Popular Now

القيادة أمانة وليست مجاملة .. بين الحكمة والكفاءة وحسن الاختيار .. د. حنان درار سيد إدريس

وجه الحقيقة | التجاني عبد القادر.. كان أكبر من السياسة .. إبراهيم شقلاوي

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6255 | اتهام داخل الكونجرس: مسعد بولس تلقى 31 مليون دولار من الإمارات مقابل التغاضي عن دعمها للدعم السريع .. ترجمة المنشور 6255 للغة الانجليزية مرفقة

القيادة أمانة وليست مجاملة .. بين الحكمة والكفاءة وحسن الاختيار .. د. حنان درار سيد إدريس

ليست كل مكانة دليلًا على الحكمة، وليس كل من امتلك المال أو العلاقات أو الحضور الاجتماعي قادرًا على تحمل مسؤولية القيادة. فالقيادة في حقيقتها أمانة، والأمانة تحتاج إلى أهلها، كما تحتاج إلى إنسان يمتلك العلم والحكمة والقدرة على إدارة الناس والاختلافات والمواقف المتباينة.

وقد وضع القرآن الكريم أصلًا عظيمًا في مسألة إسناد المسؤوليات، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58].

فالآية تجمع بين أمرين عظيمين: إسناد الأمانة إلى أهلها، والعدل عند التعامل مع الناس. وهذا مبدأ يصلح لكل مسؤولية، صغيرة كانت أو كبيرة؛ لأن نجاح أي جهة يبدأ من حسن اختيار من يتولى أمرها.

كما يبين القرآن أن القوة وحدها لا تكفي، وإنما ينبغي أن تجتمع القوة مع الأمانة، قال تعالى على لسان ابنة شعيب عليه السلام: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾
[القصص: 26].

والقوة هنا يمكن أن نفهمها في سياق المسؤولية بمعنى القدرة والكفاءة والقيام بالعمل، بينما الأمانة تعني النزاهة وحفظ الحقوق وعدم استغلال الموقع لتحقيق مصالح شخصية. فإذا اجتمعت الكفاءة مع الأمانة، أصبح الإنسان أقدر على حمل المسؤولية.

وفي السنة النبوية تحذير واضح من إسناد الأمور إلى غير أهلها، ففي الحديث: «إذا ضُيِّعت الأمانة فانتظر الساعة»، قيل: وكيف إضاعتها؟ قال: «إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة». رواه البخاري.

وهذا لا يعني أن الإنسان المسؤول يجب أن يكون كاملًا لا يخطئ؛ فالكمال ليس شرطًا في البشر، وإنما المطلوب أن يمتلك من الصفات والقدرات ما يجعله أهلًا للمسؤولية، وأن يعرف كيف يتعلم من أخطائه، ويستشير، ويقبل النقد، ويضع المصلحة العامة فوق الاعتبارات الشخصية.

فالقيادة الحقيقية لا تقاس بارتفاع الصوت، ولا بكثرة المؤيدين، ولا بالمظاهر الاجتماعية، ولا بالمكانة المادية، وإنما تظهر في القدرة على إدارة المواقف بحكمة، والاستماع للآخرين، وحل الخلافات، وتحمل المسؤولية، والصبر على اختلاف الشخصيات، والقدرة على تجاوز صغائر الأمور.

والناس بطبيعتهم مختلفون؛ في شخصياتهم وطباعهم وطريقة تفكيرهم وخبراتهم. ولذلك فإن المسؤول الذي يريد أن يجعل الجميع يفكرون بالطريقة نفسها قد يصنع بيئة من التوتر والصدام. أما المسؤول الواعي فيدرك أن الاختلاف جزء من طبيعة البشر، فيتعامل معه بالحكمة، ويفصل بين اختلاف الرأي وبين الإساءة الشخصية.

ومن علامات النضج القيادي ألا يتوقف الإنسان عند كل كلمة، وألا يجعل من كل موقف صغير قضية كبيرة، وألا يسمح للخلافات الشخصية أن تؤثر في قراراته. فكلما اتسعت مسؤولية الإنسان، كان بحاجة إلى قلب أوسع، وصبر أكبر، ونظر أبعد من الموقف الآني.

وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: 34].

فالقيادة ليست مجرد إصدار الأوامر، وإنما هي القدرة على التعامل مع النفوس المختلفة دون أن يفقد الإنسان اتزانه أو عدله.

ومن المهم كذلك أن ندرك أن المجاملة في اختيار المسؤول قد تبدو رحمة بشخص، لكنها قد تتحول إلى ظلم لمجموعة كاملة. فعندما نختار شخصًا لمجرد المحبة، أو القرابة، أو الصداقة أو المكانة الاجتماعية، فإننا قد نحرم شخصًا آخر أكثر كفاءة من فرصة يستحقها، وقد نضع مسؤولية كبيرة في يد من لا يمتلك أدواتها.

ولهذا فإن الإنصاف لا يعني أن نبحث عن الشخص الذي نرتاح إليه فقط، وإنما أن نبحث عن الشخص الذي يستطيع أن يؤدي المهمة كما ينبغي.

ومن الحكمة أيضًا ألا ننظر إلى المال باعتباره معيارًا للقدرة على القيادة؛ فالغنى لا يعني الحكمة، والفقر لا يعني العجز، والمكانة الاجتماعية لا تعني الكفاءة. معيار الإنسان في المسؤولية هو ما يملكه من علم وأمانة وقدرة وحسن تدبير.

قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].
وهذا يرسخ قيمة الإنسان بعيدًا عن المظاهر والاعتبارات التي لا تصلح وحدها معيارًا للحكم عليه.

إن المسؤول الناجح هو الذي يستطيع أن يجمع الناس ولا يفرقهم، وأن يسمع قبل أن يحكم، وأن يفهم قبل أن ينتقد، وأن ينصح دون أن يهين، وأن يصحح الخطأ دون أن يحطم صاحبه، وأن يحافظ على هيبة المسؤولية دون أن يجعلها وسيلة للتسلط.

والأجمل أن يكون القائد قادرًا على رؤية الخير في الآخرين، وتشجيع أصحاب الكفاءة وإعطاء الفرصة لمن يستطيع أن يقدم، لأن نجاح القائد لا يكون في أن يعمل الجميع من حوله لحسابه، وإنما في أن يجعل الجميع قادرين على العمل من أجل الهدف المشترك.

إن اختيار القيادات مسؤولية مشتركة، ومن الحكمة أن نسأل قبل أن نختار: من هو الأقدر على حمل الأمانة؟ من يستطيع أن يجمع ولا يفرق؟ من يملك الصبر والحكمة؟ من يستطيع أن يتعامل مع اختلاف الناس؟ من يضع المصلحة العامة قبل مصلحته الشخصية؟ ومن يستطيع أن يتجاوز صغائر الأمور دون أن يفقد حقه أو حق الآخرين؟

فالقيادة ليست تكريمًا لشخص، وإنما تكليف له، وليست فرصة لإثبات الذات، وإنما أمانة لخدمة الآخرين.

وإذا أحسنا الاختيار، وضعنا كل إنسان في المكان الذي يناسب قدرته، وأعطينا الكفاءة فرصتها، والأمانة مكانتها، والحكمة قيمتها؛ عندها يصبح الاختلاف مصدر قوة، والعمل الجماعي أكثر نجاحًا، وتتحول المسؤولية من مجرد منصب إلى رسالة.

فالقيادة الحقيقية أن تكون أهلًا للأمانة قبل أن تكون صاحبًا للمنصب، وأن تكون سببًا في جمع القلوب قبل أن تكون صاحب قرار وأن يترك الإنسان بعد مسؤوليته أثرًا طيبًا في الناس، لا مجرد اسمٍ مرّ عليهم.

المقالة السابقة

وجه الحقيقة | التجاني عبد القادر.. كان أكبر من السياسة .. إبراهيم شقلاوي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *