مقدمة
يدخل السودان مرحلة جديدة من الحرب تتداخل فيها التطورات العسكرية مع تحركات دبلوماسية متسارعة، خصوصاً في نيويورك وواشنطن والرياض، بينما تظل جبهات كردفان ودارفور محوراً أساسياً في تحديد اتجاه المرحلة المقبلة.
وفي الوقت الذي تتحدث فيه القوى الدولية عن وقف إطلاق النار والحوار السياسي، تستمر الاستعدادات العسكرية والتعبئة الميدانية، بما يشير إلى أن المسار الدبلوماسي لم ينجح بعد في فصل المفاوضات عن حسابات القوة على الأرض.
المحور الأول: نيويورك تعيد السودان إلى واجهة الحراك الدولي
شهدت نيويورك تحركاً دبلوماسياً متزايداً بشأن السودان، حيث عقد الاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي وفرنسا وألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة اجتماعاً وزارياً لتنسيق الجهود بشأن الأزمة الإنسانية ودعم الحوار السوداني–السوداني.
وأكد البيان المشترك ضرورة استئناف المفاوضات للوصول إلى وقف دائم لإطلاق النار، مع التشديد على أن مستقبل الحكم في السودان يجب أن يحدده السودانيون من خلال عملية سياسية شاملة وشفافة. كما أشار البيان إلى أن الحرب أصبحت تهدد مستقبل الدولة والاستقرار الإقليمي.
وفي السياق نفسه، دعا رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة، عقب لقائه وزير الخارجية السوداني في نيويورك، إلى وقف فوري للأعمال العدائية وإحلال السلام في السودان.
القراءة:
المهم في هذا التحرك أنه يعكس انتقال الملف السوداني من مجرد إدارة أزمة إنسانية إلى محاولة إعادة بناء مسار سياسي، مع بروز فكرة الحوار السوداني–السوداني باعتبارها جزءاً أساسياً من أي تسوية مقبلة.
المحور الثاني: واشنطن والحراك المدني في مواجهة أزمة الثقة
في واشنطن تحرك وفد مدني بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك لبحث الحرب والمساعدات الإنسانية والضغط من أجل وقف إطلاق النار، في وقت تستمر فيه الاتصالات الأمريكية مع الأطراف الإقليمية والسودانية.
وكان المبعوث الأمريكي مسعد بولس قد أجرى في نيويورك مباحثات مع وزيري خارجية السودان ومصر حول وقف الحرب والتوصل إلى مسار للسلام الدائم.
في المقابل، أثار مستشار سوداني، أمجد فريد، اعتراضات حادة على التصور الأمريكي لوقف إطلاق النار، محذراً من أن الصيغة الحالية، في تقديره، قد تفتح الباب أمام سيناريو شبيه بالتقسيم الليبي. وهذه قراءة ومخاوف سياسية من الجانب السوداني وليست دليلاً على وجود خطة أمريكية معلنة لتقسيم السودان. وتفيد رويترز بأن المقترح الأمريكي يقوم على هدنة لمدة 90 يوماً يعقبها تفاوض سياسي.
القراءة:
أصبحت واشنطن إحدى أهم ساحات الصراع السياسي حول شكل التسوية، وليس فقط حول وقف إطلاق النار. ولذلك فإن السؤال الأساسي لم يعد متى تتوقف الحرب فقط، بل: ما شكل الدولة والترتيبات السياسية والأمنية التي ستأتي بعدها؟
المحور الثالث: الرياض والحركة الخليجية الجديدة
يتزامن الحراك السعودي بشأن السودان مع تطور لافت في العلاقات السعودية–الإماراتية، بعد زيارة نائب رئيس دولة الإمارات الشيخ منصور بن زايد إلى الرياض ولقائه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، في تحرك وصفته مصادر دولية بأنه يعكس سعياً إلى إعادة تنشيط التنسيق بين البلدين بشأن الملفات الإقليمية.
ولا يعني هذا التطور بالضرورة وجود اتفاق سعودي–إماراتي جديد بشأن السودان، لكنه يكتسب أهمية بسبب الدور الذي يلعبه الطرفان في الجهود الإقليمية والدولية الخاصة بالأزمة السودانية.
القراءة:
أي تقارب أو تباعد بين القوى الخليجية يمكن أن ينعكس على مسار الوساطة السودانية، خصوصاً أن استمرار الحرب يرتبط بدرجة كبيرة بتداخل الحسابات السودانية مع الحسابات الإقليمية.
المحور الرابع: الفاشر وكردفان… الميدان يسبق السياسة
في الوقت الذي تتحرك فيه العواصم نحو الهدنة، تستمر الحسابات العسكرية في الواجهة.
وفي الفاشر، تحدثت مصادر عسكرية سودانية عن اكتمال الاستعدادات لتنفيذ ما وصفته بـ«ساعة الصفر» لاستعادة المدينة، وهو إعلان عن الجاهزية وليس دليلاً على بدء العملية فعلياً.
وتأتي هذه التطورات في ظل انتقال ثقل كبير من العمليات إلى كردفان، حيث أصبحت المنطقة حلقة وصل استراتيجية بين مناطق سيطرة القوات المسلحة في الوسط والشرق وبين دارفور.
كما تصاعد استخدام الطائرات المسيّرة في الحرب، إذ أفادت رويترز بأن هجمات المسيّرات على مدن في شمال كردفان شهدت تصعيداً خلال سبتمبر، وأن الطائرات المسيّرة أصبحت من الأدوات الرئيسية في العمليات العسكرية لدى طرفي النزاع.
القراءة:
الميدان في كردفان ودارفور سيظل عاملاً مؤثراً في أي تفاوض؛ فكل طرف يسعى إلى تحسين موقعه العسكري قبل الدخول في ترتيبات سياسية ملزمة.
المحور الخامس: أزمة التأشيرة والشرعية السياسية
لا تزال أزمة منع تأشيرة رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان من حضور الجمعية العامة للأمم المتحدة تمثل إحدى أكثر حلقات التوتر بين الخرطوم وواشنطن.
وارتبطت الأزمة، وفق مصادر نقلت عنها رويترز، بالخلاف حول المقترح الأمريكي لوقف إطلاق النار، الأمر الذي أضاف بُعداً سياسياً إلى الخلاف بين الحكومة السودانية والإدارة الأمريكية.
وفي المقابل، عزز استقبال واشنطن لوفد مدني سوداني برئاسة حمدوك النقاش الداخلي حول طبيعة الدور الأمريكي في تشكيل المسار السياسي السوداني.
القراءة:
أزمة التأشيرة لا تبدو منفصلة عن معركة أوسع حول من يمثل السودان في مرحلة ما بعد الحرب، ومن يشارك في صياغة المرحلة الانتقالية، وكيف يمكن منع المسار السياسي من التحول إلى عامل جديد في انقسام الدولة.
المحور السادس: «صمود» والمعركة على النفوذ في واشنطن
دخل تحالف «صمود» أيضاً على خط التحرك السياسي في واشنطن، في محاولة للتأثير على النقاش الأمريكي والدولي بشأن الحرب.
وفي هذا السياق، كشفت تقارير مستندة إلى سجلات قانون تسجيل الوكلاء الأجانب في الولايات المتحدة (FARA) عن تعاقد بقيمة 160 ألف دولار بين شركة «دبايوا» ومجموعة أمريكية لتقديم خدمات استشارية وعلاقات عامة مرتبطة بالملف السوداني في واشنطن. وتفيد التقارير بأن التعاقد موثق، بينما ظلت بعض تفاصيله محل عدم تعليق من الأطراف المعنية.
أما الحديث عن «سقوط صمود» أو وجود مخالفات سياسية أو مالية، فينبغي التعامل معه باعتباره مواقف أو مقالات رأي واتهامات سياسية تحتاج إلى أدلة مستقلة، لا باعتبارها حقائق مثبتة.
القراءة:
الحرب السودانية لم تعد تدور فقط في الخرطوم والفاشر وكردفان؛ فقد أصبحت واشنطن ونيويورك وأوروبا ساحات موازية لصراع الروايات والتأثير السياسي وصناعة المواقف الدولية.
المحور السابع: العفو عن عمر البشير… عودة ملف الرموز السياسية
عاد الجدل حول الرئيس السوداني السابق عمر البشير إلى الواجهة من خلال دعوات سياسية وإعلامية إلى توسيع نطاق العفو ليشمله.
ومن أبرز هذه الدعوات ما طرحه الكاتب حسن إسماعيل، الذي تساءل عن أسباب عدم شمول البشير بالعفو، في إطار نقاش سياسي أوسع حول مستقبل المعتقلين والقيادات السياسية في السودان.
القراءة:
هذا الملف يتجاوز شخص البشير إلى سؤال أكبر يتعلق بكيفية إدارة المرحلة الانتقالية بعد الحرب، وحدود العفو والمساءلة والمصالحة، وكيف يمكن تحقيق العدالة دون تحويلها إلى أداة جديدة لإعادة إنتاج الصراع السياسي.
المحور الثامن: تصورات الحرب على السودان ومسارات المرحلة المقبلة
في ضوء التطورات العسكرية والدبلوماسية والإقليمية الحالية، يمكن قراءة الحرب من خلال أربعة تصورات رئيسية، وهي ليست تنبؤات مؤكدة، وإنما مسارات محتملة تتوقف على موازين القوة والمواقف الإقليمية والدولية.
1. تصور استمرار حرب الاستنزاف
يقوم هذا المسار على استمرار القتال دون قدرة أي طرف على تحقيق حسم نهائي، مع انتقال مركز العمليات بين كردفان ودارفور ومناطق أخرى وعذاب غير مرجح لانحرار وأضعف قوات الدعم السريع
ويؤدي استمرار هذا الوضع إلى استنزاف اقتصادي وإنساني أكبر، وترسيخ مناطق النفوذ والإدارات المتنافسة، وهو ما يرفع مخاطر التفكك المؤسسي والجغرافي للدولة.
وقد حذرت تحليلات بحثية من احتمال استمرار خطوط التماس وتكريس واقع الانقسام إذا لم تتغير الحسابات العسكرية والسياسية للأطراف.
2. تصور الهدنة ثم التفاوض
يقوم هذا المسار على نجاح مبادرة وقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً، ثم الانتقال إلى مفاوضات سياسية أوسع.
لكن نجاحه يتطلب معالجة ملفات تتجاوز وقف إطلاق النار، ومنها ترتيبات الانسحاب، حماية المدنيين، المساعدات الإنسانية، مستقبل القوات المسلحة والدعم السريع، ومصير الإدارات الموازية.
وتشير قراءة متخصصة حديثة إلى أن الهدنة لن تكون كافية وحدها ما لم تغير الحسابات العسكرية والسياسية والاقتصادية التي أدت إلى انهيار الهدن السابقة.
3. تصور التحول العسكري الكبير
قد تؤدي عملية عسكرية ناجحة في الفاشر أو كردفان، أو حدوث انشقاقات واسعة داخل أحد طرفي الحرب، إلى تغيير سريع في ميزان القوى.
وهذا المسار قد يفتح الطريق أمام مفاوضات من موقع قوة، لكنه يحمل أيضاً مخاطر كبيرة تتعلق بالانتقام والعنف ضد المدنيين إذا لم ترافقه ترتيبات أمنية وسياسية.
4. تصور التسوية السودانية الشاملة
وهو مسار يقوم على انتقال الحرب من التنافس العسكري إلى تسوية سياسية سودانية واسعة، بدعم إقليمي ودولي، تتناول شكل الدولة، والعلاقة بين المركز والأقاليم، وتقاسم السلطات، والترتيبات الدستورية والمالية، وإعادة بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية.
وهذا التصور يتقاطع مع الطرح الدولي الأخير الذي يؤكد أن وقف إطلاق النار وحده لا يكفي، وأن التسوية السياسية الشاملة يجب أن تعالج جذور الصراع وقضايا المركز والأقاليم والحكم والترتيبات الدستورية.
الخلاصة
الحرب على السودان تقف أمام مرحلة شديدة الحساسية؛ فبينما تتحرك نيويورك وواشنطن والعواصم الإقليمية باتجاه وقف إطلاق النار والحوار، تتحرك الجبهات العسكرية في الفاشر وكردفان وفق حسابات مختلفة.
واللافت أن المسارين أصبحا متوازيين: مسار عسكري يسعى إلى تحسين مواقع الأطراف، ومسار سياسي يسعى إلى صياغة ترتيبات ما بعد الحرب.
ومن هنا فإن مستقبل الحرب قد يتحرك في أربعة اتجاهات: استنزاف طويل، هدنة تقود إلى تفاوض، تحول عسكري كبير، أو تسوية سياسية شاملة. ولا يمكن الجزم مسبقاً بأي منها؛ لأن النتيجة ستتأثر بموازين القوى داخل السودان وبمواقف القوى الإقليمية والدولية وقدرتها على تنسيق جهود الوساطة.
ويبقى التحدي الأكبر هو أن تتحول الجهود الدولية من إدارة الحرب إلى إنهائها، ومن وقف إطلاق النار إلى بناء سلام يحافظ على وحدة السودان ومؤسساته وسيادته، ويتيح للسودانيين أنفسهم تحديد مستقبل دولتهم عبر عملية سياسية شاملة.
السودان بين الحراك الدولي والتصعيد الميداني وتصوّرات الحرب .. قراءة صحفية في تطورات الحرب والتحركات الإقليمية والدولية .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشؤون الإفريقية والعلاقات الدولية وتحليل النزاعات
المقالة السابقة


