مقدمة
تدخل الحرب السودانية مرحلة جديدة تتداخل فيها التطورات العسكرية مع الضغوط الدبلوماسية والتحولات الإقليمية، في وقت تبدو فيه جبهات القتال أكثر ارتباطاً بما يجري في دول الجوار، خصوصاً إثيوبيا.
ففي الوقت الذي يواصل فيه الجيش السوداني عملياته في شمال كردفان، تتصاعد الضغوط السياسية المرتبطة بمقترح الهدنة الأميركية، بينما تشهد إثيوبيا تطورات عسكرية وسياسية قد تجعل الحدود الشرقية للسودان جزءاً أكثر حساسية من معادلة الحرب.
وعليه، فإن السؤال لم يعد فقط: ماذا يحدث في ساحات القتال؟ بل أصبح: هل تتجه الحرب إلى إعادة تشكيل موازين القوى داخل السودان، بالتزامن مع إعادة ترتيب البيئة الإقليمية المحيطة به؟
المحور الأول: كردفان تتحول إلى مركز الثقل العسكري
تشير التطورات الأخيرة إلى استمرار الضغط العسكري للجيش السوداني في شمال كردفان، مع إعلان السيطرة على سودري والتقدم باتجاه مناطق المزروب وحمرة الشيخ وأم بادر، وهي مناطق ترتبط جغرافياً بمحاور دارفور وكردفان.
وتشير التقارير إلى أن قوات الدعم السريع تراجعت من عدد من المواقع في شمال كردفان باتجاه المزروب والمناطق الغربية، بينما واصل الجيش استخدام الطيران والمسيّرات في استهداف مواقع ومتحركات الدعم السريع.
وتكتسب هذه العمليات أهمية تتجاوز السيطرة على مدينة أو منطقة محددة، لأن شمال كردفان يمثل حلقة وصل بين وسط السودان ودارفور، وبالتالي فإن أي تغيير في موازين القوى هناك يمكن أن يؤثر في خطوط الإمداد والحركة بين المنطقتين.
المحور الثاني: الحرب تتحول بصورة أكبر إلى حرب مسيّرات واستهداف للبنية الحيوية
في مقابل التقدم البري في بعض محاور كردفان، تستمر حرب المسيّرات في توسيع نطاق الاستهداف.
فقد تعرضت مستودعات الوقود في أم عليلة بولاية الجزيرة لهجوم بطائرات مسيّرة، وأعلنت السلطات السيطرة على الحريق الذي اندلع في المنشأة. وتعد المستودعات من المنشآت المهمة لتخزين وتوزيع الوقود في الجزيرة والمناطق المحيطة بها.
وهذا التطور يكشف انتقال جزء من المعركة من استهداف القوات إلى استهداف القدرة اللوجستية والاقتصادية للدولة؛ فالوقود يرتبط بالنقل والكهرباء والخدمات والإمداد العسكري والمدني في آن واحد.
ومن ثم فإن حماية منشآت الطاقة والوقود والطرق والجسور ومراكز الاتصالات أصبحت جزءاً من الأمن القومي وليس مجرد ملف خدمي.
المحور الثالث: ماذا بعد منع البرهان من حضور الجمعية العامة؟
أدى منع رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان من الحصول على التأشيرة الأميركية للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى أزمة سياسية ودبلوماسية.
وبحسب رويترز، ارتبطت مسألة التأشيرة بمقترح أميركي لهدنة لمدة 90 يوماً قدمه مسعد بولس، وهو ما رفضه البرهان علناً، مؤكداً أنه لا يريد أن تكون مشاركته الدولية مرتبطة بشروط من هذا النوع.
والأهم هنا أن القضية تجاوزت مسألة السفر إلى نيويورك؛ إذ أصبحت مرتبطة بسؤال أكبر حول طبيعة العلاقة بين الضغط الدبلوماسي الأميركي والسلطة السودانية ومؤسسات الدولة.
وقد أظهر موقف البرهان أن الحكومة السودانية لا تنظر إلى الهدنة باعتبارها مسألة منفصلة عن ترتيبات الحرب وموازين القوى على الأرض.
المحور الرابع: مبادرة مسعد بولس والهدنة ذات التسعين يوماً
تقوم المبادرة الأميركية على وقف إنساني للقتال لمدة 90 يوماً، تمهيداً لمسار أوسع نحو وقف دائم وإطلاق عملية سياسية.
وفي 23 سبتمبر، عقد الاتحاد الأفريقي والولايات المتحدة اجتماعاً رفيع المستوى حول السودان، وشدد رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي على ضرورة الهدنة الإنسانية ووقف الأعمال العدائية، مع التأكيد على وحدة السودان وسيادته ورفض تفكيكه.
كما التقى بولس بوزير الخارجية المصري ووزير الخارجية السوداني في نيويورك، في إطار محاولة دفع مسار التسوية.
لكن المشكلة الأساسية ليست في إعلان الهدنة وإنما في كيفية تنفيذها:
من يراقب وقف إطلاق النار؟
هل تنسحب القوات من المناطق التي تسيطر عليها؟
كيف يتم التعامل مع السلاح الثقيل والمسيّرات؟
كيف تصل المساعدات إلى دارفور وكردفان؟
ماذا يحدث إذا استُخدمت الهدنة لإعادة التموضع العسكري؟
ولهذا فإن الهدنة وحدها، إذا لم تقترن بآليات تنفيذ ومراقبة واضحة، قد تتحول إلى مجرد توقف مؤقت للقتال دون تغيير جوهري في مسار الحرب.
المحور الخامس: هل تستطيع واشنطن إنتاج اختراق جديد؟
حتى الآن، لا يظهر في المسار الأميركي المعلن تغيير جوهري في جوهر المقاربة: هدنة، وقف دائم لإطلاق النار، مسار سياسي، وحماية المدنيين.
كما أكد بولس أن الولايات المتحدة تعمل مع شركائها من أجل هدنة إنسانية، بينما تحدثت واشنطن أيضاً عن مقترحات تتعلق بحظر السلاح على نطاق أوسع في السودان.
لكن التحدي أمام واشنطن يتمثل في قدرتها على تحويل الضغط السياسي إلى تسوية قابلة للتنفيذ، خصوصاً مع استمرار العمليات العسكرية وتباين حسابات الأطراف السودانية والإقليمية.
ومن هذه الزاوية، فإن تقييم المرحلة المقبلة يجب ألا يقوم على تصريحات الوسطاء فقط، وإنما على ما إذا كان الضغط الدولي سيؤدي فعلاً إلى تغيير سلوك الأطراف على الأرض.
المحور السادس: دارفور والسؤال الأصعب في أي تسوية
تبقى دارفور العقدة الأكبر في أي تصور لإنهاء الحرب.
فحتى إذا تحقق وقف إطلاق النار في مناطق أخرى، فإن استمرار وجود قوات كبيرة ومراكز عسكرية متنافسة في دارفور سيجعل التسوية الجزئية معرضة للانهيار.
كما أن أي ترتيبات تتعلق بمستقبل دارفور يجب أن تتعامل مع قضايا:
– الأمن وحماية المدنيين.
– عودة النازحين واللاجئين.
– الإدارة المحلية.
– السلاح والقوات الموجودة على الأرض.
– مستقبل العلاقة بين المركز والأقاليم.
ولهذا فإن فرض صيغة دولية جاهزة على دارفور لن يكون كافياً لمعالجة جذور الأزمة؛ فالتسوية المستدامة تحتاج إلى ترتيبات سودانية وإقليمية ودولية متدرجة، تراعي الواقع العسكري والاجتماعي والسياسي للمنطقة.
المحور السابع: إثيوبيا تدخل مباشرة في حسابات الأمن السوداني
التطور الأخطر إقليمياً يتمثل في تصاعد الصراع داخل إثيوبيا.
فقد أعلنت سبع جماعات مسلحة إثيوبية، من بينها جبهة تحرير شعب تيغراي وقوات فانو وأطراف من أوروميا وعفر وبني شنقول-قمز، تشكيل تحالف لمواجهة حكومة آبي أحمد، وسط تقارير عن تجدد القتال والتوترات على الحدود الداخلية الإثيوبية.
كما أفادت تقارير بوقوع مواجهات في إقليم عفر، بينها مناطق في محيط إيريبتي، مع تحركات لقوات تيغراي وقوات عفرية، ووجود مخاوف من امتداد العمليات نحو الطرق الاستراتيجية المؤدية إلى سمرا وممر جيبوتي.
أما ما يرد عن السيطرة الكاملة على إيريبتي والتقدم المباشر نحو سمرا، فيحتاج إلى مزيد من التحقق الميداني المستقل قبل اعتباره حقيقة مكتملة.
المحور الثامن: السودان وإثيوبيا أمام مرحلة أمنية أكثر حساسية
تزامن التصعيد الإثيوبي مع اتهامات متبادلة بين الخرطوم وأديس أبابا.
فقد اتهم رئيس أركان قوات الدفاع الوطني الإثيوبية السودان ومصر وأطرافاً أخرى بدعم جماعات مناوئة للحكومة الإثيوبية، بينما رفض الجيش السوداني هذه الاتهامات ووصفها بأنها لا أساس لها من الصحة، واتهم في المقابل بوجود دعم لقوات الدعم السريع من الأراضي الإثيوبية، بما في ذلك التدريب والإمداد واستخدام الأراضي في أنشطة عسكرية.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.
فإذا استمرت الأزمة الإثيوبية في التصاعد، فإن السودان قد يواجه:
– ضغطاً أكبر على حدوده الشرقية.
– موجات نزوح جديدة.
– نشاطاً أكبر لشبكات السلاح والتهريب.
– تعقيدات إضافية في ملف الفشقة والحدود.
– احتمال انتقال بعض التأثيرات العسكرية من إثيوبيا إلى الداخل السوداني.
وبذلك لم تعد الحرب السودانية منفصلة عن الاستقرار الإثيوبي.
المحور التاسع: السودان أمام حرب متعددة الدوائر
المشهد الحالي يمكن قراءته عبر أربع دوائر متداخلة:
الدائرة الأولى: الميدان السوداني
وتتمثل في معارك كردفان ودارفور والجزيرة ومواجهة المسيّرات.
الدائرة الثانية: المسار السياسي
وتشمل الهدنة الأميركية، والاتصالات المصرية والعربية والأفريقية، وموقف الحكومة السودانية من شروط التسوية.
الدائرة الثالثة: الإقليم
وتشمل إثيوبيا وتشاد وليبيا وجنوب السودان ومصر والبحر الأحمر.
الدائرة الرابعة: المجتمع الدولي
وتشمل الولايات المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والدول المؤثرة في الملف السوداني.
وبالتالي فإن أي تسوية تركز على الدائرة الثانية فقط، دون معالجة الدوائر الأخرى، ستظل معرضة للتعثر.
المحور العاشر: ماذا بعد؟ قراءة استراتيجية
المعطيات الحالية تشير إلى أن الحرب لم تدخل بعد مرحلة التسوية النهائية، وإنما مرحلة إعادة ترتيب مواقع القوة والتفاوض.
ميدانياً، يمثل تقدم الجيش في شمال كردفان تحولاً مهماً، لكنه لا يعني وحده حسم الحرب. وفي المقابل، فإن قدرة الدعم السريع على استخدام المسيّرات واستهداف المنشآت الحيوية تعني أن الحرب لا تزال تمتلك أدوات لإلحاق أضرار كبيرة خلف خطوط القتال.
سياسياً، لا تزال مبادرة الهدنة الأميركية هي أبرز الطروحات المطروحة دولياً، لكنها تحتاج إلى آليات أكثر وضوحاً بشأن التنفيذ والمراقبة وترتيبات القوات والمساعدات.
أما إثيوبيا، فإن استمرار الصراع فيها قد يضيف بعداً إقليمياً جديداً إلى الحرب السودانية، خصوصاً إذا تطورت العمليات في عفر وتيغراي وأوروميا، أو ارتبطت الأزمة بممرات التجارة والحدود السودانية.
الخلاصة
السودان أمام مرحلة دقيقة لا يكفي فيها قياس الحرب بعدد المدن التي تسقط أو تستعاد، وإنما يجب النظر إلى قدرة الدولة على حماية أراضيها ومؤسساتها واقتصادها وحدودها، بالتوازي مع إنتاج مسار سياسي قابل للتنفيذ.
أما منع البرهان من حضور الجمعية العامة، ومبادرة مسعد بولس، والتصعيد الإثيوبي، والتطورات العسكرية في كردفان، فهي حلقات مختلفة في أزمة واحدة تتجه بصورة متزايدة إلى الارتباط بالإقليم.
والسؤال الأهم في المرحلة المقبلة ليس فقط: هل تنجح الهدنة؟
بل: هل تستطيع الهدنة أن تتحول إلى مدخل لإنهاء الحرب، أم تصبح مجرد فترة لإعادة التموضع العسكري والسياسي قبل جولة جديدة من القتال؟
وهنا ستكون الأيام والأسابيع المقبلة حاسمة في تحديد اتجاه الحرب السودانية ومسارها الإقليمي.
السودان بين التحولات الميدانية وضغوط التسوية وتداعيات الأزمة الإثيوبية ..مجريات الحرب وآفاق المرحلة المقبلة .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشؤون الأفريقية والعلاقات الدولية وتحليل النزاعات
المقالة السابقة


