اليوم طالعت في الصحف خبر مفاده ، نية الحكومة السودانية تغيير العملة وهذا الذي استعداني لكتابة هذا المقال بعد توقف دام شهر احاول فيه أن اقرأ الواقع الاقتصادي الراهن و الذي حير خبراء و علماء الاقتصاد فما بال كاتب في الشأن الاقتصادي!!!
و بالرجوع لموضع المقال نود أن نبدأ بتحديد الفروق في تغيير العملة فهناك فرق كبير بين أن تغير الدولة شكل العملة وأن تنجح في تغيير القيمة الاقتصادية للعملة
وهذه هي النقطة التي ينبغي أن يبدأ منها النقاش حول قرار استبدال العملة السودانية.
فالسودان لا يواجه مشكلة في شكل الأوراق النقدية وحدها ولا في قدم بعض الطبعات أو انتشار العملات المزيفة ،ولكن يواجه أزمة أعمق تتعلق بقيمة الجنيه ومستوى التضخم وحجم السيولة وضعف الإنتاج وتراجع الصادرات وشح النقد الأجنبي وضعف الثقة في الجهاز المصرفي إلى جانب آثار الحرب والانقسام الاقتصادي.
ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس (هل يحتاج السودان إلى استبدال عملته؟)
فالسؤال الأكثر أهمية هو (هل يستطيع استبدال العملة أن يرفع قيمة الجنيه السوداني؟)
والإجابة العملية المباشرة هي (نعم) يمكن أن يساعد ولكنه لا يستطيع وحده رفع قيمة الجنيه.
فالاستبدال قد يكون أداة مهمة لإعادة تنظيم النظام النقدي واستعادة جزء من السيطرة على السيولة ولكنه لن يصبح أداة لرفع قيمة الجنيه إلا إذا جاء ضمن حزمة اقتصادية متكاملة تعالج أسباب انخفاض قيمته.
لماذا تستبدل الدولة العملة أصلا؟:
بدأ بنك السودان المركزي بالفعل عملية استبدال تدريجية للفئتين القديمتين من 500 و1000 جنيه وربط العملية بإيداع الأموال في الحسابات المصرفية وتوسيع فتح الحسابات وتشجيع استخدام وسائل الدفع المختلفة، كما أوضح البنك أن العملية تهدف إلى تعزيز الثقة في العملة ودعم الاستقرار الاقتصادي،وفي سبتمبر 2026 عادت قضية تغيير العملة إلى الواجهة بصورة أوسع مع اجتماع اللجنة العليا برئاسة الفريق مهندس إبراهيم جابر فيما أوضحت اللجنة لاحقا أن مهمتها لا تقتصر على استبدال الأوراق النقدية و إنما تمتد إلى قضايا الاقتصاد الكلي، وهذا التفريق مهم جدا.
فاستبدال العملة يمكن أن يحقق عدة أهداف في وقت واحد:
1. إخراج الأوراق المزيفة أو غير الآمنة من التداول.
2. إعادة جزء من السيولة إلى الجهاز المصرفي.
3. تحسين معرفة السلطات بحجم الأموال المتداولة
4. توسيع قاعدة المتعاملين مع المصارف
5. ودفع الاقتصاد تدريجيا نحو المدفوعات الإلكترونية.
لكن كل هذه النتائج رغم أهميتها لا تعني بالضرورة أن الدولار سينخفض أمام الجنيه.
ماذا يحدث لقيمة الجنيه بعد الاستبدال؟:
لنفترض أن المواطن يمتلك مليون جنيه قبل الاستبدال، إذا قامت الدولة باستبدال الأوراق القديمة بأوراق جديدة وظل لديه مليون جنيه بالقوة الشرائية نفسها فإن الدولة لم ترفع قيمة الجنيه هي فقط غيرت الوسيلة التي يحمل بها المواطن نقوده، وبالمثل إذا كان الدولار يساوي آلاف الجنيهات قبل الاستبدال فإن تغيير تصميم الورقة أو استبدال الطبعة لا يجعل الدولار أرخص تلقائيا، فقيمة العملة لا تتحدد بالحبر والورق ولكن بالاقتصاد الذي يقف خلفها ولهذا فإن استبدال العملة يمكن تشبيهه بإعادة ترتيب النظام النقدي بينما رفع قيمة الجنيه يحتاج إلى إعادة بناء الأساس الاقتصادي الذي يمنحه قيمته، ولكن هنا تظهر أهمية الاستبدال وهذا لا يعني أن عملية الاستبدال غير مهمة، على العكس تماما قد تكون ذات أثر اقتصادي كبير إذا صممت باعتبارها جزءا من إصلاح نقدي شامل.
فإذا كانت كميات كبيرة من السيولة خارج الجهاز المصرفي فإن إدخالها إلى البنوك يرفع قدرة البنك المركزي على معرفة حجم النقد المتداول وإدارة السيولة.
وإذا أدت العملية إلى فتح ملايين الحسابات المصرفية فإن الدولة تنتقل تدريجيا من اقتصاد يعتمد على النقد إلى اقتصاد تستطيع فيه المؤسسات المالية تتبع حركة الأموال وتوجيه الائتمان، أما إذا ارتبطت العملية بتقليل التمويل النقدي للعجز وتشجيع الصادرات وترشيد الواردات وزيادة احتياطيات النقد الأجنبي فإن أثرها ينتقل من مجرد استبدال أوراق إلى إعادة بناء السياسة النقدية ، وهنا تحديدا يمكن أن يبدأ الجنيه في استعادة قوته، فالجنيه لا يحتاج إلى عملة جديدة فقط.. ولكن إلى طلب حقيقي عليه
يمكن النظر إلى قيمة الجنيه من زاوية بسيطة:
كلما زاد الطلب على الجنيه مقارنة بالعملات الأجنبية، تحسن سعره.
وكلما زاد الطلب على الدولار والعملات الأجنبية بسبب الاستيراد والمضاربة و التحوط من التضخم بينما انخفضت قدرة الاقتصاد على توفير النقد الأجنبي من الصادرات والاستثمارات والتحويلات زاد الضغط على الجنيه.
لذلك فإن السؤال الذي يجب أن تطرحه الحكومة بعد استبدال العملة هو (كيف نجعل الاقتصاد السوداني ينتج دولارا أكثر ويطلب الدولار أقل؟) ،وهذه هي المعركة الحقيقية لسعر الصرف فالسودان يحتاج إلى زيادة المعروض من الدولار، ورفع قيمة الجنيه لن يحدث بصورة مستدامة إلا إذا زاد تدفق العملات الأجنبية إلى الاقتصاد الرسمي.
وهنا تظهر القطاعات التي يمتلك السودان فيها ميزة نسبية واضحة( الذهب، الثروة الحيوانية، الزراعة، الصمغ العربي، السمسم، القطن، اللحوم، المنتجات الغذائية المصنعة) وغيرها.
المشكلة ليست فقط في حجم الإنتاج و إنما في قدرة الدولة على تحويل الإنتاج إلى حصيلة نقد أجنبي تدخل النظام المصرفي، فطن من الذهب أو محصول زراعي يتم إنتاجه داخل السودان ولا يدخل عائده إلى النظام المصرفي ولا يقدم للبنك المركزي نفس الأثر الذي يقدمه دولار يدخل القنوات الرسمية ويصبح جزءا من الاحتياطي والسيولة الأجنبية، لذلك يجب أن يتحول إصلاح العملة إلى برنامج متكامل لتعظيم حصيلة الصادرات،وهذه النقطة نفسها تظهر في حزمة الإصلاحات التي أعلن عنها بنك السودان المركزي والتي تربط بين ضبط السيولة وتعظيم عائد الصادرات وترشيد الاستيراد وتحقيق استقرار سعر الصرف وخفض التضخم.
المعادلة الأخرى…تقليل الطلب على الدولار:
زيادة الصادرات وحدها لا تكفي،إذا ظل الاقتصاد يستورد أكثر مما يستطيع تمويله فسوف يستمر الضغط على الدولار، وهنا يصبح إصلاح الاستيراد جزءا من سياسة سعر الصرف ولكن المقصود هنا ليس إيقاف الاستيراد بصورة عشوائية وإنما إعادة ترتيب الأولويات و المتمثلة في :
1. المواد الغذائية الأساسية.
2. مدخلات الإنتاج.
3. الآلات والمعدات
4. الأدوية
5. مدخلات الانتاج الزراعي والصناعي.
6. احتياجات إعادة الإعمار ينبغي أن تحظى بالأولوية.
أما السلع الكمالية والأنشطة التي تستنزف النقد الأجنبي دون إضافة إنتاجية واضحة فيمكن التعامل معها بأدوات مالية ونقدية أكثر دقة.
بهذه الطريقة ينخفض الطلب غير الضروري على الدولار في الوقت الذي تعمل فيه الدولة على زيادة المعروض منه.
التضخم هو العدو الحقيقي للجنيه:
هناك جانب آخر ربما يكون أهم من عملية الاستبدال نفسها وهو التضخم.
فعندما ترتفع الأسعار بصورة مستمرة يفقد المواطن الثقة في الاحتفاظ بالجنيه ويبدأ في البحث عن وسيلة أخرى لحفظ القيمة سواء الدولار أو الذهب أو العقار أو السلع، وهكذا تتراجع الرغبة في الاحتفاظ بالجنيه ويرتفع الطلب على العملات الأجنبية فتزداد الضغوط على سعر الصرف حيث تشير بيانات البنك الدولي إلى أن التضخم في السودان قفز بصورة حادة خلال الحرب نتيجة اضطراب الإنتاج وسلاسل الإمداد ونقص السلع وارتفاع تكاليف النقل والغذاء كما ربط البنك الدولي التعافي المستدام باستعادة الإنتاج والاستقرار والإصلاحات الاقتصادية.
ولهذا فإن أي سياسة تستهدف تقوية الجنيه يجب أن تبدأ من سؤال (كيف نخفض التضخم بصورة مستدامة؟) ليس(كيف نستبدل الأوراق النقدية؟)
السيطرة على السيولة…هنا يمكن أن يصبح الاستبدال مفيداً جداً:
إذا أحسن البنك المركزي إدارة عملية الاستبدال فقد تكون فرصة لإعادة ضبط السيولة، والهدف ليس سحب النقود من المواطنين ولكن إعادة تنظيمها، فالأموال التي تدخل البنوك يمكن أن تتحول من نقد مخزن إلى ودائع ومن الودائع إلى تمويل إنتاجي ومن التمويل إلى إنتاج وصادرات ومن الصادرات إلى نقد أجنبي ومن النقد الأجنبي إلى دعم استقرار سعر الصرف.
هذه هي الحلقة التي ينبغي أن تبحث عنها السياسة النقدية ،أما إذا دخلت الأموال إلى البنوك ثم عادت سريعا إلى السوق النقدية دون زيادة في الإنتاج فإن أثر العملية سيكون محدودا، بمعنى آخر
المشكلة ليست كم جنيه دخل البنك انما ماذا سيفعل النظام المصرفي بهذا الجنيه بعد دخوله؟
من استبدال العملة إلى إعادة تدوير الجنيه:
وهنا يمكن تطوير عملية الاستبدال إلى مشروع اقتصادي أكبر بدلا من أن تنتهي العملية عند استلام المواطن للعملة الجديدة يمكن تحويلها إلى بداية لدورة اقتصادية جديدة متمثلة في ( إيداع ، حساب مصرفي ،ادخار،تمويل انتاج،انتاج، صادرات ،
نقد اجنبي إيداع → ، استقرار سعر الصرف )، فإذا نجحت الدولة في بناء هذه الدورة فإن عملية الاستبدال تصبح ذات قيمة اقتصادية تتجاوز تغيير الأوراق والتصاميم.
أما إذا توقفت عند استبدال الطبعة القديمة بالجديدة، فسيكون أثرها الأساسي نقدي وإداري وليس علاج لقيمة الجنيه.
هل يعني ذلك خفض قيمة الجنيه أولاً ثم رفعها؟
هنا يجب التفريق بين تغيير سعر الصرف الاسمي وبين تحسين القيمة الحقيقية للعملة، قد تستطيع الحكومة بقرار إداري أن تحدد سعر جديد للجنيه أمام الدولار، لكن إذا كان السوق لا يثق بهذا السعر فسوف يظهر سعر آخر في السوق الموازية، لذلك فإن توحيد سعر الصرف يجب ألا يكون مجرد قرار إداري بل نتيجة لسياسة تجعل السعر الرسمي قريب من الواقع الاقتصادي، وهذا يتطلب سوق نقدية أكثر شفافية وتوفير النقد الأجنبي عبر المصارف وتقليل الفجوة بين السعر الرسمي والموازي وتشجيع المصدرين على إدخال حصائلهم عبر الجهاز المصرفي.
ماذا عن حذف الأصفار؟
إذا كانت الحكومة تتجه في مرحلة لاحقة إلى إعادة هيكلة العملة أو حذف أصفار من الجنيه فهذه قضية مختلفة عن رفع قيمة العملة، فحذف الأصفار يمكن أن يسهل التعاملات والمحاسبة ويعيد تنظيم الفئات النقدية، ولكن إذا كان 1000 جنيه قديم يساوي جنيه جديد على سبيل المثال فإن المواطن لا يصبح أغنى بمجرد تغيير وحدة القياس، فالأمر يشبه تغيير وحدة القياس من المتر إلى السنتيمتر فالرقم يتغير ولكن المسافة نفسها لا تتغير، لذلك فإن إعادة تسمية الجنيه لاتعد إعادة تقييم للجنيه، فإعادة التقييم الحقيقية تحتاج إلى اقتصاد قادر على الدفاع عن العملة.
ما الذي يجب أن يصاحب استبدال العملة؟:
إذا أرادت الحكومة أن تجعل من عملية الاستبدال مدخل حقيقي لاستعادة قيمة الجنيه فإن العملية تحتاج إلى خمسة مسارات تعمل في وقت واحد.
المسار الأول هو ضبط السيولة:
– يجب أن يعرف البنك المركزي حجم الكتلة النقدية ومصادر نموها واتجاهاتها وأن يمنع التوسع النقدي الذي لا يقابله نمو في الإنتاج.
المسار الثاني هو وقف تمويل العجز بطباعة النقود:
– إذا زاد الإنفاق الحكومي عن الموارد المتاحة وتمت تغطية الفجوة بإصدار نقدي جديد فسوف تعود الضغوط التضخمية حتى بعد نجاح عملية الاستبدال.
المسار الثالث هو تحويل الصادرات إلى مصدر قوة للجنيه.
– الذهب والزراعة والثروة الحيوانية والصناعات الغذائية يجب ألا تكون مجرد قطاعات إنتاج،ولكن مصادر منظمة للنقد الأجنبي.
المسار الرابع هو إصلاح القطاع المصرفي:
– لا يمكن مطالبة المواطن بإيداع أمواله في المصارف إذا كان النظام المصرفي غير قادر على توفير السيولة والخدمات والتحويلات والائتمان بصورة موثوقة.
المسار الخامس هو إعادة تشغيل الاقتصاد الحقيقي:
– وهذا هو العامل الحاسم، فمثلا مصنع يعمل ومزرعة تنتج ومسلخ يصدر وميناء يعمل وشركة لوجستية تنقل السلع كلها في النهاية أدوات لدعم الجنيه، فالعملة القوية هي انعكاس لاقتصاد قادر على الإنتاج والكسب والتصدير.
أين موقع الذهب في هذه المعادلة؟
يمكن أن يمثل الذهب أحد أهم الأدوات في المرحلة الانتقالية إذا تمت ادارته بصورة مؤسسية، المطلوب بناء منظومة تجعل الدولة قادرة على زيادة الإنتاج وتنظيم الشراء وتقليل التهريب وإدخال الحصائل إلى النظام المصرفي وبناء احتياطي نقدي يدعم الاستقرار.
وبذلك يمكن أن يتحول الذهب من سلعة يتم تداولها خارج النظام المالي إلى أحد مصادر القوة الخارجية للجنيه.
وماذا عن احتياطي النقد الأجنبي؟
لا يمكن الدفاع عن أي عملة في سوق مفتوحة دون وجود قدرة على توفير النقد الأجنبي عند الحاجة، لذلك ينبغي أن يكون أحد أهداف السياسة النقدية بعد الاستبدال هو بناء احتياطي تدريجي من العملات الأجنبية،لكن الاحتياطي لا يبنى بالاقتراض فقط، فالاحتياطي المستدام يأتي أساسا من:
– الصادرات، وتحويلات السودانيين بالخارج، والاستثمار الأجنبي، وإيرادات الذهب، والخدمات القابلة للتصدير، وتحسين كفاءة النظام المصرفي.
ما الذي يمكن أن نتوقعه من استبدال العملة؟
إذا تمت العملية بصورة جيدة فمن الممكن أن تحقق فوائد مهمة:
1. تقليل تداول الطبعات القديمة والمزيفة
2. زيادة الأموال التي تدخل الجهاز المصرفي
3. تحسين الشمول المالي مع رفع قدرة البنك المركزي على إدارة السيولة و دعم الرقمنة وتحسين المعلومات المتاحة عن حركة الأموال.
لكن لا ينبغي أن نحمّلها نتيجة لا تستطيع تحقيقها بمفردها.
فإن استبدال العملة قد يكون شرط مساعد لرفع قيمة الجنيه لكنه لا يعد سبب كافي لرفع قيمته، والفارق بين الاثنين جوهري.
إذن.. هل استبدال العملة هو الحل؟
الجواب الاقتصادي الأقرب للدقة حسب تحليل الخبراء هو
استبدال العملة لايعد الحل الوحيد لرفع قيمة الجنيه لكنه يمكن أن يكون أحد مكونات الحل، فالعملة الجديدة يمكن أن تمنح البنك المركزي فرصة لإعادة تنظيم السيولة وتوسيع التعامل المصرفي ومكافحة التزوير وتحسين الرقابة على حركة الأموال، ولكن ارتفاع قيمة الجنيه واستقراره يحتاجان إلى شيء أكبر بكثير(خفض التضخم، ضبط السيولة، وقف التمويل النقدي للعجز، زيادة الإنتاج، رفع الصادرات، توفير النقد الأجنبي، ترشيد الاستيراد، إصلاح المصارف، واستعادة الثقة), والأهم من ذلك كله هو إعادة بناء الاقتصاد الحقيقي، فإذا أنتج السودان أكثر وصدر أكثر و استورد بصورة أكثر كفاءة وجذب تحويلات واستثمارات أكبر وأصبح لديه احتياطي نقدي أفضل فإن الطلب على الجنيه سيرتفع بصورة طبيعية.
أما إذا استبدلت العملة بينما ظل الإنتاج ضعيف والتضخم مرتفع والعجز المالي قائم والنقد الأجنبي شحيح فإن الجنيه الجديد سيواجه في النهاية المشكلة القديمة نفسها، فالجنيه القوي يبدأ من الاقتصاد ولا من المطبعة ربما يكون هذا هو الدرس الأهم في عملية استبدال العملة السودانية،فالمطبعة تستطيع أن تنتج ورقة جديدة،والبنك المركزي يستطيع أن يسحب ورقة قديمة، ولكن لا توجد مطبعة تستطيع أن تطبع إنتاجا، أو صادرات أو ثقة أو احتياطيا من النقد الأجنبي.
لهذا فإن نجاح عملية استبدال العملة ينبغي ألا يقاس بعدد الأوراق التي تم استبدالها ولكن بما إذا كانت العملية قد ساعدت السودان على الانتقال من اقتصاد يحتفظ بالنقد إلى اقتصاد ينتج القيمة، ومن هنا تصبح عملية الاستبدال بداية وليست نهاية،فالجنيه السوداني لن يستعيد قيمته لأن شكله تغير ولكن عندما يصبح وراءه اقتصاد أقوى من الاقتصاد الذي فقد قيمته.
وهذا يعني أن الاختبار الحقيقي لقرار استبدال العملة لا في يوم طرح الورقة الجديدة وانما في الأشهر والسنوات التي تليها( هل انخفض التضخم؟ هل زادت الصادرات؟ هل تحسن تدفق النقد الأجنبي؟ هل تراجعت السوق الموازية؟ هل عاد المواطن إلى المصرف؟ وهل أصبح الجنيه مخزنا مقبولا للقيمة مرة أخرى؟)
إذا بدأت الإجابة عن هذه الأسئلة تتحسن عندها يمكن القول إن استبدال العملة أدى دوره كجزء من الإصلاح النقدي.
أما إذا تغيرت الأوراق وبقيت المؤشرات الأساسية للاقتصاد كما هي فإننا نكون قد غيرنا شكل الجنيه دون أن نغير اقتصاد الجنيه هذه الصياغة في رأيي الشخصي و اعتقادي أقرب بكثير .
فلنضع الكل في طاولة واحدة ونرتب الأولويات


