Popular Now

من لنا بالقطيفة الفدكية؟ .. قراءة في القيادة النبوية لإدارة الأزمات، ودروس في جمع أهل السودان .. د. أحمد الطيب السماني — أستاذ القيادة والتنمية

وقفة مع النفس .. لا تُعامل الناس بما فهمتَ أنت… بل بما قصدوا هم .. مناظرة بين علم النفس والقرآن الكريم حول سوء الفهم وسوء الظن .. د. حنان درار سيد ادريس

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. السودان.. المسرح سلاح مهم .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

من لنا بالقطيفة الفدكية؟ .. قراءة في القيادة النبوية لإدارة الأزمات، ودروس في جمع أهل السودان .. د. أحمد الطيب السماني — أستاذ القيادة والتنمية

ليس السودان اليوم في حاجة إلى مزيد من السلاح، بقدر حاجته إلى مزيد من الحكمة، وليس في حاجة إلى منتصر جديد، بقدر حاجته إلى قائد يجمع أبناءه حول وطن واحد.
مدخل
في زحمة الأحداث التي تموج بها حياة الأمم، تبقى بعض المشاهد النبوية الصغيرة في ظاهرها، عظيمة في دلالاتها، حتى لتغدو مدرسة متكاملة في القيادة وإدارة الأزمات. ومن تلك المشاهد ما رواه الصحابة رضي الله عنهم حين خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عائدًا لسعد بن عبادة رضي الله عنه، راكبًا حمارًا عليه قطيفة فدكية، وقد أردف خلفه أسامة بن زيد رضي الله عنه.
قد يبدو هذا الوصف لأول وهلة تفصيلًا عابرًا، غير أن علماء الحديث حفظوه لأنه جزء من مشهدٍ ستتجلى فيه واحدة من أروع صور القيادة النبوية. ففي الطريق مرّ النبي صلى الله عليه وسلم بمجلس ضمّ المسلمين واليهود والمشركين والمنافقين في مكان واحد، وهو مشهد يعكس طبيعة المجتمع المدني آنذاك بكل ما فيه من تنوع واختلاف وتوترات كامنة.
ثار غبار الدابة، فاعترض عبد الله بن أُبيّ بن سلول، ثم تطورت الكلمات حتى كادت أن تتحول إلى مواجهة بين الحاضرين، وانقسم المجلس إلى مؤيد ومعارض، وظهرت بوادر أزمة اجتماعية وسياسية في مجتمع لا يزال في طور البناء.
هنا لا يلفت النظر الحمار ولا القطيفة، وإنما يلفت النظر القائد.
لم يغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه، ولم يستثمر الموقف لتصفية الخصوم، ولم يؤجج الانقسام، ولم يسمح للغضب أن يقود القرار، بل تعامل مع الأزمة بمنهج يسبق بأربعة عشر قرنًا ما تدرسه اليوم أرقى مدارس القيادة وإدارة النزاعات في العالم.
ولذلك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه على واقع السودان اليوم ليس: أين القطيفة الفدكية؟ وإنما:
من لنا بالقطيفة الفدكية؟
أي: من لنا بذلك النموذج القيادي الذي حضر في ذلك المشهد؟ من لنا بقيادة ترى في الاختلاف حقيقة اجتماعية ينبغي إدارتها، لا ذريعة لإلغاء الآخر؟ ومن لنا بعقلية تُطفئ الحرائق قبل أن تتحول إلى رماد وطن؟
ليست القطيفة هنا رمزًا لكساء، وإنما رمز لمشهد كامل تجلّت فيه القيادة النبوية وهي تدير مجتمعًا متعدد المشارب والانتماءات دون أن تسمح للخلاف أن يتحول إلى انهيار للدولة.
واليوم، وبعد ما أصاب السودان من ويلات الحرب والانقسام والتشظي، يبدو هذا المشهد أكثر حضورًا من أي وقت مضى. فالمجتمعات لا تنهار لأنها تختلف، وإنما تنهار عندما تفقد القدرة على إدارة اختلافها.
أولًا: إدارة الأزمة لا انتصار فيها لطرف
إن أول ما يلفت النظر في هذا الموقف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتعامل مع الأزمة بوصفها معركة ينبغي كسبها، وإنما بوصفها موقفًا ينبغي احتواؤه.
وهذه نقطة جوهرية في علم إدارة الأزمات؛ إذ يقرر الباحثون أن القائد الناجح لا يقيس نجاحه بعدد الخصوم الذين أسكتهم، وإنما بعدد الأزمات التي منعها من التصاعد.
لقد كان يستطيع، وهو قائد الدولة، أن يأمر بمعاقبة عبد الله بن أُبيّ، لكنه لم يفعل؛ لأنه كان يدرك أن معالجة الحدث لا تكون دائمًا بإظهار القوة، وإنما بتقدير المآلات وحماية النسيج الاجتماعي.
وهذا ما يفتقده كثير من المجتمعات حين تتحول الخلافات إلى معارك صفرية؛ حيث يصبح هدف كل فريق هزيمة الآخر، ولو كان الثمن هزيمة الوطن بأسره.
ثانيًا: إدارة التنوع… سرّ بقاء الدولة
كان المجلس الذي مرّ به النبي صلى الله عليه وسلم يضم أطيافًا مختلفة: مؤمنين، ويهودًا، ومشركين، ومنافقين، ولم يسعَ النبي إلى إلغاء هذا التنوع، لأنه كان يدرك أن التنوع سنة اجتماعية، وأن نجاح الدولة لا يكون بإزالة الاختلاف، وإنما بإدارته وفق قواعد العدل والاحترام وسيادة القانون.
وهذا الدرس بالغ الأهمية بالنسبة للسودان؛ فهو بلد غني بتنوعه الثقافي والعرقي واللغوي والقبلي والديني، وهذه التعددية ليست عبئًا في ذاتها، وإنما تصبح كذلك عندما تُستغل لإنتاج الاستقطاب والكراهية.
لن ينهض السودان إذا سعى كل فريق إلى إقصاء الآخر، وإنما ينهض عندما يدرك الجميع أن الوطن يتّسع للجميع، وأن بقاء الدولة مقدَّم على انتصار أي فئة.
ثالثًا: من المشهد النبوي إلى نظريات القيادة الحديثة
إذا قرأنا هذا المشهد النبوي بعين الباحث في الإدارة والقيادة، سنجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مارس في دقائق معدودة ما أصبح اليوم يُدرَّس في الجامعات العالمية تحت مسميات متعددة: القيادة التحويلية (Transformational Leadership)، والقيادة الخادمة (Servant Leadership)، والذكاء العاطفي (Emotional Intelligence)، وإدارة أصحاب المصلحة (Stakeholder Management)، وإدارة الصراع (Conflict Management).
إن عبقرية القيادة النبوية أنها لم تكن تنظيرًا، وإنما ممارسة عملية سبقت هذه المدارس بقرون طويلة.
١. القيادة التحويلية: صناعة الإنسان قبل صناعة القرار
يرى الباحثون أن القائد التحويلي لا يكتفي بحل المشكلات، بل يعمل على تغيير طريقة تفكير الناس، ونقلهم من ردود الأفعال إلى الرؤية المشتركة. وهذا ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلم ينشغل بمن انتصر في الجدال، وإنما أعاد توجيه الجميع إلى الرسالة الكبرى: بناء الإنسان وبناء المجتمع.
وهذه رسالة ينبغي أن تصل إلى القيادات السودانية اليوم: فالوطن لا يُبنى حين ينجح طرف في إقصاء طرف آخر، وإنما حين تنجح القيادة في تحويل الجميع إلى شركاء في المستقبل. فالسؤال الحقيقي ليس: من الذي ربح الحرب؟ بل: من الذي سيبني السودان بعد أن تسكت البنادق؟
٢. القيادة الخادمة: حين يتقدم القائد الصفوف لخدمة الناس
كان النبي صلى الله عليه وسلم في طريقه لعيادة مريض، لا لافتتاح مشروع، ولا لاستعراض قوة، ولا لقيادة موكب رسمي. وهنا تتجلى فلسفة القيادة الخادمة التي ترى أن القائد الحقيقي هو الذي يجعل خدمة الناس محور سلطته، لا استثمارهم لخدمة سلطته.
إن أخطر ما يصيب الدول بعد النزاعات هو تحوُّل السلطة إلى غاية، بينما يعلمنا النموذج النبوي أن السلطة مسؤولية أخلاقية لا هدف في ذاته. ولذلك يحتاج السودان إلى قادة يتسابقون إلى خدمة المواطن قبل التنافس على المناصب.
٣. الذكاء العاطفي: الانتصار على النفس قبل الانتصار على الآخرين
يُعد الذكاء العاطفي اليوم من أهم معايير القيادة الفاعلة، ويُقصد به قدرة القائد على إدارة مشاعره، وفهم مشاعر الآخرين، والتعامل معها بحكمة.
ولو تأملنا الموقف لوجدنا أن النبي صلى الله عليه وسلم تعرّض لاستفزاز مباشر من عبد الله بن أُبيّ، ومع ذلك لم يجعل الانفعال قائدًا للقرار؛ لأن القائد الذي يفقد توازنه في لحظة الغضب قد يجرّ أمته كلها إلى قرارات لا يمكن التراجع عنها. ولعل من أعظم ما يحتاجه السودان اليوم هو انتقال الخطاب العام من لغة الانفعال والاتهام إلى لغة العقل والحكمة والمسؤولية.
٤. إدارة أصحاب المصلحة: الجميع جزء من الحل
في الفكر الإداري الحديث، لا يمكن معالجة أزمة معقدة دون فهم مصالح جميع الأطراف المؤثرة فيها. والمشهد النبوي يقدّم نموذجًا فريدًا؛ فالمجلس لم يكن يضم فريقًا واحدًا، بل كان مجتمعًا كاملًا بتناقضاته، ومع ذلك لم يتعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع الحاضرين بمنطق التصنيف والإقصاء، وإنما بمنطق المحافظة على استقرار المجتمع مع الثبات على المبادئ والعدل.
إن السودان اليوم يضم أصحاب مصالح متعددين: مؤسسات الدولة، والقوى السياسية، والإدارات الأهلية، والشباب، والمرأة، والمهنيين، ورجال الأعمال، والنازحين، والمهاجرين، والمجتمع المدني، وغيرهم. وأي مشروع وطني يتجاهل طرفًا مؤثرًا سيظل مشروعًا ناقصًا، لأن السلام الحقيقي لا يُفرض، بل يُبنى بمشاركة واسعة وثقة متبادلة.
٥. إدارة الصراع: منع التصعيد قبل البحث عن الانتصار
تُجمع مدارس إدارة الصراع على أن القائد الناجح لا ينتظر حتى تنفجر الأزمة، بل يتدخل في بداياتها لاحتوائها. وهذا ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ أوقف مسار التصعيد قبل أن يتحول إلى صدام.
وهنا يكمن الفرق بين من يدير الأزمة ومن يدير آثارها: فالأول يمنع الحريق، والثاني ينشغل بإطفائه بعد أن يلتهم كل شيء. وللأسف، دفعت المجتمعات التي تأخرت في احتواء أزماتها أثمانًا باهظة من أرواح أبنائها ووحدة أوطانها، وهو درس ينبغي أن يبقى حاضرًا عند التفكير في مستقبل السودان.
رابعًا: ماذا يقول هذا المشهد للسودانيين؟
ربما تختلف الرؤى السياسية، وتتباين الاجتهادات، وتتعدد القراءات، لكن ثمة حقيقة لا ينبغي أن يختلف عليها اثنان: لن ينتصر السودان إذا خسر السودانيون بعضهم بعضًا.
إن الوطن لا يمكن أن يُبنى على الكراهية، ولا يمكن أن ينهض بالثأر، ولا يمكن أن يستعيد عافيته إذا ظل كل طرف يعتقد أن مستقبله مرهون بزوال الطرف الآخر.
لقد علّمتنا القطيفة الفدكية أن القيادة لا تُقاس بارتفاع المنصة، وإنما بقدرتها على خفض التوتر، وتقريب القلوب، وصناعة الأمل. وحين يتحول الحوار إلى ثقافة، والاختلاف إلى مساحة للتفكير لا إلى ميدان للعداء، تبدأ رحلة التعافي الحقيقي.
إن السودان يمتلك من الموارد، ومن التاريخ، ومن الكفاءات، ومن القيم الاجتماعية، ما يؤهله لأن ينهض من جديد، شريطة أن تكون الأولوية لبناء الثقة قبل بناء المؤسسات، ولإعادة الإنسان قبل إعادة العمران.
القطيفة الفدكية… مشروع وطني لإعادة بناء السودان
إن أعظم ما يميز القيادة النبوية أنها لم تكن تبحث عن إدارة اللحظة، وإنما عن صناعة المستقبل. ولذلك لم يكن همّ رسول الله صلى الله عليه وسلم إخماد خلاف عابر في مجلس، بل بناء مجتمع قادر على تجاوز الخلافات كلما تجددت.
ومن هذا المنطلق، فإن السودان لا يحتاج اليوم إلى حلول مؤقتة، بقدر حاجته إلى مشروع وطني جديد، يستلهم هدي النبوة، ويستفيد من تجارب الأمم، ويؤسس لدولة تتسع لجميع أبنائها.
ولعل “القطيفة الفدكية” يمكن أن تتحول إلى رمز لهذا المشروع، لا باعتبارها قطعة قماش، وإنما باعتبارها شاهدًا على لحظة انتصرت فيها الحكمة على الانفعال، والوحدة على الفرقة، والمستقبل على حسابات اللحظة.
عشر ركائز لإعادة بناء السودان
الركيزة الأولى: إعادة بناء الإنسان قبل إعادة بناء المدن
إن الحروب تهدم الحجر، أما الكراهية فتهدم الإنسان. ولذلك فإن أول مشروع وطني يجب أن يبدأ بإعادة بناء الثقة، وترميم العلاقات الاجتماعية، وإحياء ثقافة التسامح، وترسيخ قيمة المواطنة التي تجعل الانتماء للسودان فوق كل انتماء آخر.
آلية مقترحة: عبر برامج مصالحة مجتمعية محلية تُشرف عليها هيئات مستقلة وموقوتة بجدول زمني واضح.
الركيزة الثانية: تحويل التنوع إلى مصدر قوة
لقد أثبت التاريخ أن الدول العظيمة لم تُبنَ رغم تنوعها، بل بفضل حسن إدارتها لهذا التنوع. والسودان بما يملكه من تنوع ثقافي وإثني ولغوي قادر على أن يجعل من هذا التنوع مصدرًا للإبداع والوحدة، إذا توافرت القيادة الرشيدة والمؤسسات العادلة.
آلية مقترحة: عبر تمثيل عادل ومضمون دستوريًا لكل المكونات في مؤسسات الدولة.
الركيزة الثالثة: الحوار بديلاً عن الإقصاء
لم يكن المجتمع المدني الأول مجتمعًا متجانسًا، ومع ذلك أدار النبي صلى الله عليه وسلم اختلافاته بالحوار والعدل. وهذه رسالة للسودانيين جميعًا: فلا سلام دائم يولد من الإقصاء، ولا استقرار حقيقي يقوم على إلغاء الآخر.
آلية مقترحة: عبر منصة حوار وطني دائمة تضم كل الأطراف المتنازعة والمكونات المدنية.
الركيزة الرابعة: بناء مؤسسات تحكمها القواعد لا الأشخاص
الأوطان القوية لا تعتمد على الأفراد مهما بلغت كفاءتهم، بل على مؤسسات مستقلة، ونظم حوكمة رشيدة، وعدالة تُطبَّق على الجميع، ومساءلة تضمن ألا يكون أحد فوق القانون.
آلية مقترحة: عبر إصلاح دستوري يضمن استقلال القضاء والأجهزة الرقابية.
الركيزة الخامسة: القيادة الأخلاقية
إن السودان بحاجة إلى قيادات تدرك أن المنصب تكليف لا تشريف، وأن خدمة المواطن هي معيار النجاح الحقيقي، وأن الثقة العامة تُكتسب بالنزاهة والشفافية والتواضع.
آلية مقترحة: عبر مدونات سلوك ملزمة وإفصاح مالي علني للمسؤولين.
الركيزة السادسة: الاستثمار في الشباب والمرأة
إن إعادة بناء السودان لا يمكن أن تتم بعقول الأمس وحدها. فالشباب والمرأة يمثلون أكبر طاقة وطنية، ويجب أن يكونوا شركاء حقيقيين في صنع القرار، لا مجرد متلقين لنتائجه.
آلية مقترحة: عبر حصص تمثيلية مضمونة في هياكل الحكم الانتقالي ودعم ريادة الأعمال الشبابية.
الركيزة السابعة: اقتصاد يصنع السلام
لا يكفي وقف الحرب إذا بقيت أسبابها الاقتصادية والاجتماعية قائمة. فالعدالة في توزيع الفرص، وتحقيق التنمية المتوازنة، وتشجيع الإنتاج، ودعم المبادرات المحلية، كلها أدوات لبناء سلام مستدام.
آلية مقترحة: عبر صندوق تنمية للمناطق الأشد تضررًا من الحرب بآليات صرف شفافة.
الركيزة الثامنة: التعليم بوصفه مشروعًا وطنيًا
إن المدرسة والجامعة ليستا مؤسستين للتعليم فحسب، بل هما مصنعان للمواطنة. ومن هنا فإن إصلاح التعليم يجب أن يكون في صدارة أولويات مرحلة التعافي، حتى تتشكل أجيال تؤمن بالحوار والعمل والإبداع.
آلية مقترحة: عبر مناهج وطنية موحدة تُدرّس قيم التعايش والمواطنة.
الركيزة التاسعة: التحول الرقمي والحوكمة الذكية
لقد دخل العالم عصر الذكاء الاصطناعي، والبيانات الضخمة، والحكومة الرقمية. ولن يستطيع السودان استعادة مكانته إلا إذا جعل من التكنولوجيا أداة للشفافية، وتحسين الخدمات، ومحاربة الفساد، وتسريع التنمية.
آلية مقترحة: عبر رقمنة الخدمات العامة والسجلات المدنية بالتدريج المرحلي.
الركيزة العاشرة: ميثاق وطني للأمل
إن أخطر ما خلفته الحرب ليس الدمار المادي، وإنما تآكل الأمل. ولذلك يحتاج السودان إلى ميثاق وطني جديد، يلتف حوله الجميع، يقوم على احترام الإنسان، وسيادة القانون، والتداول السلمي، والتنمية، ووحدة الوطن.
آلية مقترحة: عبر مؤتمر جامع يُفضي إلى وثيقة مُلزمة يوقّع عليها ممثلو كل الأطراف.
خاتمة
ولعل السؤال الذي بدأنا به يبقى مفتوحًا: من لنا بالقطيفة الفدكية؟
ليس بحثًا عن كساءٍ كان على ظهر دابة، وإنما بحثًا عن حكمةٍ كانت على رأس قائد.
بحثًا عن قائد يرى في الخصومة فرصة للإصلاح، لا مناسبة للانتقام.
بحثًا عن قائد يجلس المختلفين إلى مائدة الوطن قبل أن يجلسهم إلى موائد التفاوض.
بحثًا عن قيادة تؤمن بأن الدولة لا تُبنى بالغلبة، وإنما بالعدل، ولا تُحفظ بالقوة وحدها، وإنما بالثقة، ولا تستمر بإقصاء أبنائها، وإنما باحتضانهم جميعًا.
لقد حفظت كتب السيرة خبر القطيفة الفدكية لأنها كانت حاضرة في مشهد من أعظم مشاهد القيادة الإنسانية. أما نحن، فإن واجبنا اليوم ليس أن نتذكر القطيفة، بل أن نستعيد القيم التي شهدتها.
فإذا استطاع السودانيون أن يجعلوا من الحكمة منهجًا، ومن الحوار ثقافة، ومن العدالة أساسًا، ومن الوطن جامعًا لا ساحةً للصراع، فلن يكون السؤال: من لنا بالقطيفة الفدكية؟ بل سيكون: كيف جعلنا من هديها مشروعًا لنهضة السودان؟
وما أحوج السودان اليوم إلى رجال ونساء يحملون من أخلاق القيادة بقدر ما يحملون من طموح السلطة، ومن روح المسؤولية بقدر ما يحملون من حب الوطن. فالأوطان لا ينهض بها المنتصرون في المعارك وحدها، وإنما ينهض بها الحكماء الذين يحوّلون الانتصار على الخصوم إلى انتصار للوطن، ويجعلون من اختلاف أبنائه مصدرًا لثرائه، لا سببًا لفنائه.
ودمتم سعداء.

المقالة السابقة

وقفة مع النفس .. لا تُعامل الناس بما فهمتَ أنت… بل بما قصدوا هم .. مناظرة بين علم النفس والقرآن الكريم حول سوء الفهم وسوء الظن .. د. حنان درار سيد ادريس

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *