ما حدث في المنطقة الصناعية بحري ليس مجرد قصة عن كهرباء انقطعت ومصانع توقفت، ولا مجرد زيارة مفاجئة لرئيس مجلس السيادة، المشهد في جوهره كشف خللاً أعمق في طريقة إدارة الدولة لمرحلة يفترض أنها مرحلة استعادة الخرطوم، وبناء الأمل وإعادة عجلة الإنتاج.
رئيس الدولة يجلس أمام مصنع يحتسي الشاي والقهوة، يستمع إلى أصحاب المصانع والعاملين، ثم يستدعي المسؤولين ويسألهم سؤالاً بسيطاً: كم تحتاجون من المال لإعادة الكهرباء؟ وكم من الوقت؟
عشرة تريليونات!
وشهر كامل!
هنا يصبح السؤال مشروعاً إذا كانت المشكلة مالاً والمال،متاح فلماذا يحتاج الحل إلى شهر؟ وإذا كان بالإمكان إنجاز العمل خلال أسبوع فلماذا ظل المواطن والمصنع والعامل ينتظرون كل هذا الوقت؟
هذه هي المفارقة التي كشفتها زيارة البرهان. أحياناً لا تكون المشكلة في غياب الموارد ولا في غياب الحلول، وإنما في جهاز تنفيذي أثقلته البيروقراطية حتى أصبح القرار يمشي على قدمي سلحفاة بينما البلد تحتاج إلى أن تركض، لكن القضية أكبر من الكهرباء، عودة الخرطوم تحتاج إلى خطة وطنية معلنة لها قيادة واحدة، وموعد محدد ومؤشرات قياس واضحة.
خطة (عودة الخرطوم)
أولاً: غرفة عمليات موحدة للعودة
إنشاء غرفة عمليات عليا لعودة الخرطوم تضم الكهرباء، والمياه، والصحة، والطرق، والاتصالات، والصناعة، والنقل، والمالية، والولاية، والقطاع الخاص، على أن تكون لها صلاحيات تنفيذية مباشرة لا مجرد صلاحيات تنسيق
ثانياً؛ خريطة المناطق ذات الأولوية
تقسيم الخرطوم إلى مناطق وتحديد الأولويات وفق ثلاثة مسارات متوازية؛
السكن، والخدمات، الإنتاج، والصناعة المؤسسات الحكومية، فلا معنى لإعادة الأحياء دون إعادة الخدمات ولا معنى لإعادة الخدمات دون إعادة الإنتاج
ثالثاً: الكهرباء والمياه أولاً إعادة تأهيل شبكات الكهرباء والمياه وفق برنامج طوارئ مع إعطاء أولوية للمناطق الصناعية والأسواق والمستشفيات ومرافق المياه ومحطات الصرف الصحي بالتوازي مع إعادة الخدمة للأحياء السكنية
رابعا إعادة تشغيل المصانع خلال 90 يوما
إجراء حصر شامل للمصانع والمنشآت المتوقفة وتصنيفها إلى مصانع قابلة للتشغيل فورا ومصانع تحتاج إلى صيانة ومصانع تحتاج إلى تمويل وإعادة تأهيل.
وتخصيص نافذة واحدة لإنهاء إجراءاتها بدلا من ترك صاحب المصنع يتنقل بين الوزارات والمؤسسات
خامسا برنامج عودة العامل فالعودة ليست للمباني وحدها يجب وضع برنامج لتوفير السكن المؤقت والمواصلات والخدمات الأساسية للعاملين العائدين وربط عودة المصانع بعودة القوة العاملة
سادساً: إعادة تشغيل المستشفيات والمدارس لا يمكن الحديث عن عودة آمنة بينما المستشفى مغلق والمدرسة معطلة، ولذلك يجب تحديد قائمة بالمستشفيات والمدارس ذات الأولوية وإعادة تشغيلها وفق جداول زمنية معلنة.
سابعاً: عودة الأسواق والنقل إعادة تأهيل الأسواق المركزية ومواقف النقل والطرق الرئيسية والجسور مع خطة لضبط حركة السلع ومنع الاختناقات التي يمكن أن ترفع تكلفة المعيشة على المواطن العائد.
ثامناً: شراكة حقيقية مع القطاع الخاص
الدولة لا تستطيع وحدها تمويل إعادة إعمار الخرطوم لذلك يجب فتح المجال أمام المستثمرين ورجال الأعمال وأصحاب المصانع وتقديم حوافز مؤقتة تشمل الإعفاءات الجمركية والضريبية وتسهيل التمويل لاستعادة النشاط الاقتصادي.
تاسعاً: منصة شفافية ومحاسبة كل مشروع يجب أن تكون له ثلاثة أرقام معلنة
كم تكلف؟ متى يبدأ؟ ومتى ينتهي؟
وإذا انتهى الموعد دون إنجاز يعرف المواطن أين تعثرت المسألة ومن المسؤول عن التأخير
عاشراً؛ مؤشر شهري لعودة الخرطوم لا نريد بيانات إنشائية عن (عودة الحياة ) نريد أرقاماً:
– كم مصنعاً عاد للعمل؟
– كم مستشفى عاد للخدمة؟
– كم مدرسة فتحت أبوابها؟
– كم كيلومترا من الطرق أعيد تأهيله؟
– كم حيّا عادت إليه المياه والكهرباء؟
– وكم أسرة عادت بالفعل؟
هكذا فقط يتحول شعار (الخرطوم تعود) من شعار سياسي إلى مشروع قابل للقياس.
فالخرطوم لن تعود بالتصريحات، ولن تنهض باللجان، ولن تبنى بالمكاتبات، الخرطوم تعود عندما تعمل الكهرباء، وتفتح المصانع، وتتحرك الأسواق، وتعود المستشفيات والمدارس، ويجد العامل عمله، ويشعر المواطن أن المدينة أصبحت قابلة للحياة من جديد، أما كرسي البرهان البلاستيكي فقد كشف شيئا أكبر من أزمة كهرباء، كشف أن بعض مشاكل الدولة لا تحتاج إلى مليارات جديدة بقدر ما تحتاج إلى إرادة تنفيذية، وقرار سريع ومسؤول يعرف أن الزمن في مرحلة ما بعد الحرب ليس تفصيلاً إدارياً، بل جزء من معركة استعادة الوطن.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس متى تعود الخرطوم؟
بل من يملك خطة إعادتها ومن يملك شجاعة تنفيذها ومن سيحاسب إذا لم تنفذ؟


