Popular Now

السودان ما بين جهود الداخل والأشقاء والتآمر الدولي والإقليمي على تفكيك الدولة ومؤسساتها (5) توحيد الوساطة ووقف التدخلات الخارجية.. هل اقترب المجتمع الدولي من تشخيص أزمة السودان؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشؤون الإفريقية والعلاقات الدولية وتحليل النزاعات

أبعاد المؤامرة وتخبط الإدارة: قراءة تحليلية في أزمة السودان الراهنة .. د. عبدالمولى موسى محمد

أصل القضية | السودان.. حين نطارد الأزمة ونترك مسارها .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

السودان ما بين جهود الداخل والأشقاء والتآمر الدولي والإقليمي على تفكيك الدولة ومؤسساتها (5) توحيد الوساطة ووقف التدخلات الخارجية.. هل اقترب المجتمع الدولي من تشخيص أزمة السودان؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشؤون الإفريقية والعلاقات الدولية وتحليل النزاعات

مقدمة
تدخل الأزمة السودانية مرحلة جديدة من التعقيد، بعدما أصبح المجتمع الدولي نفسه أمام حقيقة يصعب تجاهلها: تعدد المبادرات والوسطاء، وتداخل المصالح الإقليمية والدولية، واستمرار تدفق الدعم الخارجي إلى أطراف الحرب، كلها عوامل ساهمت في إطالة أمد الصراع.
ولهذا يأتي بحث مجلس الأمن توحيد جهود الوساطة ومسارات السلام ووقف التدخلات الخارجية ليعكس إدراكًا متأخرًا بأن إنهاء الحرب السودانية لن يتحقق بمجرد الضغط على الأطراف الداخلية.
لكن السؤال الأكثر أهمية هو:
هل يستطيع المجتمع الدولي الانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجة أسبابها الحقيقية؟
وهل يكون توحيد الوساطة بداية لمسار جديد، أم مجرد إعادة تنظيم للمبادرات دون معالجة قضية السلاح والتمويل والتدخلات الخارجية؟

أولاً: مجلس الأمن أمام اختبار المصداقية
توحيد مسارات السلام خطوة مطلوبة منذ بداية الحرب.
فالسودان شهد خلال سنوات الحرب مبادرات متعددة، من مسار جدة إلى الاتحاد الأفريقي والإيقاد والأمم المتحدة، فضلًا عن تحركات دول إقليمية ودولية منفردة.
وقد أدى تعدد المنابر في بعض الأحيان إلى إرباك المشهد بدل توحيده.
ومن هنا فإن توحيد جهود الوساطة يمكن أن يكون خطوة إيجابية إذا كان الهدف هو: مسار واحد، رؤية واحدة وضغوط متوازنة على جميع أطراف الحرب.
لكن المصداقية ستظل مرتبطة بسؤال آخر:
هل سيجري التعامل بالقدر نفسه من الجدية مع مصادر الدعم الخارجي لجميع أطراف الحرب؟
فلا يمكن المطالبة بوقف التدخلات الخارجية بينما تظل بعض الدول أو الشبكات الإقليمية موضع اتهام بتقديم الدعم لأحد أطراف الصراع دون إجراءات واضحة وشفافة للتحقق والمساءلة.
وهنا ينبغي التأكيد أن الاتهامات الموجهة لأي دولة يجب أن تستند إلى أدلة قابلة للتحقق، مع الإشارة إلى أن بعض الدول التي وُجهت إليها اتهامات تنفيها بصورة متكررة.

ثانياً: الدعم السريع و«تأسيس».. ملف الدعم الخارجي
من أبرز القضايا التي تواجه المجتمع الدولي ملف العلاقة بين قوات الدعم السريع والتحالف السياسي المعروف باسم «تأسيس».
وتتهم الحكومة السودانية أطرافًا في هذا التحالف وقوات الدعم السريع بارتكاب انتهاكات واسعة بحق المدنيين، فيما يرفض الطرف الآخر هذه الاتهامات أو يقدم رواية مختلفة للصراع.
والخطورة لا تكمن فقط في الاتهامات المتبادلة، بل في أن الحرب أصبحت تمتلك امتدادات سياسية وعسكرية وإقليمية تجعل التسوية أكثر تعقيدًا.
فكلما زادت قدرة الأطراف المسلحة على الحصول على دعم خارجي، تراجعت الحاجة لديها إلى التسوية الداخلية.
ولهذا فإن وقف الحرب يتطلب تجفيف مصادر تمويلها وتسليحها بصورة متزامنة، وفق آلية تحقق مستقلة وعادلة.

ثالثاً: لماذا عجز مجلس الأمن عن إنتاج موقف أكثر حسمًا؟
يمثل مجلس الأمن المرآة الأوضح للخلافات الدولية حول السودان.
فالدول الكبرى تختلف حول طبيعة الأزمة، وأولوياتها، وحجم العقوبات المطلوبة، وكيفية التعامل مع المؤسسة العسكرية، ودور القوى الإقليمية.
وقد ظهر ذلك بوضوح في النقاشات المتعلقة بتوسيع حظر السلاح ليشمل كامل السودان.
وبينما ترى واشنطن أن توسيع القيود قد يساعد في وقف تدفق السلاح، ترى الخرطوم وموسكو وبكين أن العقوبات الشاملة قد تؤثر بصورة سلبية في قدرة الدولة على حماية نفسها.
وهنا يصبح السؤال:
هل المطلوب وقف الحرب، أم إعادة تشكيل ميزان القوة بين أطرافها؟
الفرق بين الأمرين جوهري.
فإذا كان الهدف إنهاء الحرب، فإن الضغط يجب أن يستهدف كل مصادر السلاح والتمويل، مع دعم مسار سياسي سوداني.
أما إذا أدى الضغط الدولي إلى إضعاف مؤسسات الدولة الرسمية بينما استمرت قنوات الإمداد غير الرسمية، فإن النتيجة قد تكون عكسية.

رابعاً: السعودية.. وسيط أم مستضيف للحوار؟
الدور السعودي يمثل حالة مختلفة.
فالسعودية استضافت محادثات جدة، ولها علاقة مباشرة بالملف السوداني، كما أنها تملك ثقلًا إقليميًا يسمح لها بلعب دور في جمع الأطراف.
لكن الحديث عن استضافة حوار سوداني شامل يثير تساؤلًا مهمًا: هل المطلوب من السعودية أن تكون مستضيفًا للحوار، أم وسيطًا، أم طرفًا ضامنًا؟
كل دور له شروطه.
والأهم ألا تتحول الاستضافة إلى إدارة خارجية للحوار.
فالسودانيون بحاجة إلى دعم الأشقاء، لكنهم في الوقت نفسه بحاجة إلى الحفاظ على استقلال القرار الوطني.
ولهذا يمكن اختصار المعادلة في: الدعم العربي مطلوب، والوصاية العربية مرفوضة.

خامساً: مصر والسعودية.. أمن الأشقاء مرتبط بأمن السودان
تختلف حسابات مصر والسعودية، لكنهما تشتركان في حقيقة استراتيجية:
استقرار السودان جزء من الأمن الإقليمي العربي.
بالنسبة لمصر، يرتبط السودان بالأمن الحدودي والأمن المائي وأمن البحر الأحمر.
وبالنسبة للسعودية، يرتبط السودان بصورة مباشرة بأمن البحر الأحمر والملاحة والاستقرار في الضفة الغربية للبحر.
ومن هنا فإن دعم استقرار السودان ليس مساعدة سياسية فقط، بل استثمار في الأمن الإقليمي العربي.
لكن هذا الدور ينبغي أن يتجه إلى دعم الدولة السودانية والحوار السوداني، وليس إلى صناعة ترتيبات سياسية بديلة عن السودانيين.

سادساً: روسيا.. ورقة التوازن الدولي
أصبحت موسكو أحد الأطراف الدولية الأكثر وضوحًا في رفض توسيع القيود على السودان بطريقة ترى أنها تمس قدرة الدولة على الدفاع عن نفسها.
ويمثل الموقف الروسي بالنسبة للخرطوم عنصر توازن داخل مجلس الأمن، خصوصًا في ظل التوتر بين السودان وبعض العواصم الغربية.
لكن روسيا نفسها تنظر إلى السودان ضمن مصالحها الأوسع في البحر الأحمر وأفريقيا.
ومن ثم فإن التعاون السوداني الروسي يجب أن يُقرأ أيضًا ضمن المصالح المتبادلة، لا باعتباره موقفًا مجانيًا.
وهنا ينبغي للسودان أن يتبع سياسة خارجية تقوم على:
تنويع الشراكات دون الارتهان لأي محور.

سابعاً: الحوار السوداني.. هل تستطيع القوى الداخلية الاتفاق؟
في الداخل السوداني، تتعدد المبادرات والرؤى.
هناك دعوات للحوار الوطني، وأخرى ترفض بعض صيغ تهيئة الحوار، وقوى ترى ضرورة البدء بوقف إطلاق النار، وأخرى ترى أن إعادة بناء الدولة يجب أن تسبق أي تسوية سياسية.
لكن جميع هذه الاتجاهات تواجه سؤالًا واحدًا:
هل يمكن الوصول إلى الحد الأدنى من التوافق الوطني؟
فالاختلاف السياسي طبيعي.
لكن الاختلاف حول:
وحدة السودان، ووجود الدولة، ووحدة مؤسساتها، واحتكارها للسلاح
ينبغي ألا يتحول إلى خلاف قابل للمساومة.
هذه ثوابت لا ينبغي أن تكون محل تفاوض.

ثامناً: البرهان واستمرار القيادة.. الدولة أم الأشخاص؟
التصريحات التي صدرت عن الفريق أول ركن ياسر العطا، والتي فهم منها اتجاه داخل المؤسسة العسكرية إلى استمرار الفريق أول عبد الفتاح البرهان في قيادة الدولة، فتحت بابًا واسعًا للنقاش حول مستقبل المرحلة الانتقالية.
وهنا ينبغي التفريق بين قضيتين:
استقرار مؤسسات الدولة
و استمرار شخص بعينه في السلطة.
قد تكون هناك مبررات أمنية وسياسية لاستمرار القيادة الحالية خلال الحرب، لكن تحديد شكل الحكم بعد الحرب ينبغي أن يخضع لترتيبات سياسية ودستورية واضحة.
فالدولة أقوى من الأشخاص.
والجيش مؤسسة وطنية، وليس طرفًا دائمًا في المنافسة السياسية.
ومن هنا فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى بناء قواعد انتقال واضحة تمنع الفراغ، وفي الوقت نفسه تمنع تحويل المرحلة الاستثنائية إلى وضع دائم.

تاسعاً: إبراهيم جابر.. إعادة وصل مؤسسات الدولة
في مقابل الجدل السياسي، يأتي تحرك الفريق مهندس إبراهيم جابر، عضو مجلس السيادة، لتنسيق العمل بين المؤسسات المدنية والعسكرية.
وهذا المسار له أهمية خاصة في ظروف الحرب.
فالدولة لا تستطيع مواجهة الحرب عسكريًا فقط.
بل تحتاج إلى:
– إدارة مدنية فعالة
– مؤسسات اقتصادية
– أجهزة أمنية
– خدمات
– إنتاج
– دبلوماسية
– وإدارة للموارد.
والتنسيق بين المؤسسات المدنية والعسكرية يجب أن يتحول إلى عمل مؤسسي دائم يحافظ على التخصصات والصلاحيات، ويمنع في الوقت نفسه حدوث فراغ أو ازدواجية في القرار.

عاشراً: الاقتصاد.. الحرب التي تصل إلى مائدة المواطن
في الوقت الذي تدور فيه المعارك العسكرية والسياسية، تتسع معاناة المواطنين بسبب ارتفاع أسعار الغذاء والسلع الأساسية.
وتصبح الحبوب الغذائية تحديدًا من أكثر الملفات حساسية؛ لأن أي اضطراب في الإنتاج أو النقل أو الاستيراد ينعكس مباشرة على الأمن الغذائي.
وهنا يصبح الاقتصاد جزءًا من الأمن القومي.
فالدولة التي تعجز عن توفير الغذاء والدواء والطاقة تصبح أكثر عرضة:
للفقر، للنزوح، للهجرة، للجريمة، للاقتصاد الموازي والاضطرابات الاجتماعية.
ولذلك فإن القرارات الاقتصادية التي يجري بحثها داخل الحكومة تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على إدارة المرحلة.

الحادي عشر: الاقتصاد كجزء من معركة تفكيك الدولة
إذا استمرت الحرب لفترة طويلة، فإن الاقتصاد السوداني قد ينقسم تدريجيًا إلى مناطق وأسواق ومصادر تمويل مختلفة. وهذا أخطر من ارتفاع الأسعار وحده.
فوجود اقتصاد متعدد المراكز يمكن أن يؤدي في النهاية إلى تعدد مصادر الإيرادات، وتعدد السلطات المالية، وتعدد شبكات التجارة وتراجع سلطة الدولة المركزية.
ومن هنا فإن إعادة توحيد الاقتصاد الوطني يجب أن تكون جزءًا من مشروع إعادة بناء الدولة بعد الحرب.

الثاني عشر: السودان أمام أربعة مسارات
المسار الأول: توحيد الوساطة
ينجح المجتمع الدولي في جمع المبادرات المختلفة ضمن مسار واحد، مع وقف حقيقي للتدخلات الخارجية.
وهذا هو المسار الأفضل.
المسار الثاني: توحيد شكلي للوساطة
تجتمع المبادرات تحت عنوان واحد، لكن تستمر أجندات الدول المختلفة.
وهذا يعني استمرار الأزمة مع تغيير شكل إدارتها.
المسار الثالث: استمرار التدويل
تزداد العقوبات والتدخلات، وتتسع دائرة القوى الخارجية، ويصبح السودان ساحة صراع نفوذ. وهذا المسار الأكثر خطورة على الدولة.
المسار الرابع: ولادة مسار سوداني مستقل
تتوافق القوى السودانية على مبادئ أساسية، وتستفيد من الدعم المصري والسعودي والعربي والأفريقي والدولي دون أن تسمح بتحويل الدعم إلى وصاية.
وهذا هو المسار الذي يمكن أن يعيد القرار إلى الداخل السوداني.

الخلاصة الاستراتيجية
إن بحث مجلس الأمن توحيد جهود الوساطة ووقف التدخلات الخارجية يمثل اعترافًا مهمًا بأن الحرب السودانية لا يمكن اختزالها في خلاف داخلي بين طرفين.
لكن الاعتراف وحده لا يكفي.
فالاختبار الحقيقي للمجتمع الدولي هو: هل يستطيع أن يطبق مبدأ واحدًا على جميع الأطراف؟
وهل يستطيع أن يواجه مصادر السلاح والتمويل الخارجية بصورة متوازنة؟
وهل يستطيع أن يدعم الحوار السوداني دون أن يصنع حوارًا بديلًا عن السودانيين؟
وهل يستطيع أن يحافظ على مؤسسات الدولة السودانية، وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية، مع الضغط في الوقت نفسه من أجل حماية المدنيين والانتقال السياسي؟
هذه هي الأسئلة الحقيقية.
أما السودان، فعليه أن يدرك أن الاعتماد على الخارج في صناعة السلام يحمل مخاطره، كما أن رفض كل دور خارجي ليس واقعيًا في أزمة أصبحت ذات أبعاد إقليمية ودولية.
والصيغة الأكثر توازنًا هي:
سلام سوداني القيادة، عربي وأفريقي الدعم، دولي الضمان ومتوازن في التعامل مع جميع الأطراف.
وفي الداخل، لا بد من الجمع بين مسارين: إعادة بناء الدولة سياسيًا ومؤسسيًا، وإنقاذ الاقتصاد وحماية المواطن.
فالدولة التي تنهار اقتصاديًا، وتنقسم سياسيًا، وتتعدد فيها مراكز السلاح، تصبح أكثر قابلية للتدخل الخارجي.
ومن هنا فإن حماية السودان لا تكون فقط بإيقاف الحرب، وإنما بمنع تحول الحرب إلى مشروع طويل الأمد لإعادة تشكيل الدولة ومؤسساتها من الداخل والخارج.
ويبقى السؤال الذي سيظل مفتوحًا أمام المجتمع الدولي والقوى السودانية والإقليمية:
هل يكون توحيد مسارات السلام بداية لإنهاء الحرب.. أم مجرد توحيد لإدارة الأزمة؟

المقالة السابقة

أبعاد المؤامرة وتخبط الإدارة: قراءة تحليلية في أزمة السودان الراهنة .. د. عبدالمولى موسى محمد

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *