Popular Now

واشنطن والسودان من منح أمريكا حق تعريف الدولة؟ .. (حكومة أمر واقع) أم محاولة لإعادة تعريف الشرعية السودانية .. مستشار هشام محمود سليمان

الأقفال العشرة التي تجعل السودان غنياً . زهير عبدالله مساعد

القيادة أمانة وليست مجاملة .. بين الحكمة والكفاءة وحسن الاختيار .. د. حنان درار سيد إدريس

الأقفال العشرة التي تجعل السودان غنياً . زهير عبدالله مساعد

عند قراءتي لكتاب (شروط النهضة) للمفكر الجزائري (مالك بن نبي) وجدت نفسي أن أكتب عن (شروط النهضة في السودان) ، لكن عدلت الفكرة إلى الأقفال أو الأسباب التي تجعلنا إلى أن نتحول من دولة فقيرة إلى أغنى دولة، لأن شروط النهضة في الأمة السودانية متوفرة إذا أقمنا استحسان توظيف الاتجاهات، لكن كثير من الكلام الذي يتردد عن نهضة الدول يركز على ما تملكه من موارد، وكأن امتلاك الأرض والمياه والثروات الطبيعية وحده يكفي لصناعة دولة قوية، لكن التجارب تقول شيئاً آخر؛ فالثروة لا تتحول إلى قوة إلا عندما تجد الإنسان الذي يديرها، والمؤسسة التي تحميها، والاقتصاد الذي يستثمرها، والعلم الذي يطورها.
وإذا أسقطنا فكرة (الأقفال) على السودان، سنجد أننا أمام مجموعة من الأقفال المتشابكة، لا يمكن فتح أحدها بمعزل عن الآخر، لأن فتح قفل يقود إلى القفل الذي يليه، وربما يكون السودان من أكثر الدول التي تملك مفاتيح النهضة، لكن لم ننجح بعد في ترتيب هذه المفاتيح واستخدامها في الاتجاه الصحيح.

القفل الأول الأمن والسلام
فلا يمكن أن تبدأ النهضة بينما الإنسان خائف، والمزارع بعيد عن أرضه، والمصنع متوقف، والطريق غير آمن، ورأس المال يبحث عن مكان أكثر استقراراً، ولذلك فإن السلام في السودان ليس مجرد قضية سياسية، بل هو أول شرط اقتصادي للإنتاج، وعندما يتحقق الأمن يبدأ الإنسان في العودة إلى أرضه وعمله، وتبدأ الأسواق في الحركة، وهنا نصل مباشرة إلى
القفل الثاني: دولة القانون والمؤسسات
الأمن وحده لا يكفي إذا لم يجد الإنسان قانوناً يحميه ومؤسسات تعمل باستمرار، فالمزارع يحتاج إلى حماية حقه، والمستثمر يحتاج إلى وضوح القواعد، والمصرف يحتاج إلى بيئة قانونية مستقرة، والدولة تحتاج إلى مؤسسات لا تتغير بتغير الأشخاص، ومن هنا يصبح القانون جسرا إلى الثقة، والثقة تقودنا إلى
القفل الثالث: الإنسان
المؤسسة لا تعمل وحدها، والقانون لا يطبق نفسه، والاقتصاد لا ينتج من تلقاء ذاته، الإنسان هو الذي يصنع كل ذلك، ولذلك تبدأ النهضة الحقيقية من المدرسة، والمعلم، والجامعة، والطبيب، والمهندس، والفني، والباحث والمزارع، ومن تعليم لا يمنح الشهادة فقط، بل يمنح القدرة على التفكير والعمل والإنتاج وحل المشكلات ومن الإنسان نصل إلى
القفل الرابع الزراعة والإنتاج
وهنا تحديداً يجب أن ننظر الي أنفسنا بطريقة مختلفة؛ فالزراعة ليست قطاعا عاديا نضعه في بند من بنود الاقتصاد ثم ننتقل إلى غيره، وإنما هي واحدة من أهم مفاتيح السودان، لأن الأرض والمياه والثروة الحيوانية والتنوع المناخي يمكن أن تكون قاعدة لاقتصاد إنتاجي واسع، لكن القضية ليست أن نزرع فقط، بل أن نبني حول الزراعة منظومة كاملة تبدأ بالبذرة وتنتهي بالسوق؛ نزرع القمح ونطوره إلى دقيق وغذاء، ونزرع الفول السوداني، ونصنع منه الزيت والغذاء والأعلاف، وننتج القطن ثم ننتقل إلى الغزل والنسيج والملابس، وننتج الفواكه والخضروات ثم نبني التخزين والتبريد والتصنيع والتعبئة، ونمتلك الثروة الحيوانية ثم ندخل في اللحوم، والألبان، والجلود والأعلاف، وهنا تتحول الزراعة من مجرد نشاط إلى اقتصاد، ومن أرض إلى سلسلة إنتاج، ومن محصول خام إلى صناعة، ومن هنا يفتح القفل الخامس القيمة المضافة.
لأن السودان لا ينبغي أن يكون منتجاً للمواد الخام فقط؛ فالقطن الذي يخرج خاماً يمكن أن يعود إلينا في صورة ملابس، والجلد الذي نصدره يمكن أن يعود في صورة حذاء وحقيبة، والمحصول الذي نبيعه خاماً يمكن أن يصبح زيتا أو غذاء أو منتجا صناعيا، وكل خطوة تصنيع داخل السودان تعني قيمة وفرص عمل ودخلاً إضافياً، ولذلك فإن معركة السودان الاقتصادية ليست فقط في زيادة الإنتاج، وإنما في زيادة ما نضيفه إلى هذا الإنتاج قبل أن يخرج من البلاد وهنا نصل إلى
القفل السادس العلم والتكنولوجيا
القيمة المضافة لا تتحقق بالعاطفة وإنما بالمعرفة؛ فرفع إنتاجية الفدان يحتاج إلى بحث علمي، وتحسين السلالات يحتاج إلى علم، وتطوير الصناعات يحتاج إلى مهندسين وفنيين، وتحسين التخزين والنقل يحتاج إلى التكنولوجيا، ولذلك يجب أن تنتقل الجامعة السودانية من موقع المتلقي إلى موقع الشريك في عملية التنمية، وأن يصبح البحث العلمي مرتبطا بمشكلات السودان الحقيقية: المياه، الزراعة، الطاقة، الغذاء، الثروة الحيوانية، الدواء والتصنيع، وعندما يصبح العلم جزءا من الإنتاج نصل بصورة طبيعية إلى القفل السابع: التمويل والمصارف
المعرفة والإنتاج يحتاجان إلى رأس مال؛ فالمزارع يحتاج إلى تمويل، والمصنع يحتاج إلى رأس مال عامل، والمصدر يحتاج إلى أدوات تمويل وضمان، والمشروع الصغير يحتاج إلى فرصة للنمو، ولذلك يجب أن يكون المصرف جزءا من دورة الإنتاج، لا مجرد مكان تتحرك فيه الأموال، فيمول الأرض، والإنتاج، والتصنيع، والتجارة والصادرات، ويربط التمويل بدورة اقتصادية حقيقية تعود بالنفع على المنتج والمصرف والاقتصاد معاً، لكن التمويل وحده لا يكفي إذا لم يجد طريقاً يصل به الإنتاج إلى السوق، وهنا يظهر
القفل الثامن الجغرافيا والبنية التحتية.
فالسودان يمتلك موقعاً مهماً، لكن الموقع لا يتحول إلى ميزة اقتصادية إلا بالطرق، والسكك الحديدية، والموانئ، والكهرباء، والمخازن والاتصالات، لأن إنتاج المزارع يفقد جزءًا كبيراً من قيمته إذا تعطل الطريق، والمصنع لا يستطيع المنافسة إذا انقطعت الكهرباء، والصادرات لا تستطيع الوصول إلى الأسواق إذا كانت تكلفة النقل مرتفعة، ولذلك يجب أن ننظر إلى البنية التحتية باعتبارها جزءا من الإنتاج نفسه، لا مجرد مشروعات خدمية منفصلة عن الاقتصاد، وعندما تكتمل هذه الحلقة نصل إلى القفل التاسع الإدارة والانضباط
وهو القفل الذي يمكن أن ينجح أو يفشل كل ما سبقه؛ فقد نملك الأرض والمال والعلم والمصنع والطريق، لكن سوء الإدارة قادر على إهدار كل ذلك، ولذلك نحتاج إلى إدارة تعرف ماذا تريد، ومتى تريد، وكم ستكلف، وماذا حققت ومن المسؤول عن النتيجة، فالمشروع لا يقاس بجمال فكرته وإنما بما ينتجه، والمؤسسة لا تقاس بعدد اجتماعاتها وإنما بما تنجزه، والمال العام لا يقاس بما أنفق منه وإنما بما عاد على المجتمع من إنتاج وخدمات.

ومن الإدارة نصل إلى
القفل العاشر الثقة في السودان
وهي النتيجة الطبيعية لنجاح الأقفال السابقة؛ فالمواطن عندما يرى الأمن والقانون والإنتاج والخدمات يبدأ في استعادة ثقته، والمستثمر عندما يرى مؤسسات تعمل وقواعد واضحة، يبدأ في النظر إلى السودان باعتباره بيئة يمكن الاستثمار فيها، والأسواق الخارجية عندما ترى إنتاجاً سودانياً منتظماً وملتزماً بالمواصفات، تبدأ في بناء الثقة في المنتج السوداني، وهنا لا نحتاج إلى أن نقول للعالم إن السودان بلد عظيم، بل يكفي أن يرى العالم ما يصنعه السودان.
وهكذا تصبح الأقفال العشرة في الحقيقة سلسلة واحدة وليست أبواباً منفصلة؛ فالأمن يفتح باب القانون، والقانون يبني الثقة، والثقة تحمي الإنسان والاستثمار، والإنسان يصنع المعرفة، والمعرفة تطور الزراعة والإنتاج، والإنتاج يحتاج إلى التصنيع والقيمة المضافة، والتصنيع يحتاج إلى العلم والتمويل، والتمويل يحتاج إلى بنية تحتية وأسواق، وكل ذلك يحتاج إلى إدارة وانضباط، وعندما تعمل هذه المنظومة تبدأ الثقة في السودان بالعودة من الداخل والخارج، لهذا فإن السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم (ليس ماذا يملك السودان؟) فهذا السؤال نعرف إجابته منذ عقود، وإنما السؤال الأصعب والأهم هو (ماذا يفعل السودان بما يملك؟).

مفتاح النهضة السودانية أبسط مما نتصور أن نتوقف عن البحث عن ثروة جديدة ونبدأ أولاً في حسن إدارة الثروة التي نملكها، وأن ننتقل من بلد يملك الموارد إلى بلد يعرف كيف يحول موارده إلى إنتاج، عندها فقط تبدأ الأقفال في الانفتاح، واحداً بعد الآخر، ويصبح السودان قادراً على صناعة نهضته من أرضه وإنسانه وموارده، لا من وصفات جاهزة مستوردة من تجارب أخرى.

المقالة السابقة

القيادة أمانة وليست مجاملة .. بين الحكمة والكفاءة وحسن الاختيار .. د. حنان درار سيد إدريس

المقالة التالية

واشنطن والسودان من منح أمريكا حق تعريف الدولة؟ .. (حكومة أمر واقع) أم محاولة لإعادة تعريف الشرعية السودانية .. مستشار هشام محمود سليمان

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *