من دولة.
والقرآن ليس كتاباً جاء ليمنحنا شرعيةً لما نريد، بل جاء ،في أحد أعمق معانيه، ليعيد تشكيل ما نريد نحن أصلاً.
وهنا يبدأ الإصلاح الحقيقي:
حين لا نسأل كيف نجعل القرآن شاهداً لنا، وإنما نسأل: كيف نجعل أنفسنا نحن أقرب إلى أن نكون شهوداً للقرآن؟


