Popular Now

وجه الحقيقة | الجامعة.. أزمة اختيار أم أزمة دولة؟ .. د. إبراهيم شقلاوي

أصل القضية | الشرق الأوسط ..الرهان على الزمن .. د. محمد أحمد أبوبكر .. باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

السودان بين التحولات الميدانية وضغوط التسوية وتداعيات الأزمة الإثيوبية ..مجريات الحرب وآفاق المرحلة المقبلة .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشؤون الأفريقية والعلاقات الدولية وتحليل النزاعات

أصل القضية | الشرق الأوسط ..الرهان على الزمن .. د. محمد أحمد أبوبكر .. باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

في السياسة، لا يكون الزمن مجرد أيام تمر، أحيانًا يصبح الزمن نفسه ورقة تفاوض، وأداة ضغط ومساحة لإعادة ترتيب الأوراق؛ من ينتظر ماذا؟ ومن يستطيع أن يتحمل الانتظار؟ ومن يتحول الانتظار عنده من عبء إلى مكسب؟

هذا هو السؤال الذي يطل من خلف المشهد الإيراني–الأمريكي، فالمفاوضات التي تتحرك ببطء حول الحرب ومضيق هرمز لا تجري خارج الزمن، بل داخله. طهران طرحت مسارًا لإعادة فتح المضيق خلال سبعة أيام إذا تحققت شروطها، بينما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه يتوقع إمكان التوصل إلى اتفاق بعد انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر. وفي الخلفية، تتحرك أسعار الطاقة والأسواق وفق كل إشارة تصدر من الطرفين.

هنا يصبح السؤال أكثر عمقًا: هل يتفاوض الطرفان على القضايا فقط، أم يتفاوض كل طرف أيضًا على الزمن؟

إيران تحتاج إلى أن يتحول استمرار الضغط والطاقة إلى كلفة سياسية واقتصادية، وواشنطن تحتاج إلى إدارة هذه الكلفة ضمن حساباتها الداخلية والخارجية. ولذلك قد يكون التأخير نفسه رسالة، وقد يكون الانتظار جزءًا من التفاوض.
لكن القصة لا تقف عند طهران وواشنطن. فكلما تحركنا جنوبًا، وجدنا أن البحر الأحمر، وباب المندب، واليمن والقرن الأفريقي تدخل في المعادلة نفسها. وفي اليمن، أدى التصعيد الأخير إلى تغيير جديد في ميزان السيطرة حول البحر الأحمر وباب المندب، فيما امتدت تداعياته إلى أمن الطاقة والملاحة.
في إثيوبيا، عاد القتال في تيغراي إلى الواجهة بعد سنوات قليلة من اتفاق أنهى الحرب السابقة، في مشهد يذكرنا بأن الزمن لا يعالج الأزمات تلقائيًا، أحيانًا يؤجل انفجارها فقط.
ومن هنا نصل إلى السودان.

السودان لا يعيش أزمة زمنية فحسب بل يعيش أزمة تُنتجها إطالة الزمن.
منذ اندلاع الحرب في أبريل ٢٠٢٣م ، تحولت الأيام إلى سنوات، وتحولت السنوات إلى واقع جديد تتغير داخله موازين الاقتصاد، والمجتمع والسيادة. وتشير بيانات حديثة إلى استمرار الانقسام الاقتصادي وتراجع قيمة الجنيه بشدة في المناطق التي تسيطر عليها القوات المسلحة، فيما يستنزف استمرار الحرب موارد الدولة وقدرتها على استعادة دورة الحياة الطبيعية.
وهنا تكمن خطورة الرهان على الزمن، فالدولة لا تنتظر وحدها المجتمع يتغير أثناء الانتظار.
كل يوم حرب يعيد توزيع القوة. كل شهر بلا تسوية يعيد تشكيل الاقتصاد.
وكل سنة بلا أفق سياسي تترك أثرًا في علاقة المواطن بالدولة، وفي تعريفه لمعنى السلطة والأمان والمستقبل.

وهنا يجب أن نسأل إذا كان الزمن يعيد تشكيل الواقع، فمن الذي يدير هذا الزمن؟
هذه ليست مسألة سودانية فقط. إنها واحدة من أسئلة الشرق الأوسط الجديد.
فالشرق الأوسط الذي يُعاد تشكيله لا يتغير فقط بالحدود والحروب والتحالفات، بل أيضًا بإطالة الأزمات حتى يصبح المؤقت دائمًا، والاستثناء قاعدة، والاعتماد وظيفة، وتصبح الدولة أقل قدرة على صناعة قرارها المستقل.
وهنا يظهر مفهوم الدولة الوظيفية الذي توقفنا عنده في #أصل_القضية.. ليست الدولة التي تختفي من الخريطة، وإنما الدولة التي تبقى على الخريطة بينما تتآكل قدرتها على تحديد مصالحها وصناعة خياراتها.

ولذلك فإن المشهد السوداني الأخير اول الأمس، بما فيه من تجمع جماهيري وظهور سياسي لرئيس مجلس السيادة، يستحق أن يُقرأ بأكثر من زاوية. فليس السؤال كم كان عدد الحاضرين؟
السؤال الأهم ماذا أضاف المشهد إلى مصلحة الدولة؟ وماذا أضاف إلى حياة المواطن؟
ففي الدول التي تتعرض لأزمة ممتدة، يمكن للجماهير أن تتحول إلى أداة لإنتاج صورة سياسية، بينما يبقى المواطن خارج معادلة المكاسب الفعلية.

وهنا نعود إلى أصل القضية..
قد تُدار الحشود، وقد تُدار المنابر، وقد تُدار المفاوضات لكن من يدير الزمن؟
لأن الدولة التي لا تدير زمن أزمتها، قد تجد نفسها يومًا أمام أزمة تدير شكل دولتها.

والشرق الأوسط اليوم لا ينتظر نهاية الحروب فقط إنه ينتظر شكل المنطقة التي ستخرج منها.

أما السودان، فالمعركة الحقيقية ليست فقط في أن تنتهي الحرب، بل في ألا تجعلنا إطالتها نخرج من الحرب بسودان آخر.
فالزمن لا يقتل الأزمة دائماً، أحيانًا يعيد هندستها.
وهنا، بالضبط أصل القضية.

المقالة السابقة

السودان بين التحولات الميدانية وضغوط التسوية وتداعيات الأزمة الإثيوبية ..مجريات الحرب وآفاق المرحلة المقبلة .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشؤون الأفريقية والعلاقات الدولية وتحليل النزاعات

المقالة التالية

وجه الحقيقة | الجامعة.. أزمة اختيار أم أزمة دولة؟ .. د. إبراهيم شقلاوي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *